أضف الى المفضلة RSS خدمة اجعلنا صفحة البداية

بحث متقدم

تأملات زينب حبش وخواطرها في "قال البحر" - تحسين يقين
نشر الأحــد 11/08/2013 (آخر تحديث) 12/08/2013 الساعة 10:43
حين كانت في الرابعة عشرة من عمرها، كتبت زينب في مذكراتها اليومية "كنت لا شيء فأصبحت شيئاً، ولكني سأصبح كل شيء".
كأنه إدراك التمكن والكينونة والوجود.
كطفلة وكفتاة صيغرة ثمة وعي على المقارنة بين زمنين، يقودهما المستقبل في ظل نزوعها إلى تحقق الكمال.
ما هو الشيء الذي لم تكنه الصغيرة، وما هو الشيء الذي أصبحت عليه؟ وهل حقاً كان طموحها كلياً إلى هذه الدرجة؟ وما الدافع الذي حرك أمنية الاكتمال!
ربما كان من الأجدى طرح التساؤل الآتي: ما الشيء الذي من خلاله انتقلت من العدم والنفي والغياب إلى الوجود والاثبات والحضور؟ والذي أيضاً من خلاله ستستطيع الاكتمال!؟
أمر مشوق هو أمرها!
والقول شوق، كما الكلام، كما البحر الذي تركت سفنها تمخر عبابه، لعلها تحظى بكنز أو لؤلؤ .. أو سفر أو أحلام.
لا أدري ما الأهم: (العنوان أو الاسم من جهة)، أم ذكر الجنس الأدبي، أو لعلهما جنسان من جهة أخرى؟
قال البحر، هو الاسم والعنوان، وتأملات وخواطر هما جنساً الأدب اللذان كتبت من خلالهما نصوصها، ولما كان الاسم غير ملفت كثيراً، فإن ذكر كلمتي تأملات وخواطر يقود إلى وضع دليل ينبئ بكتابة التأملات والخواطر!
ولربما عدنا إلى تعريف كل من التأملات والخواطر، ومن السهولة أن نقرأ تعريف الخاطرة في كتب النقد، لكن لم يمر معي تعريف محدد للتأملات!
يحتوي الكتاب الأدبي الذي بين أيدينا على نصوص كثيرة، منها نصوص تعد قصائد كاملة، وفيها نصوص تحتوي عبارات شعرية، وفيها نصوص مقالية، وحتى تجد مخرجاً من هذه الإشكالية، فقد وصفت نصوصها بخواطر وتأملات.
القول أثير لدى الكاتبة، فقد استخدمته في ديوانها الشعري "قولي للرمل"1990 وديوان"لا تقولي مات يا أمي"1993 وفي مجموعتها القصصية "قالت لي الزنبقة" 1992.
تنشد خواطر الكاتبة بتلقائيتها الملائمة للبوح بالمشاعر العمق بما يلائم التأمل والحكمة، وتأملاتها في عمقها تكتسي الوضوح والحس الإنساني على مستوى المشاعر.
لقد نثرت الكاتبة نصوصها ال 36 غير منظمة لها مثلاً حسب الموضوع، حيث جعلت القارئ/ ة هو الذي ينظم ما يشاء، وظني أن إخراج الكتاب بهذا الشكل إنما يعود إلى أنها أصلاً ترى أن موضوع الوطن والإنسان والطبيعة والحياة واحد، وأنه لا انفصال بين هذه المواضيع التي توحدها المشاعر والنظرة الإنسانية.
كتبت زينب جبش في هذا العمل الأدبي الذي اختارت له جنسي الخاطرة والتأملات: القصائد، والمقطوعات الشعرية القصيرة جداً، وخواطر عباراتها مقالية أخذت شكل أبيات الشعر الحر والمنثور، بالإضافة للعبارات الموجزة ذات الجملتين كما في نص "كلمات مضيئة"
بالحب
نحمي أرواحنا من التلف
بالضحك
نصارع الموت
بالأمل
نطرد جراد اليأس
شاعرية النصوص
في نص "قال البحر" مثال على شاعرية النص:
قال البحر
يا لهذه الأرض القاسية
لماذا كلما تقربت إليها
تسحب يدها من بين أصابعي؟
(.....)
قالت اخرى
أنا باتسامة البحر
التي بها
يتودد إلي العالم
احتوت القصيدة على صور بصرية، ولغة بيانية، وفلسفة وجودية نبيلة، ورمزية واضحة تنتقد التاريخ والصراع في هذا العالم.
مفارقة موجعة، نشاهد أمواج البحر في مدها وجزرها، ثم ننتقل إلى عالم البشر، إنسان يمد يده للسلام والاتصال، وآخر يترك اليد ممدودة ويمضي.
أما في نص "أنا" الشاعري أيضاً:

