وكـالـة مـعـا الاخـبـارية

نداء يونس عثرت في "أنائيل" و"بروفايل" على حجر كريم قلمته بأظافرها

نشر بتاريخ: 22/12/2019 ( آخر تحديث: 22/12/2019 الساعة: 23:11 )
نداء يونس عثرت في "أنائيل" و"بروفايل" على حجر كريم قلمته بأظافرها
رام الله- معا- أطلقت دارة الاستقلال للثقافة والنشر باكورة انتاجها الابداعي "كتابة الصمت"، والذي يحتوي على مجموعتين شعريتين: "ديوان أنائيل" وبروفايل للسيد هو" والصادر عن دارة الاستقلال للثقافة والنشر، في 280 صفحة من القطع المتوسط، ترافقه لوحات للفنان التشكيلي الفلسطيني الراحل مصطفى الحلاج ولوحة واحدة للفنان حمادة مداح، وعلى امتداد العملين الشعريين، وقام الفنان محمد سباعة بتنفيذ لوحة الغلاف، وذلك بمشاركة وحضور نخبة من الأدباء والشعراء والفنانين والمهتمين، في قاعة الجليل في متحف محمود درويش بمدينة رام الله، مساء أمس.
لم تستطع نداء يونس، في ديوانيها أن تتوقف، حيث الاشباح تتجمع في بيتها بلا دعوة، بينما هي؛ تركض الى العدم دون أن تنظر خلفها ودون أن تجعل الطريق غير المعبد الذي سلكته، عائقا. صار الحصى رفيقا ودمها طميا وجسدها رقيما لنهر يسير إلى أعلى. كان يمكنها أن تترك يدها في يد الريح إلا أنها اختارت النار. تكتب كمن يريد أن يختبئ تحت الكلام، وكما لو كانت تعيش تلك الحياة المستحيلة بأن تشبه "هو"، الإِشكال لم يكن في الطريق أو الرغبة، بل في تلك اللحظة التي وقف أمامها الغياب ملوحا ببندقية صيد، ثم، بلا تفكير، أطلق النار على قدميها، أصابع قدميها، تحديدًا.
انها تكتب لتنسى لا لتتذكر، وتمحو لتكتب، من مسافة كهذه، اقصد الورطة الوجودية واعادة تعريف الكتابة، تكتب نداء يونس الصمت، ومن رئة فاشلة تتنفس الآخر، ثم تدون لحظتها التي لم تقبض عليها. هكذا يصبح عملها "كتابة الصمت"، الذي يحتوي على مجموعتين شعريتين، تسجيلًا لما قاله الصمت في لحظته التي لا ندري فيها أيهما كتب الآخر، لتصبح نداء يونس - بشكل او بآخر - النخلة الوحيدة التي تمسك السماء/ الزمن/هو في حقل ثلج أو في الغياب.
تقول بأنها تكتب لأن هذا الفعل الأصعب أصبح هاجسها وأسئلتها الوجودية التي تعرفت اليها من خلال الحب، ثم أصبحت مرآة لكل هذا الذي تسميه العبث/ العدم/ هو/ الزمن/ التاريخ/ الغياب/ الجسد/ الرغبة/هو/ العجز/ الحنين/ الجسد/ هو; مرة أخرى، وأبدًا.
وأنها تكتب والزمن متحرك فيها وتحلق وقدماها في قيد، وتقدم ما يثير فضول الآخرين أو ربما تطرح من جغرافيتها الوحيدة؛ الجسد، ما سيثير نوازع أخرى. وتكتب من حيز زمني يتحرك عبر خمسة آلاف عام أو فيها، يمكنها ان تقرأه في زقورة أو في رقيم كما يمكنها ان تكتبه جسدًا، أو تنسخه من غيمة لا علاقة لها بالمطر بل بالوحل الابيض.
ربما تكون الكتابة فعل إملاء من قوى أعلى تسكن نداء، أو شكلا لتصوير الأكوان التي فيها، أو تشكيلًا للضواري والوحوش التي تسير مسرنمة في نوم الشاعرة، أو ربما تكون نوبة جنوح لا يمكنها السيطرة عليها دون اشعال الحرائق على الماء، لكنها لعبتها.
