وكـالـة مـعـا الاخـبـارية

المركز القانوني لسفراء الحرية في مدينة القدس والانتهاكات الإسرائيلية الواقعة على حقوقهم المدنية

نشر بتاريخ: 19/01/2022 ( آخر تحديث: 19/01/2022 الساعة: 12:28 )
المركز القانوني لسفراء الحرية في مدينة القدس والانتهاكات الإسرائيلية الواقعة على حقوقهم المدنية

بقلم المحامي د. محمود أبوصوي وإيناس النتشة

تتنوع السياسات والإجراءات التي تُمارسها سلطات الاحتلال الإسرائيلي تجاه الفلسطينيين في مدينة القدس من حملة "الهوية الإسرائيلية"، والتي يُمنحون بموجبها حق الإقامة الدائمة في هذه المدينة؛ وتأتي هذه الممارسات بُغية تهجيرهم وتقليص أعداد المقيمين منهم فيها؛ في محاولة لأسرلة مدينة القدس وإفراغها من سكانيا الأصليين. وتبعاً لذلك؛ تتعدد السياسات والإجراءات والقرارات التي تُصدرها سلطات الإحتلال الإسرائيلي في هذا الشأن، فلم تكن "إسرائيل" يوماً تتوانى عن أيّة فرصة تُمكِّنها من تحقيق هذا الغرض، ومن بينها وضع المعيقات الحائلة دون الاعتراف القانوني بسفراء الحرية ممن يُفترض حصولهم على شهادة ميلاد من قبل وزارة الداخلية الإسرائيلية أسوة بغيرهم من الأطفال.

موقف القانون الدولي:

تنص اتفاقية حقوق الطفل التي صادقت عليها إسرائيل بتاريخ 3/10/1991 على حق الطفل بالحفاظ على هويته بما في ذلك جنسيته واسمه وصلاته العائلية على النحو الذي يُقرره القانون، وبدون أي تدخل غير شرعي. وتطبيقًا لذلك؛ تُجبر سلطات الاحتلال الإسرائيلي على منح الطفل المولود من أم مقدسية أو أب مقدسي أو أم وأب مقدسيين الحصول على شهادة ميلاد من وزارة الداخلية "الإسرائيلية"، تضمن له التمتع بحق الإقامة الدائمة في مدينة القدس. وبذلك، يصبح للأطفال المقدسيين ما يُثبت وجودهم القانوني من خلال اعتراف سلطات الاحتلال الإسرائيلي بشخصيتهم القانونية، وهو الحق الذي كفله لهم الإعلان العالمي لحقوق الانسان في المادة (6) منه، وكذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في المادة (16) منه. ومن هذا المنطلق، وتطبيفاً لأحكام القانون الدولي؛ فإن (سفراء الحرية) أو ما يُعرف بأطفال النطف المحررة، يجب أن يحصلوا على حقهم بالاعتراف بشخصيتهم القانونية أسوة بأقرانهم من الأطقال حديثي الولادة في مدينة القدس، من خلال حصولهم على شهادة ميلاد صادرة عن وزارة الداخلية "الإسرائيلية" حفاظاً على هويتهم وصلاتهم العائلية؛ ولضمان تمتّعهم بحق الإقامة الدائمة في مدينة القدس، وما يترتب على ذلك من حقوق أخرى؛ كي لا يكونوا عرضة لأن يصبحوا عديمي الجنسية أو ما يعرف ب" البدون".

الممارسات الإسرائيلية المتّبعة تبعاً لاختلاف الحالات بحسب هوية الأب والأم:

بدأت إسرائيل مؤخراً بانتهاج سياسات عقابية بحق الأسرى المقدسيين وعائلاتهم كرد انتقامي على قيامهم بالإنجاب من داخل السجون الإسرائيلية عن طريق تحرير النطف لخارج السجن، وكانت إحدى هذه السياسات العقابية وأشدها خطورة هي إنكار نسب الطفل المولود من نطف محررة (سفير الحرية) لوالده الأسير، وبذلك يُحرم الطفل من توارث المركز القانوني الذي يُمكِّنه من الحصول على هوية مقدسية. وقد ترتب على ما يُمكن تسمته ب"ثورة النطف المحررة"، وجود عدد من الأطفال (سفراء الحرية) الذين حُرموا من الحصول على شهادة ميلاد، ما يعني حرمانهم من حق الإقامة الدائمة في مدينة القدس؛ أي حرمانهم من العيش بالمدينة التي ولدوا بها وولد بها آباؤهم؛ وكذلك حرمانهم من كافة الحقوق والامتيازات التي يتمتع بها أي طفل فلسطيني يحمل حق الإقامة الدائمة في مدينة القدس. وتختلف أوضاع هؤلاء الأطفال والمصير الذي لحق بهم من جراء رفض وزارة الداخلية الإسرائيلية الاعتراف بنسبهم لأبيهم.

