وكـالـة مـعـا الاخـبـارية

هل يقبل اليمنيون برفع الوصاية عن المرأة بعد أن كثرت تلك الدعوات؟

نشر بتاريخ: 05/03/2022 ( آخر تحديث: 05/03/2022 الساعة: 21:00 )
هل يقبل اليمنيون برفع الوصاية عن المرأة بعد أن كثرت تلك الدعوات؟

معا- رغم مأساة الحرب اليمنية التي تركت بصمتها على كل شيء في البلد الذي كان يسمى حتى زمن قريب بـ"السعيد"لا زالت اليمنيات يكحلن عيونهن بالأمل. ينتظرن الحصول على حقوق بدا أنها بسيطة في هذا الزمن، لكنهن محرومات منها.

لم تتوقف اليمنيات يوما عن رفع أصواتهن، يدشن حملات للمطالبة بحقوق يعتبرون أنها باتت "مفقودة"، يحاولن العثور عليها بين ركام الحرب الممتدة منذ 5 سنوات تقريبا.

في عام 2017، صُنِّف اليمن في ذيل القائمة لمؤشر الفجوة بين الجنسين جاءت في المرتبة 144 من أصل 144 دولة، وترى هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن هناك الكثير من التحديات التي تواجه المرأة في اليمن، منها أنه يسجل مستويات منخفضة من المشاركة في العمل الرسمي مدفوع الأجر، وكذلك تعاني اليمنيات من معدلات مرتفعة للعنف ضدهن بما في ذلك الزواج القسري والمبكر.

وأشارت إلى أن عدم المساواة الهيكلي يعوق حصول النساء والفتيات على الخدمات الأساسية، مما يؤدي إلى فجوة كبيرة بين الجنسين في محو الأمية والتعليم الأساسي، وإلى ارتفاع معدلات الوفيات بين الأمهات.

وكذلك لفتت المنظمة الأممية إلى أن هناك تميز من نظم العدالة الرسمية وغير الرسمية ضد المرأة اليمنية.

تنوعت مسميات تلك الحملات لكنها جميعا تسعى إلى هدف واحد "تحرير المرأة"، حيث كانت آخر تلك الدعوات تطالب برفع الوصاية عن المرأة بشكل كامل.

ما مدى تقبل المجتمع اليمني لتلك الدعوات، خاصة وأنه حتى الآن لازال مجتمعا قبليا تحكمه أعراف وتقاليد.. وهل تلك الحملات نابعة من حاجة داخلية أم أنها تحمل بصمات دولية لإحداث تغييرات مجتمعية؟

بداية تقول، منال مهيم، الناشطة في مجال حقوق المرأة، رئيسة مؤسسة المستقبل للتأهيل وتنمية الوعي والقدرات بعدن، إن النساء في اليمن يتعرضن لتعسف واضح، لمنعهن من ممارسة حقوقهن المكفولة قانونيا.

مجتمع قبلي

وأضافت في حديثها مع "سبوتنيك"، نرى أن هناك بعض الإجراءات التمييزية الذكورية، هذه الإجراءات ترجع إلى أن اليمن مجتمع عرفي قبلي، ومن هنا يظهر ضعف تمكين الفتيات والنساء، وضعف معرفتهن بحقوقهن المكفولة قانونيا، واستخدام الوصاية المفرطة في بعض المجتمعات المحلية من قبل أولياء الأمور، يحرمهن من حقهن في السفر والدراسة واختيار شريك الحياة وإثبات هوياتهن في الحياة.

