وكـالـة مـعـا الاخـبـارية

كيف أصبح الفلسطينيون "بدون"؟

نشر بتاريخ: 01/03/2020 ( آخر تحديث: 01/03/2020 الساعة: 15:05 )
كيف أصبح الفلسطينيون "بدون"؟
الكاتب: خليل اللحام
تصف حنا ارنت في كتابها أصول النظام الشمولي (1951) الطريقة التي اوجد بها العالم الغربي حلا لما تسميه "القضية اليهودية"، تشرح الفيلسوفة بان حل "القضية اليهودية" تم على حساب "استعمار" ارض فلسطين في البداية ومن ثم "الاستيلاء عليها" فيما بعد. لم يضع هذا الحل حدا لمشكلة عديمي الجنسية او "البدون" في العالم بحسب ارنت، بل على العكس لقد أدى ذلك الى زيادة عددهم بنحو 700ـ800 ألف شخص من العرب الفلسطينيين، والتي تصفهم ب "الفئة الجديدة من اللاجئين" . عند الحديث عن "البدون" باللغة العربية، يتبادر الى الذهن فئة من سكان الكويت تحرمهم الدولة من ابسط حقوقهم الأساسية، على الرغم من انهم يعيشون في الكويت منذ وقت سابق على استقلاله في الستينات من القرن الماضي. تتحدث حنا ارنت عن "البدون" بمعنى اوسع، بحيث يشمل المصطلح كل الافراد المحرومين من حقوقهم الأساسية بسبب "ولادتهم في الطرف الخطأ" . بدون وطن، بدون ارض، بدون جنسية، أصبح الفلسطينيون "معدومون" بتعدد الدلالات التي تحملها الكلمة: "مُعْدَمون ماديا" بفتح الدال أي محرومون من شروط الحياة الأساسية، بمعنى تحولهم الى شعب من المتسولين والضعفاء يعيشون على المعونات الدولية؛ و" مَعدومون سياسيا"، أي انهم محكومين بالموت سياسيا بمعنى حرمانهم من الانتماء لأي كيان سياسي معترف به.

بعد النكبة وكنتيجة للشعور بالإهانة والانكار الذي تعرض له الفلسطينيين، تولد لديهم رغبة غير مسبوقة بضرورة تأسيس "نحن" تحميهم من الاندثار وتشكل قاعدة انطلاق لاستعادة الوطن المسلوب، او في أسوأ الأحوال استعادة الشعور بالذات بالانتماء الى جماعة سياسية تقاتل في سبيل الحرية. ضمن هذا السياق أدت شجاعة الثوار الاوائل الى تأسيس عدد لا بأس به من التنظيمات والتشكيلات السياسية والنقابات، فبغض النظر عن البرامج السياسية لهذه الأطر او انجازاتها، الا ان أهميتها كانت قائمة على الايمان بغد أفضل، الايمان بأن جموع المشردين أصبحت تقاتل ضمن اطر سياسية تؤمن بقيم الحرية والعدالة، وتسمح لهم باستعادة الشعور بالكرامة الإنسانية والتخلص من الاهانة والانكار اللذين وضعهم فيها المستعمر. مثل كل المستعمرون، قامت الحركة الصهيونية بالتعامل مع الفلسطينيين باعتبارهم كائنات أدنى درجة، لا يهم ان تم تهجيرهم من مدنهم وقراهم ليعيشوا في مناطق أخرى يختارها لهم المستعمر، بل لا بأس ان يختاروا لأنفسهم مكانا جديدا لهم على أطراف الصحراء يعيشون فيه..

تشير العديد من الدراسات ان سياسة المستعمر الإسرائيلي استخدمت عدة أساليب وممارسات لتهجير الفلسطينيين والاستيلاء على أرضهم، بحيث لم تكن نية القضاء على الفلسطينيين "فيزيائيا" واردة طوال الوقت، بل على العكس من ذلك لقد اقتضت الضرورة الاستعمارية في بعض الأحيان منح بعض التسهيلات ورفع العقبات عن سكان الأراضي المحتلة في مجالات العمل والتعليم والحركة، وخاصة في الفترة التي تلت احتلال عام 1967. خلال هذه الفترة حاولت إسرائيل التفريق بين الأرض من جهة وسكانها الفلسطينيين من جهة اخرى، بحيث أراد المستعمر السيطرة على الموارد الطبيعية والاحتفاظ بالهيمنة العسكرية على السكان، لكن دون الرغبة بالتدخل في إدارة شؤون حيواتهم المختلفة. الا ان هذا التوجه سيتغير مع توقيع اتفاق كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل وبداية الحديث عن منح الفلسطينيين "حكما ذاتي". فبعد هذ الاتفاق بفترة قصيرة أبدت إسرائيل الرغبة في إدارة بعض الشؤون المدنية والخدماتية للسكان، وتبلور ذلك بتأسيس ما يعرف ب "الإدارة المدنية". ستؤدي هذه التحولات الى تأسيس مرحلة جديدة في حياة الفلسطينيين تحت الاحتلال، تتسم بتحسين ظروفهم المادية من جهة وبالأنكار المدروس لأي وجود سياسي حقيقي لهم من جهة أخرى.

