الأخــبــــــار
  1. فتح: اسرائيل والعملاء وحدهم من يسعون لضرب منظمة التحرير
  2. 6 اصابات بينها إصابة خطيرة لطفل إثر حادث سير على مفرق سالم شرق نابلس
  3. شرطة بيت لحم تقبض على شخص أغلق مكب المنيا للنفايات وهدد المدير بالقتل
  4. الاحتلال يهدم منزلين وبركس في بيت حنينا شمال القدس
  5. الاحتلال يعزل والدة الشهيد صالح البرغوثي بظروف مأساوية في"هشارون"
  6. قوات الاحتلال تعتقل 40 مواطنا من الضفة
  7. الرئيس: لن تتسلم أية أموال منقوصة من اسرائيل
  8. بلدية الاحتلال تصادق على 4416 وحدة استيطانية بالقدس
  9. حالة الطقس: ارتفاع طفيف على درجات الحرارة
  10. القيادة تناقش اليوم تداعيات قرصنة اسرائيل للأموال الفلسطينية
  11. مواجهات عنيفة بين المواطنين وقوات الاحتلال في شارع عمان بنابلس
  12. امريكا: دمج القنصلية الأمريكية في السفارة الجديدة بالقدس في مارس
  13. الاحتلال يحكم بالسجن 10 سنوات على أسير من مخيم جباليا
  14. وزير إسرائيلي يدعو يهود فرنسا للهجرة إلى تل أبيب
  15. الجيش الفنزويلي يرد على ترامب مؤكدا ولاءه "المطلق" لمادورو
  16. قوات الاحتلال تقتحم المسجد الأقصى وتعتدي على المرابطين عند باب الرحمة
  17. مصرع مواطن واصابة اخر بحادث سير وقع بالقرب من الساوية جنوب نابلس
  18. 20 اصابة بالرصاص بالحراك البحري على الحدود الشمالية البحرية للقطاع
  19. نتنياهو: المجر ستفتح فرعا دبلوماسيا لسفارتها في القدس
  20. اسرائيل: حريق في "كيسوفيم" نتيجة اطلاق بالونين حارقين من غزة

في الذّكرى العاشرة لرحيله- محمود درويش تلك الظّاهرة الشّعريّة الفريدة

نشر بتاريخ: 09/08/2018 ( آخر تحديث: 09/08/2018 الساعة: 11:29 )
الكاتب: فراس حج محمد
لماذا نجح درويش وفشل جيش كبير من الشّعراء بعضهم كان مجايلا لدرويش وما زال حيّا يرزق؟ فهل كان درويشُ استثناء يُعجز اللّغة والمعنى أم أنّ هناك عوامل أخرى للنّجاح الّذي حقّقه؟

لا أحد ينكر من الشّعراء أوّلا، ومن النّقّاد ثانيا حتّى الشّانئين له، المتربّصين به، ومن القرّاء ثالثا أنّ محمود درويش كان وما زال ظاهرة شعر ومعنى، وعندما أقول ظاهرة شعر ومعنى أقصد أنّه كان متميّزا في بناء الجملة الشّعريّة والمعنى الشّعريّ كذلك، إذ تتحوّل اللّغة بين يديه إلى كائن شبه خرافيّ أسطوريّ، يضحك وهو يبكي، ويحيا وهو يصارع موته، ويعلو ويعلو وهو يهوي رمادا مسحوقا بين يدي لحظة اليباب الكبير، فكيف ينجح كاتب يعتني بتفاصيل الحديث عن القهوة وطقوسها، وهو في عزّ معمعة الحرب القارسة، وهو يرى أصدقاءه يتناثرون بين يديه أشلاء يراهم من الشّرفة أو يكاد، لكنّ الموت يضع في ذاكرته صورهم كآخر مشهد لا يموت، أو حينما يتغنّى بكرة القدم، ويرى ما لا يراه الآخرون في هذه اللّعبة السّاحرة، وذلك اللّاعب الّذي "رفع كرة القدم إلى مستوى التّجريد الموسيقيّ الشّفّاف، رفعه إلى مستوى الطّهارة المطلقة" . مختلفا اختلافا بيّنا عمّا كتبه إدواردو غاليانو عن هذه اللّعبة في كتابه "كرة القدم بين الشّمس والظّلّ"، خاصّة ما كتبه كلّ منهما عن اللّاعب الأرجنتيني "مارادونا" .

لعلّ درويشا لم يكن استثناء أو كائنًا مجبولا بأنساغ الجنّ المولودين في أفياء أيكة في وادي عبقر، لكنّه كان صديقا للفراشات يجوب معها الحقول، وينصت لهسيس أجنحة النّحل، وهي تقطف شهوة الزّهرة لتصنع الحياة والجمال معا. كان مخلصا حدّ الوجع لكلّ نبضة ريح عبرت دماءه وقلبت مزاجه الخجول ليصير عاشقا نرجسيّا يضاجع وريقات الورد في لحظة اضطجاعها في حضن النّدى. كان عارفا صوفيّا شغوفا بالمعرفة الفاتنة الّتي جعلته يشقى في النّعيم بعقله، لقد كان درويش صاحب كون شعريّ معبّأ ومفخّخ بالألم، لكنّه كان ممطرا عطِرا كذلك.