واستطردت: نظرا لأن موضوع إسقاط الوصاية أصبح في كثير من الأحيان والظروف يستخدم كسلاح ذو حدين في مجتمع يسوده العُرف والعادات القبلية، وعلينا أن ندرس هذه الخطوة و نقيمها جيدا قبل البدء بها، لأنه من الصعوبة بمكان التفاعل الإيجابي من قبل المجتمع، ليس فقط القبلي بل وحتى الحضري في اليمن، لأن هذه أمور تمس الأعراف المتوارثة، حتى النساء أنفسهن لن يقبلن بهذا، بل يمكن أن يطالبن بالكثير من الحقوق التي لا تتعارض مع تقاليد مجتمعنا، والتي لن تثير حفيظة رجال الدين والقبائل أو تجعل حجتهم أقل تأثير مثلا، ومع ذلك المجتمع بحاجة إلى الكثير من الجهد والتوعية لقبول بعض المطالب والحقوق التي تطالب بها النساء.

الوصاية الذكورية

وتابعت مهيم، لا أقول إن تناول ذلك بين أوساط المجتمع غير ممكن، ولكن لابد من خطوة استباقية وهي تكثيف التوعية المجتمعية والقانونية لتهيئة البيئة التي سيتم فيها تناول قضية رفع هذه الوصاية، فقد تعود تلك الدعوة بزيادة القيود على الفتيات والنساء من قبل أهاليهن، لأن انعدام الوعي المجتمعي لا يفرق بين حقوق المرأة والإجراءات الذكورية التعسفية.

وأضافت: "في الأخير أعود إلى مسألة تمكين النساء بمفهومه الواسع، وتقديم و دعم نماذج مشرفة للمرأة الناجحة المحافظة على عاداتها وتقاليد مجتمعها التي لا تتقاطع مع طموحها كشريكة في مجتمعها، ففي عدن خاصة نجد غالبية الفتيات يحظين بدعم وتشجيع من أسرهن، لكن في العمل تتعرض للعنف الوظيفي بالوصاية، على أفكارهن تارة بالاستخفاف بها وتارة أخرى بفرض أفكار أخرى من قبل مدرائهن، والأحرى أن يتم تناول هذه المسألة التي أصبحت ظاهرة وتفاقمت منذ الـ ٢٠١٥ إلى اليوم".

فئة قليلة

وقالت "س.ع" فضلت عدم ذكر اسمها، مسؤول بأحد الجهات الرسمية، سمعت عن تلك الدعوات التي أطلقتها مجموعة من الفتيات في تعز، وفي البداية لم أكن أريد التعليق على هذا الأمر، في اعتقادي أن هناك نساء متضررات من تلك الوصاية، لكنهن فئة قليلة.

وأوضحت لـ"سبوتنيك"، أن تلك الفئة المتضررة يمكن أن يكون من بينها إمرأة كبيرة أو شابة فوق الـ25 أو الـ 40عام، هنا هذه الفئة تواجه مشكلة إذا أرادت على سبيل المثال استخراج "جواز سفر" تفرض عليها بعض الأمور، لكن من يعملن بالوظائف الحكومية أو الجامعة في عدن مثلا إذا ذهبت لاستخراج أوراق سفر أو غيرها لا يطلب منهن إحضار الوصي أو الولي، أنا عن نفسي استخرجت جواز السفر في سن الـ25 ، ولم يكن عندي هذه المشكلة، فقط أحضرت تأكيد من مكان عملي.

وتابعت "س.ع"، لكن أعتقد في بعض المناطق قد تواجه بعض الفتيات مشاكل فيما يتعلق بالوصاية، البعض وليس الكل، لذا أعتقد أن تلك الحملة التي تطالب برفع الوصاية جاءت من الاستثناء، لأن الفتاة الصغيرة ليس لديها مشكلة في إحضار ولي الأمر حتى تستخرج جواز السفر الخاص بها أو أي وثيقة أخرى، إلا إذا كان لهذه الفتاة مشكلة مع ولي أمرها وتريد الخروج أو الهروب بعيد عنهم، أو إمرأة متزوجة وزوجها لا يريد أن يطلقها، هنا يمكن أن تواجه الحالتين مشكلة للحصول على الأوراق للسفر او الهجرة، وأنا كامرأة عربية وشرقية متعلمة وعندي بنت تريد أن تستخرج جواز سفر لكي تخرج وتسافر به أنا عن نفسي لا أحب هذا.