هل أدت الممارسات الإسرائيلية منذ عام 1967 الى انتاج فئة جديدة من "البدون الفلسطينيين" يسمح لهم ب "الازدهار" فرديا ومحكومون بالإعدام سياسيا؟ هل من الممكن اعتبار "صفقة ترامب" بمثابة الاعتراف الرسمي الأمريكي بمخرجات السياسة الاستعمارية الإسرائيلية والتي بدأت منذ ما يقارب الخمسين عام؟

السلطة الفلسطينية: قائم بأعمال الإدارة المدنية؟
يخلص خالد عنبتاوي في كتابه "تحولات الحكم العسكري في الضفة الغربية" الى ان إسرائيل سعت منذ احتلال أراضي الفلسطينيين عام 1967 "الى الفصل بين الأرض والسكان" . فبعد احتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967، قامت سلطات الاحتلال بوضع الأراضي المحتلة "تحت الحكم العسكري المباشر"، مما أدى الى "اخضاع السكان الى منظومة هجينة من القوانين التي تستند الى أوامر عسكرية، إضافة الى التشريعات الأردنية والانتدابية والمصرية والعثمانية" . بعد ما يقارب العام على احتلال الضفة وقطاع غزة قام الجيش الإسرائيلي باستحداث رتبة عسكرية جديدة تعرف ب "منسق أعمال الحكومة في الضفة الغربية وقطاع غزة". لم يؤدي احتلال أراضي 1967 وإخضاع الفلسطينيين للحكم العسكري الى ممارسة العنف بشكل تلقائي ضدهم. فلم يكن واردا لدى الجيش الإسرائيلي ممارسة عنف مجاني وبدون سبب تجاه المواطنين الفلسطينيين، فعلى الرغم من بعض الممارسات العسكرية القمعية كالمنع من السفر، الاعتقال او منع التجول الا ان هذه الممارسات بقيت محدودة، ويتم اللجوء اليها متى دعت الحاجة الى ذلك. يشير خالد عنبتاوي بانه كان هناك "ثمة حرص إسرائيلي على خفض نسبة البطالة، وتشغيل الفلسطينيين، لكن دون تطوير اقتصاد فلسطيني محلي " . يحيل الكاتب الى مقولة لموشي ديان والذي أراد ان يكون الاحتلال "يَرى ولا يُرى". وبكلمات أكثر صراحة يعبر موشيه ديان بوضوح عن موقفه من الأراضي المحتلة عام 1967" لا نرى في العرب الفلسطينيين زملاء. لم نأت إليهم كونهم دعونا لأرضهم، لكن بما أننا أتينا، لا نريد التحكٌم بهم. لا نريد التدخل في حياتهم، لا نريد أن نكون موظفي انتداب. نحن نود أن يديروا شؤونهم، يراقبوا ويتابعوا مدارسهم، ويرشدوا بأنفسهم مزارعيهم..." . لقد قامت سلطات الاحتلال منذ بدايات احتلال عام 1967 الى تحديد "المجالات التي لا طائل من التحكم بها" ، فهناك دلائل قوية على عدم رغبة إسرائيل التحكم بالسكان الفلسطينيين، لكن الامر مختلف تمام فيما يتعلق بالتحكم بأراضيهم. لقد أصدرت اسرائيل العديد من الأوامر العسكرية والتي منحت السلطات للحاكم العسكري "للتحكم في الأراضي، الموارد الطبيعية، وكل ما يتعلق بمعاملات الملكية على الأرض، معاملات الإنتاج الزراعي" .