وفيما يلي تصنيف آليات التعامل مع تنظيم الأوضاع القانونية لسفراء الحرية من قبل وزارة الداخلية "الإسرائيلية"، على ضوء اختلاف هوية الأب والأم:

بخصوص حالة الأطفال من أب يحمل هوية إسرائيلية (الأسير) وأم تحمل الهوية الفلسطينية: في هذه الحالة وبحال تعنُّت وزارة الداخلية عن إصدار شهادة ميلاد لأطفال النطف المحررة؛ لتعترف بموجبها بنسبهم للأسير وتوريثهم المركز القانوني عن الأب (الحصول على هوية إسرائيلية)؛ فيكون أمام أفراد هذه الفئة، خيار سلوك طريق ثانوي يتمثّل بتوارث المركز القانوني عن الأم (الحصول على هوية فلسطينية)؛ وبذلك يتم حماية هؤلاء الأطفال، حتى لا يصبحوا في عدّاد الأشخاص معدومي الجنسية، ودون وجود أيّة أوراق رسمية تُثبت وجودهم القانوني؛ وبهذه الحالة يفقد الطفل حقه بالحصول على حق الإقامة الدائمة في مدينة القدس؛ ما يعني إبعاده قسراً عن المدينة التي ولد فيها وعدم إمكانية مكوثه فيها مستقبلاً إلا بموجب تصريح للتواجد في مدينة القدس؛ ما يؤدي بالنتيجة إلى تفتيت أواصر العائلة.

ومن جهة أخرى، يُشار إلى أن سلطات الاحتلال الإسائيلي تعتبر تسجيل المولود في السجل السكاني الفلسطيني تعبيراً عن الوفاء للسلطة الوطنية الفلسطينية؛ ما يعني تسجيل هذا الطفل مستقبلاً كشخص "خطرٍ أمنياً"، وبالتالي؛ صعوبة حصوله على لم شمل أو تصريح للتواجد في مدينة القدس في المستقبل. وعلى الرغم من ذلك، تحاول بعض عائلات الأسرى ومنهم عائلة الأسير (ف.م) وتنتظر منذ سنوات موافقة وزارة الداخلية الإسرائيلية على إصدار شهادات ميلاد لطفليه الذين ولدوا عن طريق نطف محررة؛ إذ رفضت العائلة إصدار هويات فلسطينية لهم، والتنازل عن حق أطفالها بنسبهم للأسير وتوارث مركزه القانوني.

كما تتذرع سلطات الاحتلال الإسرائيلي بحجج واهية في مثل هذه الحالات التي يولد فيها طفل لأب أسير عن طريق النطف المحررة للحيلولة دون حصول الطفل على شهادة ميلاد، ومن هذه الحجج، ضرورة طلب إصدار شهادة ميلاد للطفل من قبل الأب نفسه؛ وبالتالي، ضرورة انتظار خروج الأسير (الأب) من السجن، أي لمدد قد تتجاوز فترة طيلة حياة الطفل منذ ولادته وحتى مماته؛ خاصة في حالة الأسرى من ذوي الأحكام العالية (الأحكام المؤبدة).