أنا هذه السماء الممتدة
التي تفتح ذراعيها لكل الطيور
وأنا هذا البحر بكل أمواجه وشطأنه
وهذه الارض بكل سحرها وغموضها
أنا الشمس وأنا القمر
:
أنا كل ما رأيته
وكل ما سأراه
:
أنا كل الذين أحببتهم
انا كل المدن التي سافرت إليها
فإنه نص يذكرنا بما كتبته الكاتبة في مذكراتها وهي طفلة، وهو تعبير عن هذا الطموح الذي يتحقق بالشيء – السر الذي لو أطلنا النظر قليلاً ربما عرفناه، وأحسب أن شاعرية العبارات تقرب النص من عالم الشعر.
أما نص "حالات تذمر" فهو نص شعري كامل، وليس في هذا غرابة، فالكاتبة أصلاً شاعرة، هي بدأت بالشعر ولا أحسبها ستترك هذا الشعر.

حالات تذمر
قالت الشمس
لقد تعبت من اللف والدوران
حول هذه الكرة العجوز
لأدفئ عظامها بشموع أصابعي
وقال القمر
أنا الوحيد في هذه الدينا
الذي لم تعد له قيمة
فالكهرباء أطفأت نور أحلامي
وقالت النجمة
وهي تشير بيدها إلى القمر البعيد
يا لقلبي الصغير
كم تحمل من الأحزان
وقال النهر
يا لحظي التعيس
منذ الأزل البعيد
وأنا أركض بلا جدوى
خلف من أحب
وقالت الشجرة
كل ربيع
أبدل ثيابي وأتزين
وأما أن تنضج ثماري
حتى تتخاطفها الطيور الغريبة
وقالت الارض
إلى متى سأظل مطية
لكل هذه المخلوقات
وقالت السماء للأرض
ألا ترين أنني أظللك بوشاحي
حلتى لا تلفحك الشمس؟
وقال البحر
إلى متى سأظل معتقلاً
في هذا السجن الكبير؟
وقالت الغيمة
كثيراً ما أصاب بالعين
فأتحول إلى سراب
وقالت اللحظة
أنا شمعة المستقبل
تمسكني يد الحاضر بقسوة
لتدحرجني
في منزلق الماضي السحيق
وقالت الكرة الارضية
ما هذا الذي يجري
لماذا أتحول إلى كرة أطفال
يعبث بها طفل واحد؟
وقال التاريخ
من الذي غير ملامحي
وحولني إلى أسطورة كاذبة؟
وقالت العدالة
ألا ترون أنني أذبح
كل يوم
على جرائم يرتكبها غيري؟

