أضف الى المفضلة RSS خدمة اجعلنا صفحة البداية

بحث متقدم

الاحتلال يمنع احمد الطيبي ومفتي فلسطين من دخول الاقصى
المقالات والآراء المنشورة تعبر عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
إلهام فلسطين
نشر الأحــد 11/04/2010 الساعة 14:52
كلما زرت مدرستي الأولى التي تلقيت التعليم فيها 6 سنوات، بحثت عني، أنا ذلك الطفل الذي كان هنا..أول البدايات، فأعود إلى الوراء 37 عاما إلى الوراء كأنني أطير في فضاء الزمن، وحين أرى أطفالي الثلاثة في الطابور الصباحي فإنني أعود من رحلة الزمن سريعا، فأحط على وجه طفلي محمد الذي يشبهني كثيرا، ما عدا العينين فهو أوسع. حسنا لأكن أنا هو وهو أنا، برعم على غصن، على ساق..لعلي أقارن زمنين في مكان تغيرت ملامحه، فقد كبرت المدرسة معي، كبر المبنى والملعب، وازداد عدد الطلاب..يغريني تذكر طفولتي، والدي في صلاة الفجر، بدعائه الجميل، كانون نار شتائي، إفطار الزيت والزعتر والشاي وحليب الشاة..الخبز البارد الذي تحمصه والدتي بالزيت في الطابون، التعثر في ربط خيط الحذاء، ترديد المحفوظات في الطريق..تأمل الحمام على رؤوس أشجار السرو فيميل حيث يميلها الهواء وهي عليه باقية لا تسقط ولا تطير!

ثمّ وأنا في عناق الحنين والذكريات، أجد نفسي الآن متسائلا عما تحتاجه العملية التربوية حتى تكون أفضل وأجمل، وحتى أرى الابتسامات تتناثر في غرف الصف وعلى أبواب المدارس صباحا لا بعد الظهر!

الإبداع التربوي ليس شعرا أو نثرا أو أي ضرب من ضروب الأدب والفن!

بل هو ربما أهم، ولنا أن نقيس ذلك من نتيجة العمل التربوي الإبداعي، الذي يشد الطلبة ويثير فكرهم وابتسامهم، غير ذلك من عمل تربوي عادي روتيني ممل ينطلق من أداء موظف يحدّ من التفكير، ويكون مصدرا دائما للعبوس..انظر/ي في أعين الطلبة الذاهبين إلى غرف الصف، حيث تحتل وجوههم مسحات حزن وقلق وخوف..وحين نرى طلبتنا يذهبون إلى غرف الصف باسمين، فقط عندها سنطمئن أن المدرسة صارت مكانا محببا للأطفال!

لا أظن أننا بحاجة للابتعاد كثيرا؛ فقط ما علينا إلا أن نضع أنفسنا مكان الطلبة-الأطفال عند التعامل معهم وتعليمهم..

قبل عام، استوقفني نشاط تربوي في بلدنا، سمي باسم إلهام فلسطين..فرحت أقرأ أدبياته، وتابعت كغيري من التربويين أخباره، وصولا إلى الإعلان عن المبادرات التربوية كحصاد للعام 2009..أغراني العنوان أكثر من المجمل، وأغراني المجمل أكثر من التفاصيل..أغراني ذلك لأكتب مقالا، لكنني انشغلت عنه، وحين نويت الكتابة صار ذلك متأخرا، لذلك فإن عمر مقالي هذا عام ونصف!

وقفت عند اختيار كلمة "إلهام"، ربما لتداعياتها في الكتابة الإبداعية، وأحببت ذلك، لكن هل تكفي الكلمات لتأخذنا كل مأخذ!

أسعدني أن "إلهام فلسطين" كنشاط رئيسي لمؤسسة التربية العالمية يهتم بوجه خاص بالمعلمين ومديري المدارس والمرشدين والطلبة، حيث لاقى صدى في ذهنيي، كوني منظرا للانطلاق في العمل التربوي من غرفة الصف تحديدا وتركيزا في هذه المرحلة..فما لا يؤدي هدفه الفعلي المتحقق داخل الدرس التربوي (غرفة التعلم) أجده ثانويا، أو لعله زائدا عن الحاجة، لأن هناك اتجاها تربويا رسميا في عدد من البلاد اليوم ينحى منحى الاهتمام بكل ما هو خارج العملية التربوية، على حساب بيت القصيد، ظانا أننا انتهينا من حلول مشاكلنا التربوية، فلنتفرغ قليلا للفضاء التربوي العام!