الأطفال من أب وأم يحملان هوية مقدسية: يُعتبر أفراد هذه الفئة الأكثر تضررًا من السياسة الإسرائيلية المتمثلة برفض الاعتراف بنسب الطفل للأسير، طالما أن إنجابه كان من خلال نطف محررة من داخل السجن بدون إذن إدارة السجون الإسرائيلية. وبذلك، ترفض وزارة الداخلية الإسرائيلية إصدار أي ورقة رسمية تعترف بموجبها بهزيمتها أمام الإرادة الفلسطينية الحديدية. وبذات الوقت، لا يكون أمام هؤلاء الأطفال أي فرصة أخرى ليتم الاعتراف بوجودهم القانوني، إلا من خلال وزارة الداخلية الإسرائيلية. وحتى اللحظة ومن بين أعداد سفراء الحرية والذين يُقدَّر عددهم بتسعة وتسعين سفيراً للحرية، ولدوا من اثنان وسبعين أسيراً داخل المعتقلات الإسرائيلية؛ هناك ثلاثة أطفال فقط ولدوا من أب وأم يحملان "الهوية الإسرائيلية" وهم أطفال الأسير (أ.م) وحصل هؤلاء الأطفال على شهادة ميلاد من باب الصدفة المحضة؛ إذ كانت ظروفهم الصحية نتيجة انجابهم المبكر، تستدعي حصولهم على رقم وطني من وزارة الداخلية "الإسرائيلية" بأسرع مدة ممكنة حتى يتم تقديم العناية الصحية الضرورية اللازمة لهم.

الأطفال من أب يحمل هوية مقدسية وأم تحمل الجنسية الإسرائيلية: يُعتبر أفراد هذه الفئة الأكثر حظاً من بين باقي سفراء الحرية، كون الأم التي تحمل الجنسية الإسرائيلية تتيح لها التشريعات الإسرائيلية توريث طفلها مركزها القانوني، من خلال نسبه لها "فقط" دون نسبه للأب. وبالرغم أنه أمر غير مقبول إجتماعياً من قبل المجتمع الفلسطيني؛ إلا أنه يعتبر طريقاً لا مفر منه حتى لا يُحرم الطفل المولود من نطف محررة، من حق الاعتراف بشخصيته القانونية، سيما وأن وزارة الداخلية الفلسطينية لا تملك أي صلاحية تخوِّلها إصدار أوراق رسمية لإبراز الشخصية القانونية للطفل المولود من أب وأم لا يحمل أحدهما الهوية الفلسطينية، ومن هؤلاء طفل الأسير (ض.م) الذي حصل على الجنسية الإسرائيلية بعد ما يُقارب الستة أشهر من ولادته، حاربت خلالها عائلة الطفل بمعركة قانونية ليتم نسبه للأب، ونجحت بذلك بعد بعد جهود حثيثة، من خلال اللجوء لأحد المؤسسات الحقوقية، وإجراء فحوصات الحمض النووي (DNA).

ختاماً، إن ممارسات سلطات الاحتلال الإسرائيلي، المتمثلة بانتهاج سياسة الإجراءات العقابية لحرمان سفراء الحرية من الحصول على شهادة ميلاد توثق نسبهم، وكذلك منعهم من الحصول على حق الإقامة الدائمة في مدينة القدس، كإجراء عقابي على هزيمة السجان المحتل أمام إرادة وعزيمة الأسرى؛ يُشكل انتهاكاً لأحكام القانون الدولي، وعلى وجه الخصوص أحكام اتفاقية حقوق الطفل، والإعلان العالمي لحقوق الانسان، وكذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية؛ لتُضاف هذه الانتهاكات إلى قائمة الانتهاكات المتعددة التي تمارسها سلطات الاحتلال بشكل يومي بحق الفلسطينيين بشكل عام، والفلسطينيين في مدينة القدس بشكل خاص؛ في محاولة لأسرلة هذه المدنية وإفراغها من سكانها الأصليين.

وفي سبيل الوقوف بوجه هذه الممارسات الماسّة بأبسط حقوق الأطفال في مدينة القدس؛ لا بد من العمل بشكل جاد وفغّال على المستويين الرسمي وغير الرسمي، لتدويل قضية سفراء الحرية في مدينة القدس بُغية توفير الحماية القانونية لهم، والحيلولة دون تعرضهم لأي إجراءات تعسفية من شأنها حرمانهم من الحصول على الوثائق الرسمية المتعلقة بهويتهم القانونية. وبذات الوقت، تكثيف الجهود القانونية من قبل المؤسسات الحقوقية المختلفة للتعامل مع كل حالة من حالات رفض وزارة الداخلية الإسرائيلية منح أحد سفراء الحرية شهادة ميلاد، واللجوء إلى كافة السبل القانونية والقضائية المتاحة لتصويب الوضع القانوني لهذا الطفل بحصوله على شهادة ميلاد، أسوة بغيره من الأطفال.