نص "حالات تذمر" يدل على كيفية رؤية الكاتبة للحياة الضاجة حولها، فكونها تترك مساحة بينها وبين الأشياء، ربما لبراءتها وتحالفها الدائم مع الجمال لا مع عالم المادة – فهي ترى كيف يشكو الجيمع، وفي ظل ذلك نلمس نظرة الكاتبة للحياة، لورطة الحياة، فمهما حسبنا أن الأشياء حولنا عظيمة، فهي ليست كذلك. فهذه الأشياء تعترف بأن فيها عناصر ضعف، وأنها ناقصة، ومهضومة الحقوق، وأنها تضحي في سبيل آخرين يسطون عليها وهكذا..
إن النص يعزي الإنسان الذي يحس بضعفه ويحسب أن الآخرين أقوياء..
تأمل الطبيعة
مازال مجال الطبيعة هو المجال المفضل لديها لتغرف منه، تذكرنا بالشعراء الرومانسيين، والرمزيين في آن واحد، وهي خبيرة بهذه الطبيعة، وانعكس ذلك على ثراء مفرداتها، ففي نص "أغنية حب إلى الثلج" تأتي الكاتبة بجيش من الأوصاف والتفاصيل للثلج: النقي، الطاهر، الشامخ، اللامع، الهش، القاهر، المبدع، الأنيق، في إشارة إلى التعظيم، وربما من خلاله قصدت تعظيم الخالق.

كل شيء يخضع لك
الأرض تحتضنك بذراعيها
والأشجار تستسلم لك
والزهور تغمض عينيها وتنام في حضنك
والأسوار تدعك تتسلقها بأمان
والشوارع تعطيك وحدك حرية المرور
وهذا العظم يغري بالحب، لذلك كتبت أفعالها: أمسك بك، أضمك، أتذوق طعمك، أقبلك، أغسل قلبي، ثمة مجال للحب والتغزل هنا، يشبه الشعر الصوفي..

تأملات فلسطينية
أفردت الكاتبة أكثر من نص لوطنها، وقد انقسمت النصوص إلى: خواطر مقالية كما في نصوص "محمد الدرة" و"القدس" و"شيراك" حيث فيها من المباشرة والتقرير والتفصيل والتأثر الواضح بالحدث، وخواطر شعرية كما في اكثر من كان.
ففي قصيدة خبئيني يا أمي، ربطت الأم بالحماية من الاحتلال.

خبيئني يا أمي
بين جداتلك
فقد لا يراني جنود الاحتلال
في ثنايا شعرك الطويل
وفي قصيدة "شباك بيتنا" تصوير فانتازي لتدمير الاحتلال لبيوت الفلسطينيين عن طريق الصواريخ والمتفجرات:
قفز شباك بيتنا فجأة
وهرب إلى بيت الجيران
سألته الجدران:
ما الذي جاء بك إلى هنا
أزاح الغيار عن فمه وقال مندهشاً
لعلني أحلم.
أما في قصيدة "العلم" فعبرت من خلالها وبصورة فانتازية أيضا فرح الطفل برفع العلم الفلسطيني:

ضحك الصغير
وحلق بساق واحدة
من شدة الفرح

وعادت مرة أخرى إلى الأم، في نص "أمومة"، لكن لم تستطع الأم حماية ابنتها من قذائف الاحتلال، حيث حرمت الأم من أن تقوم بدورها في الحماية.

حملت طفلتها إيمان
وراحت تغني لها لتنام
فجأة
تسلل سرب من القذائف
وغاب في جسد الصغيرة

أما في نص "أين أعضائي" فيصور القصف الذي يسطو ليس على خصوصيات البشر فحسب، بل على حياتهم أيضا:

أغلقت نوافذ غرفتي
لأنام
فإذا بسرب من الصواريخ
تحط فجأة على سريري
فلم أعد أدري
أين تناثرت أعضائي

وفي نص "الحشائش والسنابل" أشارت برمزية إلى الطابور الخامس، وتخوفت من أن يصبح تياراً سائدا!

قال: سيأتي الوقت
حيث نجتث الحشائش الضارة
من بين سنابل القمح
قلت: ما أخشاه
أن يتم اجتثاث السنابل

وبسبب هذا كله أصبح هناك مرارة في طعم الفم، وقد ظهر ذلك في نص "القهوة المرة".

