وكـالـة مـعـا الاخـبـارية

اهمية الإصلاح العشائري في المجتمع الفلسطيني من منظور شرعي

نشر بتاريخ: 01/08/2021 ( آخر تحديث: 01/08/2021 الساعة: 09:01 )
اهمية الإصلاح العشائري في المجتمع الفلسطيني من منظور شرعي

الدكتور سهيل الاحمد

الإصلاح في المفهوم الشرعي: هو الحصول على الحالة المستقيمة النافعة والتوسط بين المتخاصمين بهدف منع الخصومة الواقعة أو المتوقعة عن طريق التراضي والمسامحة تجنبًا لحدوث النزاع الاختلاف والبغضاء وإيراث الضغائن وقسوة القلوب، وذلك وفق المنهج الشرعي القائم على التمسك بالقرآن الكريم والسنة النبوية لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ} (الأعراف، آية، 170). وهو يقوم على الدعوة كذلك إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لقوله صلى الله عليه وسلم يقول: «من دعا إلى هدى كان له أجره وأجر من عمل به إلى يوم القيامة، ومن دعا إلى ضلال كان عليه وزره ووزر من عمل به إلى يوم القيامة».(مسلم، الصحيح، كتاب العلم، باب من سن سنة حسنة أو سيئة ومن دعا إلى هدى أو ضلالة، حديث برقم 2674)
والإصلاح العشائري يعني صلاح القلوب والعقول وزرع الألفة والمحبة ونبذ الفرقة والخلاف، على أساس الشرع في الأهداف والمقاصد حتى يُؤدِّي دوره الصحيح في التغيير إلى الأفضل، من العدل والإنصاف والبعد عن الظلم والاستبداد والمصالح الشخصية وهوى النفس حسب القدرة والاستطاعة، وفي حدود المسؤولية والتكليف. وهو كذلك يعالج النفس للوصول إلى قبول العمل والفوز برضا الله تعالى وعفوه ومغفرته، لاعتباره من الأعمال السامية في تهذيب الجوارح وبناء المجتمعات وتحقيق تقدمها واستقرار جوانب حياتها المتعددة، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين والخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا، إلا رجل كان بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: انظروا هذين حتى يصطلحا، انظروا هذين حتى يصطلحا، انظروا هذين حتى يصطلحا"، (مسلم، الصحيح، كتاب البر والصلة والآداب، باب النهي عن الشحناء والتهاجر، حديث برقم 2565).
والإصلاح العشائري في المجتمع مبدأ حضاري يعرفه من يفتقده، وهو ضرورة شرعية لا يمكن الاستغناء عنها ولا تجاهلها، وهو يعمل على تقدم الأمة ورقيها في جميع جوانبها الحياتية متى كان منضبطًا بتفاصيله وأساليبه ووسائله بالقواعد الشرعية التي تتعلق بمكونات المجتمع على اختلاف درجاتها وتصنيفاتها، حيث يتدرج الإصلاح من الفرد إلى الأسرة إلى المجتمع، وبالتالي إصلاح للأمة بكاملها، ومن هنا كان الإصلاح العشائري إصلاحًا لجميع مُقوِّمات الحياة، ولا يتحقق إلا إذا كان مواكبًا لرعاية مصالح الناس وغاياتهم المطلوبة في الدنيا والآخرة، وحصول أمنهم واستقرار مجتمعاتهم، فالخير فيما ينفع الناس من الأقوال والأفعال لقوله تعالى: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْض} (الرعد، آية 17)، وقال سبحانه: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أو مَعْرُوفٍ أو إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}(النساء: 114)، لأن أي إصلاح لا يستند إلى العدل والإحسان وحفظ حقوق الناس ومتعلقاتهم ومصالحهم فمآله إلى الفشل لأنه مبني على الأهواء الشخصية التي لن تحقق للمجتمع استقراره وتقدمه، ولذلك كان النهي عن الإفساد في الأرض من باب الإصلاح لقوله تعالى: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} (الأعراف، آية 56)، ولقوله سبحانه: {وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} (القصص، آية 77)، ولو علم الفاسدون والمفسدون خطر الإفساد في الأرض، وما يؤسس له من تخلف وويلات تعود على المجتمعات بكاملها لما تجرأ أي منهم على ذلك.
وإذا كان مقصد العدل واستقرار المجتمع وتقدمه وبالتالي تطبيق منهج الله في هذه الحياة لا يتم إلا بالإصلاح؛ فإن الإصلاح العشائري سيكون وسيلة لهذا المقصد، وبالتالي كان واجبًا من الناحية المقاصدية الشرعية، لأن مالا يتمّ الواجب إلا به فهو واجب، كما عند القرافيّ حيث يقول: "فإن القاعدة الشرعية أن وجوب الوسائل تبع لوجوب المقاصد ولأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب" (القرافي، أبو العباس أحمد بن إدريس الصنهاجي، الفروق، 1/302)، بمعنى أنّه متى كان المقصد واجباً كانت الوسيلة لهذا المقصد واجبة ًأيضاً، وذلك لأن الوسائل تأخذ حكم المقاصد، ومن ذلك تطبيق مبدأ الإصلاح العشائري الموصل إلى واجب حفظ النفس ومتعلقات الناس ومصالحهم المتعددة، فأينما كان الخلاف وجب الإصلاح سواء أكان ذلك بين الأفراد والجماعات أم حصل في فض المنازعات في قضايا الأموال، والأراضي، والعقارات، والتعديات، والقضايا الزوجية، والأسرية، وغيرها، بما يحقق للمجتمع تقدمه واستقراره والمحافظة على النسيج الاجتماعي والإنساني وبالتالي وصولها إلى خير أمة أخرجت للناس.