الطالب-المعلم، اللذان كنتهما يوما، وكل التربويين..وما زلنا كذلك معلمين، ومتعلمين على مقاعد مدرسة الحياة..

كنت هنا معلما، وفي مدارس أخرى، ترى هل كانت هناك مبادرات تربوية!

زارني مشرف اللغة العربية بعد شهر من بدء العام الدراسي في مدرسة قريبة، ولما كنت قد علمت أن طلبة الصف التاسع يومها لا يجيدون القراءة، فقد أردت توصيل هذه الرسالة للمشرف، فطلبت منهم القراءة، وكان ما كان من صعوبات في القراءة، كانت رسالة مني له، أنه ينبغي تعليم القراءة والكتابة أولا، قبل النحو والصرف وتحليل الشعر! لكنه لم يلتقط الرسالة، كونه يتبع أوراقا هي دليله لا الواقع الذي بين يديّ..حزنت لذلك، واجتهدت كيف أسير بشكل متوازن ما بين تعليم الدروس، وفي الوقت نفسه الارتقاء بقدرات الأطفال القرائية والكتابية..في آخر العام، كان إنجازي ليس إنهاء المنهاج، لأن هذا أمر عاديّ وروتينيّ، بل ما سعدت به هو أن الطلاب شبه الأميين صاروا يقرؤون ويكتبون!

لن أنسى قصيدة للشاعر عرار، بعنوان عشيات وادي اليابس، احترت كيف أعلمها، فكيف سيحفظ الأطفال الشعر ويفسرونه وهم على هذا النحو من ضعف القراءة والكتابة! فما كان مني إلا أن قلت لهم: ارسموا القصيدة..ليرسم كل منكم بيتا من الأبيات أو بيتين!

في اليوم التالي صارت جدران الصف لوحات عديدة، تم كتابة بيت أو أكثر على كل لوحة..فتلك القصيدة الغزلية صارت مشاهد..مرسومة!

كم ضحكنا ذلك اليوم، حين عبّر الأطفال المراهقون عن الحب..رسما!

بسهولة حفظ أولا الصف القصيدة..!

بدأت بالتعليم وأنا طفل صغير، حين اعتاد الآخرون طلب مساعدتي، لكن أول مرة أعلم فيها، كنت في الصف الثامن أو التاسع..حيث خصص بعض الزملاء غرفة، فيها لوح للكتابة، كان شعورا جميلا أن أكون معلما..لكن الذي علق بذهني وقتها أن الأولاد تعلموا مني بشكل أفضل من المعلم..ليس لأنني متخصصا بل لانعدام الخوف..ففي ظل الخوف يصبح السهل صعبا، وفي ظل الطمأنينة والاختيار يصير الصعب أقل صعوبة. بعد ذلك مارست التعليم لزملائي في الجامعة، فعلمت زملائي الفلسطينيين والمصريين في كلية الآداب-قسم اللغة العربية..علمتهم اللغة الإنجليزية والنحو والبلاغة والعروض..

أما بداية عملي كمعلم رسمي فتأخرت إلى ما بعد التخرج..لكنني أتذكر حين دخلت غرفة الصف، بأنني اكتشفت أنني خريج آداب لا تربية، فكيف سأعلم!

قلت: لأعلّم كما تعلمت، لكنني وقد صرت أعلم كل يوم، بيت في نفسي بضع مسائل، منها ألا أكون عنيفا أبدا، وأن أستخدم منطق الأدب والفن في التعليم، أي أن أستخدم أسلوبا غير مباشر في توصيل المعلومة، حتى يفهمها الأطفال، لا مجرد أن يحفظونها..فبدأت أسير سيرا تقليديا حتى أستمر، وأسير سيرا جديدا حتى أرضى عن نفسي، فصرت معلما ومتعلما من التعليم..صرت أتعلم التعليم من خلال عملي، كما أحببت فكرة وضع نفسي مكان الطالب!

أعود إلى إلهام فلسطين..لكن لغة!

إلهام مصدر ألهم، ما يعني وجود ملهم بكسر الهاء، وملهم بفتحها!

أي نجن في ظل وجود الفعل، من المنطقي أن يوجد الفاعل والمفعول به، والذي صغنا منه اسم الفاعل واسم المفعول، فمن هو الملهم بكسر الهاء وفتحها؟

وهل سيكمن الجواب في المعجم أم في تاريخ الشخصيات المؤثرة التي مرّت على هذه الأرض، في كل زمان ومكان!

كعرب، وأهل لغة، لنا أن نعود إلى المعجم والشعر والقرآن الكريم وأقوال البلغاء..

