وكـالـة مـعـا الاخـبـارية

الانتخابات الفلسطينية المقبلة هي فرصة لحث المسار الديمقراطي في الشرق الأوسط

نشر بتاريخ: 27/01/2021 ( آخر تحديث: 27/01/2021 الساعة: 15:22 )
الانتخابات الفلسطينية المقبلة هي فرصة لحث المسار الديمقراطي في الشرق الأوسط

في 15 كانون الثاني (يناير) 2021، قام الرئيس الفلسطيني محمود عباس بالأعلان عن مرسوم يتضمن إجراء ألانتخابات الفلسطينية الشاملة، بعد 15 عامًا على أخر أنتخابات أقيمت في الاراضي الفلسطينية منذ توقيع أتفاقية أوسلو للسلام، مما شكل اختراقًا مهمًا للسياسة الفلسطينية الداخلية، وبناءً عليه فقد حان الوقت لضرورة أن تقوم الدنمارك والاتحاد الاوروبي الى جانب القوى العظمى الاخرى في العالم بدعم مساعي السلطة الفلسطينية لتحقيق الشرعية الدولية وأعتبارهذه الانتخابات تمثيلًا ديمقراطيًا شرعياً للشعب الفلسطيني، بدون عرقلة إسرائيل مسألة الانتخابات في القدس الشرقية كما جرى في السابق، وأعتبارها جزءً من العملية الانتخابية الفلسطينية، حيث أن المتغيرات الجيوسياسية الجديدة تدعوا للتفائل وتشكل زخماً ودفعة حقيقية في المساعي لاحراز تقدم في عملية السلام بعد تولي الرئيس بايدن لادارة الولايات المتحدة الامريكية، والانتخابات الاسرئيلية المقبلة، مع العلم بأن جميع الادارات الامريكية تدعم بشكل سافر اسرائيل، ولذلك أن طموحاتنا في الاستقلال ما زالت ضحلة.

بسبب النظام العالمي المتغير، أصبح العالم اليوم أكثر ميلًا نحو مفهوم ثقافة الديمقراطية، بحيث عملت هذه الثقافة على تكييف الأنظمة السياسية الجديدة مع أنماط الفكر المختلفة من خلال محاولة حث الشعب للمشاركة السياسية كمدخل رئيسي الى النظام السياسي الشامل، ناهيك عن دمج مفهوم الديمقراطية ضمن ثقافات الشعوب وتطلعاتهم في جميع أنحاء العالم، وهذا المفهوم الذي عمل على تطويره جان جاك روسو أبان الثورة الفرنسية، ليعيد تطويره لاحقاَ مونتسيكيو بشكل أكبر، يستند في مفهومه على مبدأ الفصل بين السلطات داخل النظام السياسي كألية للحكم، حيث تستمد السيادة السياسية شرعيتها من قبل الشعب مع مراعاة الضوابط والتوازنات المختلفة، حيث أن الشرعية والمصداقية (LEGITIMACY CREDIBILITY ) هي جوهر الحكم اليوم، والتي تنشئ من خلال عملية المشاركة السياسية بالتصويت الشعبي في انتخابات ديمقراطية ( صوت واحد / رجل واحد )، لتمثل الأيديولوجيات المتنوعة للشعب ضمن مبدأ سيادة القانون على الجميع.

رغم ذلك، لا يمكن التسليم بوجود أيديولوجية مثالية بشكل مطلق، بل يوجد هناك السياسة البرغماتية، والتي تعني الاختيار بواقعية بين أفضل الخيارات المتاحة ضمن القيود المفروضة، من خلال التعامل بواقعية مع ما يمكن أن يلبي ألاحتياجات المختلفة للشعب، حيث أن فشل العديد من الديمقراطيات خلال التاريخ المعاصر، لا يدين بأي شكل من الأشكال الديمقراطية كنظام وأسلوب حياة، بل يرجع ذلك إلى ثقافة المشاركة والنقص في الموارد وإساءة استخدام السلطة باعتبارها المصدر الرئيسي للسيطرة.

