وكـالـة مـعـا الاخـبـارية

فاطمة الجعفري، سلامًا لك في عليين

نشر بتاريخ: 22/07/2021 ( آخر تحديث: 22/07/2021 الساعة: 21:54 )
فاطمة الجعفري، سلامًا لك في عليين

بهاء رحال

هل تعرفون فاطمة الجعفري؟ قلت في نفسي هذا السؤال لا يليق في حضرة الحاجة فاطمة، لأن أحدًا لا يعرفها، وأنا في عمر أحفادها وقد لا يحق لي بمطلع الكلام أن ابدأ السؤال ب هل؟ ففي الرثاء لا نسأل بل نتذكر مناقب الفقيدة ومآثرها، ونتذكر عنفوانها وفراستها واقتدارها على خوض حياة عاشتها في غمار الثورة بصبر الإنسانة الممتلئة إيمانًا بالله وبعدالة القضية والمسيرة الوطنية التي كانت إحدى اعمدتها وركائزها الصامدة والصابرة الواثقة من حتمية الانتصار في النهاية. إذن ساغير سؤال البداية، وتحضر الإجابة كاملة ووافية، نعم نعرف فاطمة، نحن أبناء الأرض المحتلة، من مختلف الأجيال والأعمار، صغارًا وشبابًا وشيبًا، نعرفها كما عرفها أبناء وبنات الجناح الغربي الذي كان يرأسه القائد المؤسس خليل الوزير ابو جهاد، فهي من زمن البدايات، بدايات الثورة، وبدايات الفكرة، وهي من زمن ديمومة الثورة وشرف الانتماء الأصيل الواثق بحتمية الانتصار، بعيدًا عن كل زركشات الحكم والسلطة، وهي ممن آمنوا بأن أرفع رتبة يمكن أن يتقلدها المرء هي رتبة المناضل/ة، التي لا تساويها رتبة ولا يضاهيها مقام.

فاطمة لمعة الاسم الحركي والشعار والمقام العالي.

فاطمة المناضلة من زمن الأوائل الذين حافظوا على الصورة بهيبة ووقار، وحفظوا الوصية الأولى وماتوا على الدرب الذي لم يغير بوصلتها فيهم، ولم ترجف كلمتهم، وحافظوا على صورة الثائر النقية الزكية البيضاء، فعاشت عمرها بين صفوف الجماهير، وعاشت حياتها بنقاء وصفاء الثائرة المرابطة الصابرة، وواصلت مسيرتها الكفاحية حتى ارتقت روحها إلى بارئها راضية مرضية.

فاطمة الأسيرة المحررة، شقيقة الشهداء وزوجة الأسير وأخت المناضلين، وابنة القرية والمدينة والمخيم. كانت من أوائل الذين واظبوا على زيارة أبطال الدوريات في السجون الإسرائيلية، أولئك الأبطال الذين كانت عائلاتهم خارج حدود الأرض المحتلة، فكانت لهم الأم والأخت، وكانت تشحذ هممهم بالصبر والصمود، وهي تؤكد لهم على أن كل فلسطين عائلة واحدة، فتمدهم بالصبر والصمود والعزيمة في مواجهة السجن والسجان وارهاصات الاعتقال وإرهاب المحققين. فاطمة التي عادتها أن تسبق القول بالفعل، وأن تصدق ما وعدت به، فكانت العون لكل مطارد ومطاردة في زمن الانتفاضة والاشتباك مع جنود الاحتلال، وكانت سارية المظاهرات والمسيرات والاعتصامات، وكانت صوت الهتاف الحر العالي والشعار الوحدوي والنداء لفلسطين، كل فلسطين.

رحلت فاطمة الجعفري بعد مسيرة كفاح طويلة عمدتها بالصبر والثبات والصمود والعزيمة، رحلت لكنها تركت تاريخاً من نور وإرثًا عن صبر النساء وعظمة النساء وقد أسست مدرسة في الشموخ والإباء.

رحلت فاطمة الجعفري وفي مشهد مهيب ودعتها بيت لحم، ووقف المخيم في مهابة التشييع مبللًا بالدمع وآهات الرحيل، وعلى أكتاف أشقائها التي حملت النعش وسارت به إلى مرقدها الأخير، هناك في المقبرة الشمالية لبيت لحم، حيث سجي الجثمان على مقربة من القدس.

رحلت فاطمة الجعفري، ولن تشارك في الاعتصام القادم لأهالي الأسرى، ولن تشارك في المظاهرة القادمة ضد إرهاب الاحتلال، ولن ترفع علم فلسطين كما كانت تفعل موحدة وجامعة الأحزاب والفصائل تحت ظلاله، ولن تشارك في الإضراب القادم، لأنها رحلت بعيدًا إلى السماء، وصعدت حرة من قيود الاحتلال وجنوده، وارتقت لتستقل مكانها في السماء مع الشهداء وكل من أحب فلسطين.