وكـالـة مـعـا الاخـبـارية

ريادة الأعمال من منظورٍ "ديني وأخلاقي"

نشر بتاريخ: 08/06/2021 ( آخر تحديث: 08/06/2021 الساعة: 12:04 )
ريادة الأعمال من منظورٍ "ديني وأخلاقي"


عندما نتحدث عزيز القارئ عن الريادّة والرياديَّة كصفة وموصوف؛فإننا نتحدث عن التفرد والتميز والاختلاف في الفعل أي "الإنجاز المتحقق"، والفاعل أي "شخص الرائد أو الريادي" على نحو واحد،فنقول هذا الفعل عمل ريادي، ونقول هذا الشخص شخص رائد أو ريادي قام به، وإن أي سمة أو صفة إيجابية تقود إلى ذلك التميز والاختلافكالإبداع وصفة المبدعين، والنجاح وصفة الناجحين، والتفوق وصفة المتفوقين، والاختراع وصفة المخترعين، والابتكار وصفة المبتكرين ..هي بذلك نوعاً من المفاهيم والصفات الريادية، والتي يُشترط فيها جميعاً النتيجة والأثر والتأثر الإيجابي.

"الريادة" في المعاجم العربية ...

راد الشَّيءَ:أراده؛ورَادَ العَمَلَ: أي طَلَبَهُ، وراد القومَ: قادهم وتقدَّمهم، وقيل ورَدفلانٌالماءَ بمعنى أتاه باكراً قبل غيره، والريادةُ تعنى أيضاً القيادة والرئاسة،وكان العرب قديماً يطلقون كلمة رائد على الشخص الذي يرود مواطن الماء والكلأ لترعى مواشيهم وإبلهم والتي يعتمدون عليها في قوتهم ورزقهم، وكان كل شخص توكل له تلك المهمة يتمتع بفراسة وخبرة منقطعة النظير، فهو بمثابة المُرشد لقومه الهادي لهم في حلهم وترحالهم في أوقات البلاء والجلاء، والشدة والقحط.

مصطلح"ريادة الأعمال"وشروطه عالمياً...

وأما حديث هذا المقال وهو مصطلح "ريادة الأعمال"والذي يُطلق عليه عالمياً"Entrepreneurship"وعلى صاحبه أي رائد الأعمال لقب "Entrepreneur"، فإنه مصطلح ذو أصل لغوي فرنسي يعني حرفياً "الشراهة تجاه المال"، حيث يختلف البعض في تعريف "ريادة الأعمال" رغم توافقهم جميعاً على أنها "تعهدٍ بإنشاءِمشروعٍ ما يهدف إلى تحقيق الربح"، ولكن الاختلاف يقع في جملة من المعايير والشروط، التي تفرق بين ريادة الأعمال،والخوض في إنشاء أي مشروعٍ تقليدي الفكرة ومن ذلك أولاً:حجم الربح المتحقق؛ أي مقدار خلق الثروةفمنهم من يذهب بالمفهوم إلى أقصى حدود الغنى والثروة،وآخرون يكتفون بكلمة عائد ربحي بغض النظر عن حجم تكوين رأس المال، ثانياً:المدى الزمني لبناء تلك الثروةثالثاً: اتسام ريادة الأعمال بالمخاطرة، رابعاً: شرط الإبداع والابتكار في الفكرة والشيء المقدم، وآخرون يسقطون شرط الإبداع والابتكار، فمثلاً تحدث بيتر دراكر في كتابه الابداع والريادة (الممارسة والأسس)،عن أهمية وجود المخاطرة كسمة من سمات ريادة الأعمال، وضرورة وجود الإبداع في الفكرةالمطروحة كعنصر هام.

لكن ما أهمية "البعد الديني والأخلاقي" في عالم الأعمال، وهل كُل شخص ملك مالاً وثروة هو شخص ريادي وفق هذا المنظور؟

لا بالطبع؛فالإنسان السوي القويم سلوكياً هو الذي تربى ونشأ وفق منظومة من الأخلاق، والتياستمدهامن دينٍأو عرفٍ أو تقليدٍ ما، ولو رجعنا لموروثنا العربي والإسلامي لوجدنا أن الدين الإسلامي هو مصدرتشريعنا الأول،والذي حدد لنا وفق نظام من التشريعات علاقتنا مع مختلف مكونات البيئة المحيطة بنا"البشرية والمادية" منها، ومن ذلك علاقتنا المثالية والسوية بالمال، والذي تحدث عن أهميته في حياتنا وأتى على ذكره في محكم تنزيله (86) مرة في تصريفات مختلفة، وورد أيضاً بمرادفات مثل: الخير، وفضل الله، والطيبات، وأشكال المال العينية والنقدية المختلفة.

محددات علاقتنا بالمال وفقشريعتنا الإسلامية ...

أولى هذه المحددات وأهمها تفيد بأن المال هو مال الله وأنت مؤتمن عليه ومستخلف فيه لك حقوق وعليك واجبات، وثانيها: توخي ميزان "الحلال والحرام" في كسب المال والتصرف به وإنفاقه،ثالثها: أن المال نعمة ونقمة في آن واحد؛ فيكون نعمة بالحفاظ عليه وتزكيته والتصدق منه فيما أحل الله، ويكون نقمة وفتنة في حال الغفلة به،وتسخيره في كلِما حرمَ الله، ولو رجعنا للمعنى الحرفي والأجنبي لكلمة ريادة الأعمال "الشراهة تجاه المال" سابقة الذكر؛لوجدنا بأن العالم الغربي منشأ تلك التسمية عالم رأسمالي بامتياز يحتكم للماديات في مبادئه، وأسسه، ومنظومته المجتمعية، بحيث أطلق العنان للحريات جميعها بلا قيود ومنها حريات مثل (التملك، والكسب، والتصرف) وهي ثالوث النظام الرأسمالي، بغض النظر عن أوجه شرعيتها جميعاً، فإنه بذلك المصطلح يذهب بالإنسان إلى أقصى حدود المشروع واللامشروع على عكسنا تماماً.

خلاصة القول:إن البعد "الديني والأخلاقي" يجب أن يكون حاضراًعلى الدوام في صفات رُواد الأعمال ونتائج أعمالهم ومشاريعهم، بحيث يكون محوراً هاماً ومقياساً للنجاح حين التطرق للحديث عن ذلك،من خلال التزام رُواد الأعمال بهما،متحرين القواعد الشرعية سابقة الذكر، والتي تحكم علاقة المسلم بالمال خاصة في مُجتمعاتنا العربية والإسلامية،فيما يُقدمون ويُصنعون من منافع خاصة وعامة في مجتمعاتهم،تُسهم في عملية التنمية المستدامة، والتنمية الاقتصادية والاجتماعية على وجه الخصوص،بفضل أفكارهم والتي يطرحونها في شكل مشاريع مختلفة، بحيث تكون للمجتمعات العربية والإسلامية قواعدها ومبادئها الخاصة،والتي تستند بها إلى موروثها الديني والأخلاقي هي أيضاً في تناولهالمفهوم"ريادة الأعمال"عالمياً والحديث عنه.