أن ما أثاره الربيع العربي في عام 2011، من تفاؤل لدى المجتمع الدولي بأن فجراً جديداً قد حل لتلتحق دول غير ديمقراطية من العالم بركب الديمقراطية، لسوء الحظ تكلل بالفشل، بل أصبح عليهم مواجهة تحديات جديدة أكثر صعوبة مما سبق الربيع العربي في العام 2011، حيث لم تؤد هذه المطالب الى تحقيق الديمقراطية المنشودة للشعوب، بل ادت الى التشتت وتشرذمات سياسية ومستقبل مجهول في اغلب هذه الدول وخصوصاً في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

الفلسطينيون يدورهم ليسوا استثناءً في عدم ممارستهم المثل العليا للديمقراطية، فمازالوا يرزخوا تحت طائلة الاحتلال الإسرائيلي لعقود طويلة، مما قيد حرياتهم وتطلعاتهم في تطبيق الديمقراطية المثالية والمحافظة على سيادة القانون، ومع ذلك أستطاعوا أن يطوروا قناعاتهم بضرورة أنشاء نظام سياسي برغماتي كوسيلة للحكم، يلبي احتياجات الشعب الاساسية بتكريس الديمقراطية وسيادة القانون، ويستجيب بدوره لبناء وإنشاء مؤسسات الدولة الفلسطينية المستقبلية.

من خلال تحليل النظام الديمقراطي في فلسطين، وبعد توقيع أتفاقية أوسلو للسلام عام 1994، حيث تم إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية مرتين في العام 1996 و 2005، من الواضح أن التاريخ الديمقراطي في فلسطين قصير نسبياً، لكن مما لا شك فيه أن الانتخابات التي تم اجراءها في حينه أنتخابات ديمقراطية حرة ونزيهة، بالاستناد الى ما أكده المراقبون الدوليون، ومنذ ذلك الحين لم يتم إجراء أي انتخابات في فلسطين لمدة خمسة عشر عامًا، بناءً على ذلك قامت دول الاتحاد ألاوروبي والولايات المتحدة والعديد من دول العالم بمسألة القيادة الفلسطينية الشرعية بأستمرار عن أسباب عدم إجرائها الانتخابات في موعدها، حيث مارس الاتحاد الأوروبي على مدى السنوات السبع الماضية ضغوطات كبيرة على منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية الفلسطينية من أجل أجراء ألانتخابات الفلسطينية بهدف إضفاء الشرعية على التمثيل الفلسطيني، مما بدوره يمكن الاتحاد الأوروبي من الاستمرار في تمويل السلطة الوطنية الفلسطينية في بناء بنيتها التحتية ومؤسساتها الوطنية، فأن دول العالم مهتمة في رؤية التطور الدراماتيكي للديمقراطية الفلسطينية، كمقدمة لانخراط إسرائيل / فلسطين في عملية السلام من جديد.

والجدير بالذكر أن المجتمع الدولي كان مترددًا في قبول نتائج الانتخابات الفلسطينية السابقة التي جرت في العام 2006، وذلك بسبب فوز حركة حماس بالمجلس التشريعي وعدم استعدادها للتخلي عن نهج المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الإسرائيلي، لكن الآن مع قبول حماس لشروط منظمة التحرير الفلسطينية لانجاح المشروع الوطني ضمنياً، من خلال اتباع نهج التفاوض من أجل تحقيق السلام والاستقلال وعدم انتهاج نهج ثقافة المقاومة المسلحة ولكن باشكالها المختلفة، أصبح هناك زخم ديمقراطي مهم للوحدة وتحقيق السلام الذي يجب اغتنامه، والجدير بالذكر أنه تم التفاهم على الحد الادنى للمقاومة بين الطرفين، ليكون قاسماً مشتركاً للألتقاء بين الايدولجيتين.

لا داعي للخوض في التفاصيل حول التبريرات والأسباب الداخلية والخارجية لعدم أجراء الانتخابات الفلسطينية في موعدها، لكن يكفي أن نقول وكنتيجة لآخر لقاء بين الفصائل الفلسطينية الرئيسية الذي عقد مؤخراً في تركيا بين ( فتح و حماس )، إنه ستُجرى الانتخابات الفلسطينية أخيراً بعد نزاع طويل وخلافات عميقة بين الفصائل الفلسطينية الرئيسية (حماس وفتح)، حيث بالفعل قام الرئيس محمود عباس رسمياً بنشر مراسم التوجه للانتخابات الشاملة على ثلالث مراحل، وقد قوبل هذا الأعلان بإيجابية من قبل الاتحاد الأوروبي ومعظم دول العالم الحر.