ستتغير هذه الممارسات مع توقيع اتفاق كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل في عام 1979، حيث اعترفت إسرائيل للمرة الأولى بالشعب الفلسطيني ككيان وأبدت استعدادا لمنح الفلسطينيين "حكما ذاتيا كاملا". ومن ثم قامت سلطات الاحتلال لاحقا بعدد من الخطوات الفعلية على الأرض والتي تعبر عن رغبة في إدارة شؤون السكان والتي ستحدد فيما بعد شكل الحكم الذاتي الذي سيتم منحه للفلسطينيين. لقد شكل القرار العسكري الإسرائيلي رقم 947 نقطة تحول مهمة في تعامل إسرائيل مع الفلسطينيين، فهذا القرار ينص على انشاء ما يسمى ب "إدارة الشؤون المدنية" او" الإدارة المدنية" كما هو دارج على تسميتها. تكمن أهمية هذا القرار في نقطتين أساسيتان: أولا، رغبة إسرائيلية فجائية بإدارة حياة السكان الفلسطينيين، وذلك خلافا لما ابدته ممارسات سلطات الاحتلال سابقا بعدم الاهتمام بهذا الامر؛ ثانيا، الفصل بين إدارة الشؤون المدنية وبين الشؤون العسكرية التي ابقاها القرار947 بيد الحاكم العسكري الإسرائيلي. في نفس الوقت، لقد منح القرار المذكور الحاكم العسكري صلاحية تعيين رئيس الإدارة المدنية. يلحظ خالد عنبتاوي بأن هذا الاهتمام غير المسبوق بإدارة شؤون الفلسطينيين بعد اتفاق كامب ديفيد لم يكن محض صدفة. لقد شكل هذا الاجراء "خطوة تمهيدية لنقل صلاحيات الادارة المدنية او بعضها الى السلطة الفلسطينية لاحقا. بل ان بعض الخدمات التي كانت في يد الإدارة المدنية كتسجيل السكان بقيت بيد الإدارة المدنية ولم يتم نقلها للسلطة الوطنية الفلسطينية .

ستشكل هذه التحولات القاعدة، او "البنية التحتية" بالإحالة الى كارل ماركس، التي ستقوم عليها ما يعرف "مفاوضات السلام" بين إسرائيل ومنظمة التحرير. فلم ينتج تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية ومنح الفلسطينيين حكما ذاتيا كنتيجة لحرب التحرير العربية، بل نتج عن تفاهم تلاقت فيه مصالح عدد من الأطراف مع ظرف دولي واقليمي مناسب ترتب عليه ما حصل في أوسلو. وبالتالي فأن الصلاحيات التي سيقبل الاحتلال بالتنازل عنها للفلسطينيين يعادل في أحسن الأحوال الصلاحيات التي منحها الحاكم العسكري الإسرائيلي لرئيس الإدارة المدنية. هل يمكن للمفاوض الفلسطيني وقيادة منظمة التحرير اغفال هذا السياق التاريخي؟ هل من المسموح للمفاوض الفلسطيني ان يتوقع ان تقوم إسرائيل بمنحه صلاحيات أكثر من تلك المنوطة بالإدارة المدنية؟ بالإمكان الإجابة عن هذه الأسئلة بالعودة الى أرشيف المفاوضات. في كل الأحوال، يشير المدافعون عن أوسلو ان نية منظمة التحرير كانت إيجاد موطئ قدم للفلسطينيين في وطنهم المحتل بعد سنوات من المنفى، لتنطلق منه إمكانية انشاء كيان فلسطيني دون التنازل عن حق العودة والحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني بأرضه. لا داعي للحديث على ما الت عليه الأمور بعد اتفاق أوسلو، فهذه الوضعية أضحت واضحة للجميع، لكن ما يدعو الى الانتباه حاليا هو حالة الانفصام ما بين الخطاب الرسمي المدافع عن أوسلو والواقع الذي ترتب عن هذا الاتفاق. يمثل خطاب السيد محمود عباس امام مجلس الامن يوم 11 شباط 2020 صورة عن خطاب أوسلو والذي يعبر عنه الرجل بشكل دائم.