في المعجم.."لهم الشيء لهما: ابتلعه، والماء لهما: جرعه. ألهمه الله خيرا: ألقاه في روعه ولقّنه إياه..استلهم الله خيرا: سأله أن يلهمه إياه. والإلهام: إيقاع شيء في القلب يطمئن له الصدر، يخصّ الله به بعض أصفيائه..

في القرآن الكريم، فإن المعنى مرتبط بما ذكر، بل إن ما ذكر هو أصلا قادم من معنى الإلهام في القرآن، لكن هذا المعنى الخاص لا ينفي أن يلهم المخلوق مخلوقا آخر بفكرة أو سلوك، بل وإبداع شعري أو فني، وكثيرا ما كان يقال بأن للشاعر ملهمة قصائد أو ملهمات، ولعل محاكاة الطبيعة في المذهب الكلاسيكي هو استلهامها إبداعيا، ولنا أن نستلهم من الحياة الكثير من المعاني لتطويرها واللعب بها فكريا وتقنيا!

في قناعاتي وخبراتي الخاصة، لم يمرّ عليّ إنسان ملهم بدون الفعل، لكن مرّ عليّ مبدعون كثيرون، في مجالات مختلفة، كان وجود الإبداع عندهم قادما من أنفسهم، من فكرهم وعلمهم وتوظيفهم تجارب الآخرين وخبراتهم وعلومهم. لذلك جاء الإبداع قطفا لثمر الجهد والكد والتعلم، فلم يأت الإبداع من قرار خارج الفرد. بل من داخله هو، باختياره، وبمحبة خالصة واستمتاع بالعمل الإبداعي.

يلهم المخلوق مخلوقا آخر بفكرة أو سلوك، وهذا ما يقع ضمن المجال البشري، حيث ينفعل الإنسان بأفكار ورؤى وفلسفات وأراء الآخرين، نظريا وعمليا. أما في العمل التربوي، فما نحتاجه أن يكون لدينا تربويون قادرين على الإلهام؛ فالقيادة تفعل الإبداع وتختصر وقته، وتخلق مناخا لنمو الإبداع. وربما تكافئ!

من هنا فإنه يعوّل على "إلهام فلسطين" أن يكون قادرا على إحداث الانفعال الإبداعي لدى المعلمين والطلبة والعاملين في الإدارة التربوية.

ل "إلهام فلسطين" شعار جميل وأخلاقي وتربوي هو "نحو بيئة تربوية لطفولة سويّة"، وهو يسعى لإحداث تحولات تربوية، تحقيقا لهذا الشعار، لذلك فهو يبحث بين المعلمين المتميزين الذين يسعون من دواخلهم إلى أسلوب فعال في التعليم، عبر معادلة أظنها على النحو التالي:

حين يكون التربوي مسكونا بمضامين تربوية باتجاهات وأفكار، فإن تلك المضامين غالبا ما تستدعي أشكالا وأساليب تعليم وتعلم إبداعية من جنس تلك المضامين.

وهذا يعني أننا نحتاج إلى تحولات تربوية، منها ما تذكره أدبيات "إلهام فلسطين" والتي تتحدث عن الانتقال "من دور داعم وميسّر الى دور الشريك الريادي المبادر والقيادي الفاعل في تخطيط وتحفيز الإدماج"، وإن تأمل هذه العبارة يمنح "إلهام فلسطين" ليس الشرعية بل الضرورة أيضا.

نعم، نحن بحاجة لنديّة وشراكة وزمالة تتجاوز الإشراف والتعليمات والأوامر المرتبطة بالمناصب، وفي ظل ذلك يمكن أن نشهد مساحات إبداعية جماعية لا تنحصر فقط على الأفراد.

ففي ظل النقاش التربوي، يحدث الوعي، ثم يصبح الوعي في مرحلة متقدمة مولدا للتغيير.

ومن المنطلقات التي تحدث عنها "إلهام" الاستجابة لعالم متحول، لذلك تصبح الاستجابة لهذا المفهوم هي في كيفية تحقيق وتحقق ذلك؛ فالعالم المتحول من حولنا إن لم نشتبك به، ونتفاعل معه تربويا، فإننا نبقى مكاننا نسير.

لا شك أن محاور "إلهام فلسطين متنوعة ومفيدة، لكنني أؤثر أن تتركز فيما يطور العملية التربوية نفسها، في الصميم لا في الهوامش!

فإضافة إلى أساليب التعلم والمناخ المدرسي، يمكن التركيز على غرفة الصف كمكان تعلم، في تركيز خاص على إيصال المفاهيم للطالب بحيث يمكنه توظيفها معرفيا، وكيفية إكساب الطالب مهارات تكامل المعرفة أيضا.