في سياق التفاؤل الحذر بأعادة عملية السلام مرة أخرى الى مسارها رغم كل التعقيدات السياسية الاسرائيلية، من المؤكد أن العملية الانتخابية التي ستجرى في فلسطين للمجلس التشريعي وتليها انتخابات رئاسية وانتخابات المجلس الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية (برلمان فلسطينيي المنفى)، اضافةً للانتخابات المقبلة لاسرائيل، إلى جانب تولي أدارة جديدة مؤخراً للولايات المتحدة الأمريكية، ستمهد الطريق لتجديد الشرعية داخلياً ودولياً للفلسطينيين، وستعمل على تغيير المواقف السياسية وستنشئ حقبة جديدة في ما يخص عملية السلام لكن بتحفظ، وبالتالي ستكون كمنارة أمل لاعادة الانخراط الكامل في العملية التفاوضية بين طرفي النزاع، الأمر الذي سيضمن في نهاية المطاف الأمن والسلام للمنطق، فيما أذا كانت لدى اسرائبل نية صادقة في التسوية السياسية.

حيث هناك كان جدلً مستمرً حول أسباب جمود عملية السلام، وربط العديد من المحللين والمراقبين هذه ألاسباب بفشل أتفاقية أوسلو للسلام، وبالاستيطان وسياسات حكومة الليكود اليمينية المتطرفة، بالإضافة إلى الخطاب السياسي الفلسطيني الداخلي للفصائل الفلسطينية في برامجها السياسية المختلفة، فمن المؤكد أن الاهمية تكمن في العملية الانتخابية كأداة وحيدة لارساء الشرعية والمصداقية (LEGITIMAEY CREDIBILITY &)، حتى يتم قبول فلسطين كدولة قابلة للحياة ذات شرعية متجددة، وهذا ما ينشده الفلسطينيين من تطلعات.

من المؤسف أن الانتخابات الفلسطينية لم تجر في موعدها، وأن النظام السياسي الإسرائيلي الهش الذي طغت عليه جماعات الضغط بين العديد من الأحزاب السياسية، جعل من الصعب الوصول الى تحقيق الاستقرار السياسي لاسرائيل، بل شجع على استمرار الفوضى والشرذمة في النظام السياسي الاسرائيلي، حيث برعت الحكومة الإسرائيلية الحالية برئاسة نتنياهو بأستغلال الصراع الإقليمي على مدى عقود من الزمن وأعطته المجال للمناورات السياسية التي تصب في صالحه للتلاعب بأنتهازية من أجل التهرب من لوائح الاتهام بالفلساد لاطول زمن ممكن، مدفوع بشكل سافر بالدعم المطلق من قبل الرئيس الامريكي الاسبق ترامب.

مما لا شك فيه أن المتغيرات الموضوعية الجديدة ستضغط على جميع اللاعبين برغماتياً، لأعادة تحديد النهج المتبع بأكمله من قبل الولايات المتحدة وفلسطين وإسرائيل، علاوة على ذلك، من المتأمل أن يتم التعامل مع قضية جائحة كورونا التي سيطرت على العالم باسره خلال هذه الفترة، وبناءً عليه فإن القضايا الأساسية ستبقى على حالها بحلول نهاية شهر تموز (يوليو)، أي بعد الانتخابات الإسرائيلية، والانتخابات الفلسطينية، وأن الادارة الامريكية الجديدة لها نظرة مختلفة عن نظرة الادارة السابقة تجاه منطقة الشرق الأوسط بشكل عام، رغم ذلك يجب علينا النظر إلى التطورات الجديدة بتفاؤل حذر بما يخص قضايا الشرق الأوسط والمنطقة وبالاخص القضية الفلسطينية، حيث أن تعيينات الرئيس بايدن لشخصيات يهودية مرموقة في الادارة الامريكية، لا تبشر خيراً ولا تستند الى تغيير جذري في دعمها لاسرائيل أقتصادياً عسكرياً وسياسياً.

على الرغم من أن أوروبا المعاصرة تعد مهد الديمقراطية، ألا أن ما شهده العالم مؤخرا في الولايات المتحدة الامريكية، بعد أن قام أنصار الرئيس الامريكي السابق ترامب بأقتحام الكونجرس ومبنى الكابيتول في واشنطن على مرأى ومسمع العالم يدعوا للقلق على الديمقراطية بشكل عام، حيث تبين للجميع مدى هشاشة المؤسسات الديمقراطية ممن تدعي أنها معقل الديمقراطية في أكثر أجزاء العالم تطوراً، والذي يعتبر الأساس الذي تستند اليه الادارة الامريكية للهيمنة على العالم.

كل هذه التساؤلات ستكون لها اجابات واضحة وصريحة خلال الاشهر المقبلة، وهذا يتطلب منا التريث وعدم استباق الاستنتاجات.

*سفير فلسطين لدى مملكة الدنمارك