خطاب السلطة المدافع عن أوسلو ما بين السذاجة والتضليل
يمكن تقسيم خطاب السيد محمود عباس امام مجلس الامن يوم 11 شباط الى قسمين: جزأ من كلمته يتكون من قراءة نص مكتوب يحيل فيه الى قرارات الأمم المتحدة ذات الشأن ويحيل به الى عدد من الوثائق التي تدعم السلطة الوطنية الفلسطينية في رفضها لمبادرة ترامب، وهذا جزأ مستهلك ومكرر ولا يستحق الانتباه هنا؛ وجزأ اخر وهو الأكثر أهمية بحسب ما نراه، يعبر فيه السيد الرئيس بطريقة تلقائية عما يفكر به ويجول في خاطره بدون قراءة النص المكتوب، وهو ما يمكن تصنيفه تحت بند "التداعي الحر" بحسب نظرية سيجموند فرويد في التحليل النفسي. يقوم أسلوب التداعي الحر على ترك المريض في حالة من الاسترسال، يحثه المعالج النفسي فيها على ان يعبر عن كل ما يجول بخاطره بدون رقابة او قيود، ويسمح للمتلقي معرفة محتوى لاوعي المسترسل. لقد قام السيد الرئيس في خطابه امام مجلس الامن بالاسترسال كعادته وبطريقة متناغمة تماما مع مواقفه السابقة من عملية السلام ومن أوسلو ومن رؤيته للصراع. السيد الرئيس عبر عن امله ومشاعره النبيلة حين قال وبكل تلقائية مخاطبا المستعمرين: "صدقوني إذا حصل السلام بيننا وبين الإسرائيليين، أيها الإسرائيليون، سيكون أجمل سلام وأحلى علاقة بين دولتين هما فلسطين وإسرائيل. لكن اتركونا نعمل السلام." وعبر عن ذلك بطريقة أخرى فيها بعضا من الرجاء وقليل من العتاب: " خلينا نعيش سوى، نعيش مع بعض". السيد الرئيس لا يصاب بالإحباط، برغم كل المصاعب ومسيرة السلام المرهقة والمذلة ظل يحمل الأمل وكرر كلمة "امل" بطريقة تلقائية عدة مرات في كلمته التي انهاها ب "جئتكم من اجل الامل، لا تضيعوها من يدي". بل انه أكد هذه المرة بالنظر الى الورقة التي امامه، حتى لا يدع مجال للشك بجدية ارادته: "واختم كلمتي بالقول مجددا، انني على استعداد للبدأ بالمفاوضات كما كنت مستعدا دائما، إذا وجد شريك في إسرائيل مستعدا للمفاوضات". لا اعرف من أين جاء السيد الرئيس بكل هذا الامل وهذا الرغبة في استمرار المفاوضات مع محتل لا يرغب بالحديث معه أصلا.

لقد ارتبط اسم محمود عباس بشكل قوي باتفاق أوسلو، فالرجل يعتبر "اتفاق السلام" انجازا شخصيا له، فبرغم كل المؤشرات التي تدل على فشل هذا الاتفاق الا انه دافع وما زال يدافع عن اوسلو باستماته. يقول في خطابه امام مجلس الامن بطريقة ارتجالية وباسترساله الصريح المعهود مرة أخرى: " طب احنا عملنا سلام مع بعضنا بدون تدخل أحد في أوسلو، وأقول بدون تدخل أحد، واكتر من هيك بدون علم أحد، من كل الدول. وعملنا أحلى اتفاق انتقالي ومستعدون ان نلتزم به، وكنا مستعدين ان نلتزم به وان نسير به خلال الخمس سنوات للحل النهائي. ولكنهم قتلوا رابيين! لماذا قتلوا رابين؟ رحمة الله على رابيين!" ان الخطاب الذي يقدمه محمود عباس والمدافعين عن مشروع أوسلو هو خطاب قائم على الفصل ما بين الإطار النظري لأوسلو بمعنى ما يجب ان يكون عليه الوضع لو تم تطبيق أوسلو، وما نتج فعليا عن هذا الاتفاق. كأن السيد الرئيس وغيره يريد ان يعفي نفسه من المسؤولية التاريخية التي تقع على عاتقه بفعل ما آل اليه الحال بفعل أوسلو (بالإضافة الى عوامل أخرى طبعا).. بل أسوأ من ذلك، تحول أوسلو الى هوس عند الرجل، وأصبح يدعو للالتزام به بشكل احادي، دون ان يطلب أحدا منه ذلك، يقول في المناسبة إياها امام مجلس الامن: "في العام 93 وقعنا على اتفاق أوسلو، وملتزمون باتفاق أوسلو، بكل تفاصيله، بكل بنوده".