لم يكن درويش ابنا للقصيدة أو أبا للشّعر. كان فقط هو الشّعر أبا وابناً. لذلك تراه يولد في كلّ قصيدة ولا ينتج قصائد لتكون في دواوين مصفوفة على الرّفوف. كان كما يجب أن يكون صاحب كلّ شيء جسدا وروحا منغمسا حدّ التّلاشي والاتّحاد ليكون هو. لذلك نراه باقيا يتمتّع بالخلود ويزهو بكبرياء دون أن تهرم معانيه ودون أن تُهزم لغته. شيء ما من نرجسيّته تركها فينا لنقول بعض ما يجب أن نقوله ونحن نحاوله نقدا مختلفا بلغة مسروقة من أتون نيرانه المتأجّجة.

في حوار مع درويش يعود إلى عام 1983 ، أجرته الكاتبة الفلسطينيّة ليلى الأطرش، يشير درويش إلى علاقته بالمتنبّي، وأنّه "صديقه الدّائم" بل إنّه "أبوه الرّوحيّ، و"أبوه إلى الأبد، والأب الّذي لا يمكن أن يُخلع"، ويرى درويش أيضا أنّ أهميّة المتنبّي نابعة من أنّه "لخّص كلّ الشّعر العربيّ الّذي سبقه"، بل أكثر من ذلك "أنّه ما زال يلخّص حياتنا"، فبالمتنبي نستطيع التّعبير عن الاهتزاز الّذي يصيب السّيكولوجيا. وأمّا المفارقة في حياتنا السّياسيّة، فإنّنا كما قال درويش "نجد وصفا لها لدى المتنبّي". لقد كان درويش متشبّعا بفنّيّة المتنبّي الشّعريّة، كما هو متأثّر بلوركا ونيرودا ومايكوفسكي.

إنّ درويش كالمتنبّي، يشبهان المثل السّائر، لم يتركا شيئا لم يقولاه، هكذا كانت أمّي تقول عندما تستدعي عدّة أمثال شعبيّة في جلسة واحدة، حتّى لا تُشْعِر المتحدّث بالضّجر من كثرة الأمثال الّتي تستشهد بها، فكما كان شعر المتنبّي عزاءً عند المصابين بداء الموت، ومثالا للحكمة الوجوديّة والإنسانيّة والاجتماعيّة وأمراض النّفس والقلب، ودرويش كذلك كان مثل المتنبّي وكالمثل، حاضراً على ألسنة النّاس، عاديّين، وشعراء وكتّابا ونقّادا، يُتمثّل بشعره في الجلسة الواحدة أكثر مما قال المثل أو ما قال المتنبّي.

ليس هو صاحب مقولة "على هذه الأرض ما يستحقّ الحياة" فقط، وإنّما كذلك "شعراء أكثر وشعر أقلّ"، "ابحث عن ورد أقلّ تجد شعرا أكثر"، "وطني ليس حقيبة"، "سيهطل المطر وتنبت الحقيقة"، "ارحمونا من هذا الحبّ القاسي" "وخذها إلى موتك المشتهى" "القهوة أخت الوقت"، وغيرها الكثير، بل لقد تحوّلت عناوين كتبه إلى موتيفات مستعارة في كثير من الأحاديث والمقالات: "في حضرة الغياب"، "أثر الفراشة"، "يوميات الحزن العادي"، "ذاكرة للنسيان"، "عابرون في كلام عابر"، عدا تلك التّراكيب اللّغويّة الثّنائيّة الّتي عرف بها، وصارت تتوالد في لغات الآخرين ويحاكونها باعتراف الأحقيّة بأفضليّة السّبق في مضمار الإبداع، كأنّه لم يُتعب من جاء بعده فقط، بل إنّه أفقر الشّعراء من بعده، رؤى وتعابير وصوراً.

هذا هو درويش الّذي يأخذ قارئه في دهاليز الحزن وهو يتحدّث عن الحالة الفلسطينيّة والعسر السّياسيّ والصّراعات العربيّة العربيّة، والعربيّة الفلسطينيّة، والفلسطينيّة الفلسطينيّة، وصراعات الأنا والآخر، وصراع الأنا والأنا، فيضع قارئه في أجواء من القتامة الشّديدة دون ملل، أو تأفّف، ولكنّه قادر أن ينقل القارئ إلى فضاءات أخرى للّغة، لا تتركه إلّا باسما، يسري عنه حزنه، فإن كتب عن اللّيل ضاء النّور وشعّ، وعن الشّهوة أوغل واتّسع، وعن المرأة صوّر فأبدع، وإن كتب عن كرة القدم أضحك وأمتع، كما أنّه حينما كان يعدّ طقوس قهوته كان الأجمل الأروع.

إنّ تأمّل تجربة درويش الإبداعيّة، ستوصل الدّارس إلى قناعة أنّها صالحة لتكون مثالا حيّا لكلّ عناصر الإبداع من أوّلها حتّى نهايتها، فيتدرّج معه في مدارج التّطوّر الجماليّ والفنّيّ والوعي الإنسانيّ الشّامل، وامتلاك الأدوات اللّازمة لصنعة الشّعر وصناعته، وكيف يكون الشاعر، وكيف يتكوّن الشعر ويتخلّق في لغة وصورة وموسيقى تجسيدا لتجربة إنسانيّة ممتدّة ثريّة وعميقة.

درويش ما زال حاضراً، كأنّه لم يرحل، فهل يموت الشّعراء العظماء؟

Powered By: HTD Technologies
وكــــالـــــــــة مــــــــعــــــــــا الاخــبـــاريـــــــة
جميع الحقوق محفوظة © 2005-2018