نداء يونس - التي طالما سخرت من المؤكد ومرادفاتها، توضح بانها "لا تكتب بل تلعب لعبة مذهلة ومدهشة"، بينما هي تقدم عملين يثبتان أن الشعر أكبر من أي شئ، "نصين فسفسائيين محمولين على المعرفة العميقة والتجربة اللتان لم يطمسهما الحضور الفلسفي والكثافة الشفافة والنفس الوجودي والذهنية، بوحدة قاموسية ظاهرة وبلغة مائية تسحب، وليس فيها فراغات أو مساحات عبثية، وبأصالة ملفتة، وبرموز غير مستهلكة شعريًا، وبلغة طيعة ومفردات متفجرة تحمل دلالات أعمق وأبعد من معناها المباشر، متجاوزة الغنائية التقليدية في الشعر الفلسطيني إلى تكثيف غير معهود، وحيل جمالية، واختزال للجهات والمعارف، وبمباغتة للمعنى لا للقارئ"، كما يقول الشاعر العراقي شوقي عبد الامير، حيث "تبدو نداء يونس كمن عثر على حجر كريم قلمته بأظافرها، الجسد قنديل في يدها والشعر ممحاة والكون دفاتر مسودات".
وصف الشاعر د. المتوكل طه ما جاء في المجموعتين بـ"صوفيّة جديدة للجسد، تكوّنتْ مع تحوّل النرجس أشباحاً في دم الشاعرة، ففي لحظة يصير دمها هو ذاته المنفى، حيث ان هذه الصوفية تتغيّا رموزاً غير معهودة، على عكس ما ذهب إليه الصوفيّون القدماء".
وفي معرض قراءته، شدد الكاتب عيسى قراقع على أن في المجموعة زوايا عدة يمكن تناولها، مشيراً إلى أن "كتابة الصمت" خطاب أنثوي ثوري وحداثي للتحرر من النظام الذكوري وثقافة القبيلة التي تقمع المرأة وتسيطر عليها، لكن "صمت الأنثى" في هذا الديوان أصبح له صوت، بل وبات يتكلم، لافتاً إلى "صمت نداء يونس الذي لم يعد صمتاً قديما يسعى إلى الصراخ من أعماق التاريخ، وتبرئة الصوت الأنثوي من التأثيم والخطيئة والنظرة الجسدية وغيرها". كما اشار الى "روح القصيدة الأدونيسية في الديوان، نسبة إلى الشاعر العربي أدونيس"، خاصة في ديوانيه "تاريخ يتمزّق في جسد امرأة"، و"إهدأ هاملت تمشق جنون أوفيليا"، مجرياً مقارنات متعمقة ما بين نصوص هاتين المجموعتين ونصوص "كتابة الصمت".
522603

وجاء في قراءة وسام هاشم الشاعر العراقي المقيم في الدنمارك، اننا في هذين العملين نتذكر هنا تلك الصرخة الخرساء عند آرتو أو صمت رامبو وبياض ورقة مالارميه، فنحن إزاء صمت اشد ايلاما من الصراخ في حالة نداء يونس، إذا، حين تقرأ نصوصا شعرية لشاعر من مناطق الوجع العتيق العميق عليك ان تجهز ثلاث عدد من الألم والأسى، هي في حالة [ كتابة الصمت] عدة الوجع الفلسطيني الذي بات صامتا، وعدة المكوث بقرب قاتلك بصمت، وعدة البوح المكتوم في قفص الذات ، ذات نداء يونس هنا، ثلاثة أسباب من الصمت تتحكم في هذا الكتاب تبرر له العنونة الهادئة لكن المريرة وإذا ما أخذنا بالاعتبار [فكرة تحرير الإنسان من عادات الكلمة] عند بيكيت يصبح لزاما علينا اثارة السؤال النقدي الأساس بل الأول عن ماهية المتعة التي يخلفها النص الأدبي في ذات قارئه؟ أو لنقل كم من اللحظات التي يبهرنا النص فيها أو العكس ربما. ويؤكد على ان الحديث هنا هو عن صمت مكتوب، لهذا فاننا سنجد أنفسنا امام إخفاء مقصود وبعناية شديدة واستعارات مقصودة أيضًا، كما في استبدال الزمن والأسى الفلسطيني بالهم البابلي والسومري وبالخمسة آلاف عام، وكأنها تريد توكيد ماذهب اليه رولان بارت في قوله"سأعرض البصري وسيكون هذا من الآن فصاعدا احتجاجي الوحيد".