ولعل التعليم عبر تعليم التفكير والتفكير النقدي وتبادل الخبرات، عن طريق تمثل ذلك في تفاصيل العمل لا في مجمله، أو عمومياته، سيكون كفيلا بإحداث نقلة ضرورية.

أنسنة التعليم أمر في غاية الضرورة، وحين نراه متجليا في علاقة الطلبة بالمعلمين، وفي بقية العلاقات الداخلية داخل أسوار المدرسة، فإننا سنقطف جذب الأطفال للمدرسة وغرف الضفوف.

فحين يتحدث الدكتور مروان عورتاني، رئيس مؤسسة التربية العالمي المشرفة على "إلهام فلسطين" عن العمل التربوي، وعن الانطلاق من النفس المبادرة، فإن قلب التربوي وروحه يكونا دافعين لإحداث مبادرات غنية مفيدة، تنبع عن حب، لذلك رسم القائمون على المشروع رسم القلب!

ربما نلمس من د. عورتاني محبة لإحداث تحولات تربوية، لكن أظن أن المحبة والنوايا الطيبة بحاجة إلى مفكرين تربويين مبادرين قادرين على إحداث الإلهام؛ فحين اطلعت على حصاد "إلهام فلسطين" عام 2008، لاحظت أن وصف المبادرات وتقييمها أخذ منحى عاما، وكان الأجدر به أن يكون تفصيليا خاصا؛ فلم أشعر مثلا أن التقييم كان إبداعيا، بل كان أقرب إلى الأسلوب التقليدي، وكان الحق هو غير ذلك.

وجود الأستاذ وحيد جبران مديرا ل"إلهام فلسطين"، والذي خبرته فيما سبق من أفضل المعلمين الفلسطينيين، تعليما وأدبا وإنسانية وتواضع، سيكسب البرنامج حيوية وقوة، لعل أخي وزميلي وحيد يكون من الملهمين، بكسر الهاء، للتربويين العاملين، والذي أغلبهم ينتمي إلى المؤسسة التقليدية، حيث يكون بوسعهم هم أنفسهم أن يمروا في تجربة التطور نفسها، فيكونون رسلا داخل المؤسسة التربوية الحكومية والأهلية، لنشهد أيضا مبادرات داخل مديريات التربية ووزارة التربية والتعليم، تأتي في سياق هذا الحراك الذي يساهم به "إلهام فلسطين". ولعل الحراك التربوي المحلي يستفيد من تبادل الخبرة مع المؤسسات الصديقة لنا من الولايات المتحدة وفرنسا والأمم المتحدة، دون أن ننسى ضرورة وجود تبادل حقيقي للآراء والخبرات بين المؤسسات الشريكة، وعدم الاقتصار على الوجود الشكلي والرسمي فقط.

حين تصير المدرسة فعلا وحقيقة بيتا آخر للأطفال نكون قد نجحنا ونجح الأطفال..

بالنسبة لي، المدرسة بيت روحي لي، هنا كنت طفلا يتعلم الحروف والأرقام..

وهنا.. عدت إليها معلما، وسأظل أزورها بحب ، بعدما انتقلت للعمل في وزارة التربية والتعليم في الإعلام ثم في المناهج، ولعلي لن أستطيع كبح جماح حبي لهذا المكان الأثير، الذي هو فيّ إن كنت خرجت منها..وكلما سأزور المدرسة سأتعلم درسا جديدا..في الحب!

درس اليوم، لا أرى أن المهم تعميم المبادرات..بل تعميم الفكرة والتفكير والمحبة والانطلاق من داخل النفس أولا.. بهذا نخلق ينابيع المبادرات..

Ytahseen2001@yahoo.com

الطباعة ارسل الى صديق
.:: التـعـليـقـات غـيـر مـفـعـلـة ::.

Share/Bookmark

كوكتيل دم....!!
لن تسقط القدس كما سقطت غرناطة ....
جدلية العلاقة بين المشروع الوطني الفلسطيني والبعدين العربي والإسلامي
القدس عاصمة الخلاف
نقابة الموظفين جزء من الشرعية الفلسطينية
ماذا يعني الكل الفلسطيني......؟؟؟
وحدة التنمية والتطوير في هيكلية الهيئات المحلية...الهروب الى الامام

الصورة التالية
الصورة السابقة
جميع الحقوق محفوظة لـ وكـالـة مـعـا الاخـبـاريـة © . 2005-2014