هذا الخطاب الذي لا ينفك بالتذكير بوعود أوسلو دون السياق الذي نشأ فيه هو خطاب منفصل عن الواقع بشقيه : بشقه التاريخي والمرتبط بالواقع الذي انشأته إسرائيل منذ عام1967، والقائم على التفريق بين السكان الفلسطينيين من جهة واراضيهم وكيانهم السياسي من جهة أخرى، والذي تطور فيما بعد ضمن بنية الإدارة المدنية التي نشأت عام 1981؛ وشقه الثاني والمرتبط بالواقع الحالي الذي نشأ كنتيجة رافقت أوسلو والقائم على تغيير الواقع الجغرافي والديمغرافي بحيث يصبح "الدور الوظيفي للسلطة" كقائم بأعمال الإدارة المدنية ليس فقط إرادة إسرائيلية بل واقعا ماديا يرغم الفلسطينيين على التعايش معه. ان عملية التخلص من إدارة شؤون الفلسطينيين بدأها الاحتلال قبل توقيع أوسلو وكانت ستقود الى نتيجة مشابهة مع او بدون أوسلو. لكن كارثة أوسلو تتلخص في شرعنه هذه العملية وقبول حرمان الفلسطينيين من كيان سياسي حقيقي قائم على حقوقهم كأفراد وكجماعة متساوون مع غيرهم من شعوب الأرض. ان التفريق بين أوسلو كإطار سياسي والبنية التي تم خلالها قبول الاتفاق هو محاولة تضليل ومحاولة تخلص من المسؤولية تجاه الوضع القائم.

صفقة ترامب: اعتراف امريكي رسمي بما اعترفت به منظمة التحرير ضمنيا
لا جديد في صفقة ترامب سوى اعتراف الولايات المتحدة بعملية طويلة ادارتها إسرائيل طوال عدة عقود، والتي أدت في النهاية الى التخلص من إدارة شؤون الفلسطينيين دون منحهم أي كيان سياسي حقيقي والى حرمانهم من حقوقهم السياسية. تواصل صفقة ترامب التفريق بين الفلسطينيين والأراضي الفلسطينية، بحيث تتعامل مع الفلسطينيين كمنتجين ومستهلكين محتملين، قادرين على ولوج سوق العمل الليبرالي واستهلاك منتجاته، وذلك دون الاعتراف بحقوقهم الإنسانية كالحرية، العدالة أو المساواة بالكرامة الإنسانية. على عكس مما قام به المستعمر الأبيض في جنوب افريقيا والذي اعترف مع النهاية الرسمية للابارتهايد عام 1990 بالحقوق السياسية للسكان السود دون اعتبار لحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية، فأن ما تحاول الولايات المتحدة فرضه على الفلسطينيين يختلف تماما: فلا مانع بحسب مبادرة ترامب ان يتمتع الفلسطينيين بعدد من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية كالعمل والصلاة والتنمية تحت الاحتلال ولكن دون حقوقهم السياسية كالحرية والعدالة والمساواة. وبذلك يتم التعامل مع الفلسطينيين كأيدي عاملة وافدة في وطنهم، خاضعين لنظام من المراقبة والهيمنة يسمح لإسرائيل باستبعاد كل من يفكر بالتعامل مع ذاته كانسان وليس كعامل وافد او زبون في وطنه. ان هذه الوضعية ليست وليدة اللحظة، لكنها عملية طويلة بدأت منذ النكبة واتخذت منحا مؤسساتي منذ احتلال إسرائيل للضفة الغربية عام 1967 كما ذكرنا، واستمرت بعد أوسلو بأيدي فلسطينية أمنت بالوعد الأمريكي بالرفاه الفردي. وبالفعل لقد اختبر جزء مهم من الطبقة السياسية الفلسطينية الوعد الأمريكي بالازدهار من خلال تراكم الثروات الشخصية الناتج عن تزاوج السلطة والمال، وعددا من الامتيازات التي ساهمت إسرائيل بتسهيلها لهم.

تقول ارنت بأنه لا يمكن حصر معاناة "البدون" بحرمانهم من حقوقهم الأساسية "كالحق بالحياة، بالحرية، بالبحث عن السعادة، او بالحق في المساواة امام القانون". وانما تكمن مأساتهم الحقيقية بحرمانهم من "الانتماء الى جماعة أصلا". فليس المشكلة في عدم "المساواة امام القانون" بل انه لا يوجد قانون لهم اساسا كي يتساوون امامه. ليس ان يكونوا "مضطهدين بل ان لا يهتم أحد بان يقوم باضطهادهم" . ان عملية تحويل الفلسطينيين الى "بدون" تطورت ببطؤ وعبر عملية طويلة من الممارسات الإسرائيلية المؤسساتية المنظمة. لا يمكن الرد على هذه التحولات بأدوات انتجتها العملية نفسها، أي اتفاق أوسلو وما ترتب عنه. ان محاولة الإصرار على الخطاب الانهزامي الحالي لا يمكن وصفها الا بالمضللة وامعانا في النرجسية والعناد الكارثي.