القبول المجتمعي

تقول، الدكتورة جاكلين منصور، رئيسة لجنة الشؤون الاجتماعية والعمل بالجمعية الوطنية للمجلس الانتقالي الجنوبي لـ"سبوتنيك"، إن تلك الدعوة أطلقتها مجموعة من الفتيات في محافظة تعز، والمجتمع اليمني لا يشجع مثل تلك الدعوات بحكم أنه مجتمع ذكوري، ودائما ما يتخذ الدين ذريعة من أجل فرض سيطرته على بعض النساء، ومع ذلك فإن أغلب الفتيات ليس لديهن مشكلة.

دعوات مرفوضة

أما رئيسة التكتل النسوي الجنوبي باليمن، أم صخر عيشة عبادل، فعلقت على دعوات رفع الوصاية بقولها، بالتأكيد يوجد سقف معين لهذه المطالب، ولا أعتقد بأن المطالب التي يمكن أن ترفعها نساء في الغرب يمكن أن تكون صالحة أو مقبولة لنرفعها هنا.

وأشارت في حديثها لـ"سبوتنيك"، أن أهم العوائق هى التقاليد والأعراف وأيضا لجوء بعض رجال الدين الى بعض نصوص الشريعة، وأنا لست ضليعة بها للأسف، ولكن كمجتمع محافظ، لايمكن أن تلاقي مثل هذه الدعوات استجابة، بل العكس يمكن أن تقابل بفتاوى دينية، نحن كنساء لنا مطالب بالتأكيد، منها الحق في التمكين السياسي والاقتصادي، وكذلك المشاركة في بناء وصناعة السلام ومواقع القرار وايضا رفض زواج القاصرات والعنف ضد المرأة، ولكن حتى في إطار الدولة الواحدة تختلف مطالب النساء ومشاغلهن من منطقة إلى أخرى و الريف عن المدينة، هذا أمر مهم يجب أن يتم مراعاته.

حقوق مشروعة

ولفتت عبادل إلى أن المرأة تشكل نصف المجتمع، وتعطيل هذا النصف عن القيام بدوره وعدم إشراكهن في مواقع القرار يشكل عائق كبير في عملية البناء والتنمية، كذلك يجب أن تكون مطالب النساء واحتياجاتهن حاضرة في النصوص الدستورية والقانونية التي تحفظ لهن حقوقهن و تحميهن من العنف والتهميش، وتضمن الاستقرار الأسري وحماية الأطفال .

أصوات استثنائية

بدوره يقول الحقوقي اليمني، عبد العزيز قاسم، "بالنسبة للوصاية هناك فرق بين وصاية الرجل على زوجته، وبين وصاية الرجل على المرأة من حيث الزواج والسفر فلا يوجد قانون يمنع المرأة من حق السفر، ويمكن للرجل منع المرأة من السفر بشكل عام، لكن من حيث العلاقة بين الزوج والزوجة، فأساس العقد أي عقد النكاح هو الذي أعطى للرجل حق الوصاية".

وأضاف "في تقديري أن المسألة شخصية تبعا لثقافة ووعي الفرد نفسه، فالأمر يعود للمسألة الشخصية، ومثل هذه الدعوات لا تجد صدى على الواقع بقدر ماهي أصوات استثنائية، ويمكن اختزال المسألة بقيادة المرأة للسيارة، فالقانون لا يشترط للرجل فقط دون المرأة، وهذه المسألة أيضا شخصية ولا تحتاج لإجازة قانونية، المرأة اليمنية تسافر وتدرس، وحتى تمارس التجارة وقيادة السيارة وتتولى القضاء والنيابة وفي كل المرافق".

