وكـالـة مـعـا الاخـبـارية

حقيقة الصراع في فلسطين الآن

نشر بتاريخ: 20/06/2021 ( آخر تحديث: 20/06/2021 الساعة: 10:51 )
حقيقة الصراع في فلسطين الآن

تكشف عدم مقدرة مكونات النظام السياسي الفلسطيني على معلجة حالة إنقسام النظام السياسي والمجتمع الفلسطيني، لا سيما بعد أن نجح الشعب في لملمة شتاته وإستعادة معنى الوطن من داخله كما بدى للقاصي والداني خلال إنتفاضة الأقصى ومعركة القدس الأخيرة، أن هناك مسافة ليست صغيرة بين الشعب وباقي المكونات السياسية في إدراك حقيقة الصراع في فلسطين، الأمر الذي يضع عدم نجاح هذه الأخيرة على توحيد النظام السياسي ضمن إحتمالات ثلاث: العمد، أو الخطأ، أو الجهل.

وفيما تبقى النتيجة واحدة للإحتمالات الثلاثة وهي إبتعاد الشعب والنظام عن الطريق الصواب نحو المستقبل المنشود، إلا أن معالجة ما فسد تختلف من حالة لأخرى، فمتجاهلي حقيقة الصراع عمداً يؤتمون ويعاقبون، والمتجاهلين جهلاً يستتابون ويحتوون ويقادون ولا يقودون، أما المتجاهلين خطأً فيبصرون، ليعودوا عن خطئهم ويضبطوا سلوكهم وسياساتهم ورؤيتهم لذاتهم ولوطنهم وللآخرين من حولهم وفق معطيات حقيقة الصراع.

في الواقع إستفزاز الحالة التي نحن عليها للغالبية العظمى من الشعب الذي لا زال مهموماً بكل جوارحه بوطن إسمه فلسطين، دفعني في هذه المقالة للبحث عن مشهد ما في التاريخ، أو معنى ما في منطق، أو حكمة ما في مبدأ علها تُعين على تفكيك إستعصاءات الواقع وتكون مفتاحاً على فهم ما يجري، ومعرفة لماذا يجري على هذا النحو؟

وفي هذا الشأن قد وجدت ما أبحث عنه في كتاب المثقف وخبير الإستراتيجية والإدارة المصري مصطفي حجازي الموسوم بعنوان: حجر رشيد.. الخروج الآمن لمصر، الذي أعدت قرائة البابين الأول والثاني منه خصيصاً لهذا الغرض، وأعترف هنا أنني قد إقتبست بعضا من مفرداته وأحياناً بعض من جمله، علاوة على إقتباسي للمنهجية التي وظفها في تأريخ ما جرى في مصر خلال موجة ما عرف بالربيع العربي، وذلك للتشابه بين المصريين في تلك اللحظة والفلسطينيين الآن في بحثهم وحيرتهم عن السبل التي تضمن لهم صناعة المستقبل الذي ينشدون.

حيث أراد حجازي في كتابه أن يشرك القارئ المصري والعربي معه في تأريخ تلك الأحداث ليضع بين يديه في النهاية ملامح صورة كاملة عن كيفية صناعة المستقبل، لإيمان الكاتب أن مشاركة القارئ في صناعة مستقبله منوط بقدر وعيه بما جرى؟ ولماذا جرى؟ أكثر من معرفته بكيف جرى؟ الأمر الذي يسهل على الشعب، أو القارئ في هذه الحالة فهم حقيقة الصراع، فضلاً عن فهم طبيعة أطراف الصراع وكيف تصرف كل منهم في حدث بعينه في سياق الصراع نحو المستقبل.

فحقيقة الصراع في فلسطين ليست أبداً صراعاً على تغيير طبيعة نظام سياسي، لإحلال نظام سقط بآخر قد جاء، أو صراع بين أيدلوجيات قد جاء موعد أن ترث إحداها الأخري، أو صراعاً بين منظمات يرى أحدها أنه أجدر من غيره على تولي القيادة والإستئتار بها من منطلق أنه يحتكر إمتلاك الصواب، فالصراع في فلسطين الآن يدور على عقول الفلسطينيين ووجدانهم بعد أن إعتقد العدو المستعمر أنه سيطر على أرضهم وممتلكاتهم، وصرفه إلى غير ذلك هو إهدار لطاقة المجتمع وإجهاد للأمل في التغيير وربما إجهاض له.

نعم هو صراع على مستقبل الفلسطينيين ليس في فلسطين وحسب، بل وعلى دورهم في محيطهم الإقليمي والعالمي ودورهم الإنساني، ودقة تعريف الفلسطينيين للصراع الدائر في فلسطين وعليها الآن مرهونة بدقة إجابتهم عن أسئلة أربعة تكمن فيها ملامح كل صراع إنساني يبتغي التقدم والترقي.

ويدور اول هذه الأسئلة حول من هو فاعل التغيير والإصلاح الآن؟ بمعنى آخر من هم الفلسطينيون الذي قدر عليهم أن يحملوا مسؤولية التغيير والإصلاح في هذه اللحظة من التاريخ؟ من هم المجسدون للصراع على الأرض؟ ماذا حدث لهم؟ أو ماذا أُحدث بهم على مدار سنين وشهور شكلت عقولهم ووجدانهم وعلاقتهم بمجتمعهم ووطنهم وكل من حولهم؟

نزعم أن هذه السنين قد تركت ندوباً وجروحاً في نفوس الفلسطينيين، ينبغي أن نعيها وندركها لتكن معيناً ومفتاحاً يساعدنا على تحديد من هؤلاء الفاعلون وحتى المشاهدون والمدعون على ساحة فلسطين الآن؟

وثاني هذه الأسئلة: ماهي البيئة الإستراتيجية (الدولية والإقليمية والمحلية) التي يجري فيها صراع فلسطين من أجل مستقبلها؟

وثالث هذه الأسئلة ما هو تعريف النصر في هذا الصراع من أجل المستقبل؟

وآخر تلك الأسئلة ما هي ادوات الفعل المحرز للنصر؟ وهو السؤال الملح الدائم، ماذا نفعل؟ وكيف نفعل؟ ولماذا نفعل؟

وفي معرض الإجابة عن تلك الأسئلة ستتكشف محنة الفلسطينيين الآن... وهي محنة تتجاوزهم لأنها قَدَر المنطقة العربية برمتها، وهي في أصلها محنة "العقل" ولكن تجلياتها كثيرة ومركبة منها محنة "الهوية"، ومنها محنة "الأهلية"! ولكن بقدر ما سنرى ملامح محنتنا الآن... فلسطينية كانت او عربية كما يقول حجازي في كتابه... يبقى الأمل في تجاوزها بمقدار عمق فهمنا لها، وهذا ما نرجوه أملاً وعملاً.