وفي قراءته، يرى الشاعر والكاتب أحمد زكارنة، ان الوقت، هو محاكمة نداء يونس، بصوت "أنائيل" لربما لـ"بروفايل السيد هو" الذي يشير إلينا جميعاً، بوصف كل منا بروفايل ما، بمعنى أو بآخر لهذا المجتمع الذي تصفه نداء بالقول: "ليس للغابةِ بابٌ/ والذئب الذي يغادرها يحُّك بالأشجارِ جسدَه ".. ومفردةُ الوقتِ التي ترد في النص أكثر من عشرة مرات، إذا ما أخذناها إلى جانب مفردةِ الطريق الحاضرة بقوة هي الأخرى، لنقيس مسافة الرؤية بينهما، سنجد معنى الامتداد سيد الموقف وهو ما تُعبرُ عنه نداء قائلة: "غداً هو الأمس/ لكنه بلا أبوابٍ وبلا سقفٍ أيضا".
أما الروائي الأسير كميل أبو حنيش فأرسل قراءة من داخل زنزانته في معتقل "ريمون" الإسرائيلي، لافتاً بعد أن كشف قيام جنود الاحتلال بتمزيق الإهداء الذي سطرته الشاعرة له حين أرسلت له المجموعة مع شقيقه، بعد احتجاز الكتاب قرابة الأسبوعين، مشيرا إلى أن "هذين العملين تحفة أدبية، تمتاز نصوصهما بالعمق، وبالأسلوبية الخاصة، والكثافة غير المعهودة، ويثبتان ان نداء شاعرة متفردة تشق طرائق جديدة في الشعر، وهي التي اختارت الانعتاق من الزمن، وفتحت الآفاق النائية، وتجرأت ان تضع يدها على الأسئلة قبل أن تلتمس الإجابات، ولم تأبه للتابوهات" .. وأضاف: نداء شاعرة تشبه نصوصها.
اما الشاعر خالد الجبور، فيؤكد انك ستجد في هذين الديوانين أن الجسد – كما الروح غير المنفصلة عنه – حاملٌ لهواجس الوجود، ومرتبطٌ ومتّصلٌ بالكون وعياً وتبادلَ أدوار .. ليس في الديوان أنثى يمكن فصلها عن الذكر، ولا ذكر يمكن فصله عن الأنثى، ففي ديوان "أنائيل"، وهذه مفردة ركبتها الشاعرة تركيبا مزجياً من ضمير المخاطب "أنا العربية"، وضمير الغائب "إل بالفرنسية" التي تعني "هو"، وهي بهذه المفردة لا تترك أي مسافة بين الجنسين.
هذه نصوص كتبت على الضوء، ليس لها آباء، تتلى ولا تقرأ، أو أنها نيرفانا. وربما يكون "كتابة الصمت"، بمكونيه، وسوسات الشاعرة أو تعاويذ مما تلقيه فيها كائنات لا ترى، أو أنه هلوساتها وشطحاتها وأسرارها، أو محاولتها التخلص من الصراخ الذي يملأ رأسها، وهذه النصوص، القصيدة الواحدة المحمولة على مكونات مكتملة الأركان من قصائد قصيرة تشكل في مجموعها، وبوحدة عضوية وموضوعية وبتقنيات لافتة، سمكة تسبح في بحيرة ظهرها أو وشما في ألف باء العطش; حيث الارتواء رغبتها المستحيلة.
في هذا العمل، هناك اعادة تفكيك وكتابة للزمن والمكان وللمفاهيم وللتاريخ والفكر الجاهز، وللحب.
في هذا العمل، أنت تعرف لحظة الدخول لا الخروج.