لكي أزيل المرارة
من فمي
شربت مزيداً
من القهوة المرة

ومعظم نصوص التأملات الفلسطينية كانت قصيرة مشهدية، لحظية مشوقة، مكثفة تلائم الشعر، ما عدا نص العلم فقد كان الأطول.
المدن والأماكن
في النصوص حب للأمكنة، والمدن، وقد ذكرت فيها القدس، وربطتها بأمها:
خمسة عشر عاماً لم تخلف أمي موعدها معك
تحلّق كفراشة عاشقة على بلاط شوارعك الملساء

وبيشلية في إيطاليا نعتتها بـِ
وردة العشق المعتق
وهي تخبرنا أنها تحب المدن القديمة، فوصفها لشوارع القدس بالملساء، ووصفها لعشق بيشيلية بالعشق المعتق، له دلالة على عراقة المكان، فالشوارع لطول مشي الناس عليها أصبحت ملساء، والنبيذ لطول عمره أصبح معتقاً.
تحليل نفسي
وتظهر في نصوص زينب حبش جوانب من التحليل النفسي:
ففي نص "ابتساماتهم" نقرأ:

رأيت في ابتساماتهم العريضة
رغبة اكيدة
في زوالي

وفي نص "التمثال" نقرأ:

وشوشتني فراشة
وحلقت بعيداً بعيداً
وحين انتبهت إلى نفسي
وجدتني قد تحولت
إلى تمثال من الرخام




لجوء
وتلجأ الكاتبة من العادي والممل والمحزن إلى عالم الاحلام المشوق كما في نص "النوم" حيث اللقاء بأناس جدد، وأناس أعزاء رحلوا، وتزور أماكن جديدة. وربما شكّل النوم ملجئاً أكثر أماناً من الصحو.
ورغم أنها قدمت كتابها بـِ
أعطني يدك
لاضع لك فيها
قلبي
فإنني أحس أيضاً أنها قدمت لمن تنادي عليه قلبها في البداية والنهاية، ثمة دلالة رمزية في أن المصافحة تعني السلام والثقة، وعندها فقط يكون العطاء بلا حدود، ينطبق ذلك على البشر وعلى الجماعات والدول.
صحيح أن الشاعرة ظلت محتفظة بفلسطينيتها، في عدة اماكن وعدة نصوص، إلا أن الإحساس بخصوصية شعورها لم يحد من رحابة أفقها الإنساني كما مرّ معنا حين كانت تنتصر للقيم الإنسانية والمشاعر النبيلة.
زينب حبش كاتبة مشاعر من الطراز الأول، لأنها هي نفسها كتلة من المشاعر الجياشة، يقول ذلك من يعرفها مثلي، ويقوله من لا يعرفها مثل الذين يقرؤونها.
فحتى في حديثها عن الصراع، كانت إنسانية، لم تؤجج هذا الصراع، وهي تعتبر الحياة فسحة للقول والإبداع على مستوى الإنتاج (ما تكتبه) والاستهلاك، (ما تقبل عليه قراءة وسماعا) أي كما قالت: "هناك أعمال تنتظرني لأقوم بها" .
وبعد، فهذه المرأة اللاجئة، الفلسطينية، رغم ظروف القهر التي عاشتها، فإنها استطاعت البقاء، واستطاعت إيجاد مكان لها، وهي ماتزال تطمح إلى ما هو أكبر، وهذا ما نطمحه منها بالطبع، أما الشيء الذي ستكتمل به والذي لم تصرّح به فهو الإبداع، إنه السر، حيث أنه في البدء كانت الكملة.
الطباعة ارسل الى صديق
.:: التـعـليـقـات غـيـر مـفـعـلـة ::.

Share/Bookmark

ارحلوا... اننا باقون
محكمة سالم: متعة "البواب" بمشهد العذاب!
اضواء في القدس.. معرض من اعمال اطفال القدس في برج اللقلق
الحبيبة فلسطين
لمّ.. لم تخبرني بأنك ستترجل
حوار سميح القاسم- لجنة الطلّاب العرب، جامعة حيفا 1990
المئات في أمسية شعرية مع الشاعر مروان مخول

الصورة التالية
الصورة السابقة
جميع الحقوق محفوظة لـ وكـالـة مـعـا الاخـبـاريـة © . 2005-2014