خطة مشبوهة

وأشار قاسم إلى أن هذه الدعوات ربما من أطلقها يريد تسجيل قضية رأي مطروحة كمشكلة، والتوقيت لمثل هذه الدعوات ربما يهدف البعض من ورائها إلى استقطاب الفتيات تحت يافطة الحرية، لاستخدامهن في أجندات مشبوهة، لأنه في الأساس المرأة تدرس وتسافر وتقود وتعمل وتمارس حقها في الانتخابات والرأي والترشح والدراسة، وهذا الأمر يعود بالطبع لوعي وتفهم الأسرة، ويختلف من محافظة إلى أخرى ومن مديرية إلى أخرى، وتبعا لكل أسرة على انفراد.

ولاية الأب

وأوضح أن تلك الدعوات ربما تهدف لإخراج الفتاة عن وصاية الأب لتقوم بتزويج نفسها مثلا دون موافقة والدها وأيضا رفع وصاية الزوج على زوجته، وهذا الأمر يخالف الدين والعرف، لا يمكن للمرأة أن تزوج نفسها، لأنه في الأصل المجتمع نفسه يرفض أن يتزوج الرجل بإمرأة من دون أهلها، هذا من جانب، لكن حرية الاختيار موجودة للمرأة، في أن تختار و توافق أو ترفض.

وتابع: "هذا الأمر بالنسبة للفتاة التي تتزوج لأول مرة ولا يمكن أن تتزوج مرغمة خاصة في الحضر، أما التي سبق لها الزواج فلا يشترط القانون الوصاية عليها، في اليمن توجد حرية للمرأة ليست مقننة أو محددة في القانون لكنها تمارس في الواقع، مثلا حرية السفر، في منطقتي هناك طالبات يدرسن في مصر الآن فالمسألة شخصية تعود للشخص وللأسرة نفسها".

حماية وسياج

بدوره يرى الكاتب و المحلل السياسي اليمني، محمد بالفخر، أن الولاية على المرأة لا تعني المنع من حقوق أعطاها الله لها و كفلها الشرع، الولاية حماية وسياج.

وأضاف، لكن البعض أساء الفهم فجعل من الولاية وصاية وتحكم كما يشاء فيما يخص المرأة، يمنع ويعطي بحسب مصالحه و رغباته وهذا بعيد عن المفهوم الشرعي، متى ما أساء الرجل في معنى الولاية أباح الشرع للمرأة الرجوع للقضاء، لأخذ حقوقها من زواج وميراث وعلم وغيره مما ينفع المرأة في دينها ودنياها، هذا الحديث في حدود لو فهم الناس الشرع وطبقوه رجالا ونساء.

حروب افتراضية

ويضيف في حديثه لـ"سبوتنيك"، أما مسألة الدعوات هذه فهي ربما نسميها دعوة حق أريد به باطل، فبعض النساء للأسف وقعن ضحية بعض المنظمات المشبوهة والتي تثار أمامها أكثر من علامة استفهام، وكذلك أدعياء مناصرة المرأة الذين لاهدف لهم سوى تهديم البيوت واشعال حروب افتراضية بين الرجل والمرأة، للمرأة الحق في التعليم و الزواج برجل كفوء لها والتصرف بمالها، وهذا مكفول لها شرعا وقانونا حتى السفر وجدنا الكثير من الأسر سمحت بسفر بناتها للتعليم في دول أخرى مع بقاء الولي قائم بحق الولاية من رعاية ونصح و حماية وغيرها.

مشيرا إلى أن غالبية تلك الدعوات الجديدة في رفع الولاية ليست بريئة، و غالبا ستقابل بالرفض من أكثر فئات المجتمع، و بالمقابل يصنع فئة ناقمة من النساء تعترض على كل شيء، وأظن هذا الهدف و إيجاد صراع بين الرجل والمرأة لا يحسم لصالح أحد فقط صراع يدخل ضمن الصراعات التي تعيشها بلداننا، عموما وكما قلت مسبقا القضاء النزيه سيحكم للمرأة في حال ظلمها الولي أو منعها أحد حقوقها، أما دعوات التحلل من رعاية الولي و سياج الأسرة فهذا لاتقبله حتى المرأة العاقلة التي تفهم الوضع وتعرف المراد.