وكـالـة مـعـا الاخـبـارية

‏عندما تتحسس جيبك ولا تجد القرش لأولادك فكل النظريات تنهار أمامك!

نشر بتاريخ: 19/09/2022 ( آخر تحديث: 19/09/2022 الساعة: 18:21 )
‏عندما تتحسس جيبك ولا تجد القرش لأولادك فكل النظريات تنهار أمامك!

ندين روز علي

‏في خضم المعارك السياسية التي يخوضها شعبنا على شتى الجبهات، ننسى أحياناً الحديث عن قضايانا اليومية، الاجتماعية ، الاقتصادية والعاطفية. ومع أهمية الحديث الدائم عن القضايا السياسية والمقاومة والأسرى والاحتلال، إلا أننا يجب أن نجد الزاوية التي نخلو فيها لأنفسنا ونتحدث فيها لأنفسنا أو لبعضنا عن قرب وهمس، دون مجاملات ودون تقييدات وخشية من الآخرين، عن حياتنا اليومية، الشخصية والعائلية والمجتمعية. أحياناً، إن فعلنا ذلك ، نجد أنفسنا بحاجة لمساعدة طبية نفسية أو دعم معنوي وروحي. ونخجل أحياناً من ذكر الحقيقة لخوفنا من انتقاد الآخرين. إن تحسست جيبك ولم تجد معك قرشاً واحداً فأنت تخجل أن تبوح بسرك، ولا تتكلم حتى إلى نفسك. إن خرجت في يومك تبحث عن عمل أو رزق وعدت خاوي اليدين، من الممكن أن تتظاهر أنك اشتغلت. وإن شعرت بالحزن أو اليأس أو الإحباط بسبب الظروف الصعبة، فمن الممكن أن تتظاهر بأنك أقوى من الظرف، وأنك تتحمل، كجزء من مساهمتك بالصمود والمقاومة. في النهاية فإن حساب جيبك ودخلك، وهو مسؤوليتك أمام عائلتك وأولادك والقريبون منك، هو الحساب الأساسي الذي يهمك. وكل من يقول شيئاً آخر فهو يكذب على نفسه وعلى الآخرين. هناك العديد من المسائل المجتمعية المرتبطة بهذا الأمر، والتي تقرر نفسية المواطن ونسبة سعادته لتعاسته، ونسبة يأسه أو إحباطه أو رضاه، وهي تؤثر في شرائح مجتمعية كثيرة، ومرتبطة، طبعا، بهذا الشكل أو بآخر، بالسياسة والمقاومة والاحتلال، وهي أمور تختلط علينا، لأنها مركبة ومعقدة ولا يوجد لها حل واحد واضح، بل إن حلولها تكون متناقضة ، فمصلحة هذه الشريحة تتناقض مع تلك، والسير بهذا الطريق قد تضر تلك الطريق وهكذا. لنأخذ مثلاً مسألة المشكلة التي نشأت بسبب تصاريح العمال داخل الخط الأخضر والتي يتم الاتجار بها من قبل مقاولي تصاريح جشعين من ناحية، ورغبة السلطة بإدارة هذه المسألة عن طريق البنوك لمنع الاتجار، وخوف العمال المشروع من أن ذلك سيسبب لهم دفع ضرائب وخصومات جديدة. المصالح هنا متناقضة، ووقوفك مع العامل يعني وقوفك مع مقاول التصاريح، أما وقوفك مع الحكومة فيعني تسبب الضرر للعامل وأحياناً قطع رزقه، فنحن نعلم أن الكثيرين من العمال لا يستطيعون الحصول على التصريح بطريقة شرعية أو قانونية، وهذه قطع للأرزاق. كذلك التناقض بين تنفيذ عمليات المقاومة وبين منع العمال الدخول للخط الأخضر للعمل لعدة أيام أو عدة أسابيع، بسببها، والتشديدات على المعابر وإغلاقها، والتشديد على والجدار مما يؤدي أيضاً إلى قطع الأرزاق. وهذا تناقض آخر. وتناقض مشابه يحدث عند إغلاق المعابر في جنين ونابلس بعد العمليات، مما يؤدي إلى كساد بضاعة التجار الذين يعتمدون على البيع لإخواننا من الداخل ( 80% من المبيعات )، وهذا تناقض آخر. المواطن الذي لا تتضرر جيبه يقول : لا بأس، فليتضرر التجار من أجل المقاومة. والمواطن المتضرر يقول: لماذا أنا الذي أدفع الثمن والباقي لا يتأثرون؟ إن الذي يتضرر ويشكو هم صغار التجار، أصحاب المحلات الصغيرة. وقد ينتقد البعض التجار لشكواهم بهذا الشأن، ولكن ضررهم حقيقي ويشعرون به بدخلهم وبالتزاماتهم تجاه العائلة، مثلهم ككل المواطنين. تناقضات اقتصادية واجتماعية بين شرائح المجتمع، ولا شك أن السبب الرئيسي لها جميعاً هو الاحتلال، ولكن ما العمل؟ ألا يمكن أن نبحث عن طرق ووسائل للتخفيف من هذه المصائب؟ طبعاً لا يمكن أن نضع كل الحلول والمسؤولية في رقبة السلطة والبلديات والمؤسسات، يجب التفكير أكثر على مستوى المواطن أيضاً، والتفكير بحلول خلاقة ومفيدة تعود بالفائدة على العامل وعلى التاجر، وليس ترديد مقولة "الرزق والاتكال على الله." نعم بدون شك أن الأرزاق بيد الله، ولكن "إعقل وتوكل." حينما يضع العامل أو التاجر أو المواطن العادي يده في جيبه ولا يجد قرشاً يؤنسه فإن كل نظريات الكون لا تنفعه. عندما تتحسس جيبك ولا تجد القرش لأولادك فكل النظريات تنهار أمامك وأمام دموعك وحتى أمام شهامتك وشموخك!