وكـالـة مـعـا الاخـبـارية

وقائع وتداعيات زمن تسارع المتغيرات السياسية وضرورة وضوح رؤيتنا

نشر بتاريخ: 26/03/2023 ( آخر تحديث: 26/03/2023 الساعة: 12:31 )
وقائع وتداعيات زمن تسارع المتغيرات السياسية وضرورة وضوح رؤيتنا

فجأة أصبحت اكذوبة "ضحية التاريخ الوحيدة" تسقط أمام العالم وبدأت دولة الأحتلال الاستعماري ترسخ هويتها وهي من تُحرج نفسها الان امام الغرب بقرارات الكنيست الأخيرة بشأن الانقلاب على النظام القضائي وتكريس ديكتاتورية المَلك الفاسد بتقويض "ديمقراطيتهم اليهودية "، ومن خلال ابراز خرائط إسرائيل الكبرى" القائمة على انتهاك سيادة اراضي دول مجاورة وعلى التطهير العرقي والتنكر لحقائق التاريخ والاَثار ووجود شعبنا وارتباطه بتاريخ الكنعانيين .

قوانين اتخذتها وشرعتها اغلبيتهم بالكنيست لإلغاء قرارات سابقة من فك الارتباط وقوانين تمهد لتنفيذ مشروع الحسم المبكر الفاشي وضم المناطق المحتلة بالأمر الواقع كما فعلت سابقا بحق القدس والجولان واجزاء من الاغوار وبتوسيع الاستيطان وما سيتبعها من قرارات لاحقة ، إضافة إلى قرارات لمزيدا من القهر بحق شعبنا وبحق الأسرى الذين نجحوا بوحدتهم من تحدي الجلاد قبل يومين .

هنالك هدف اخر يتحقق الآن من احراج دولة الأحتلال نفسها أمام الإدارة الأمريكية على اثر توسع هوة الخلاف والصراع القائم بدولة الاحتلال والذي قد يتخذ شكلا دمويا ، فقد اصبح النفور الأمريكي من حكومة الأحتلال قائم اليوم اساساً على ما يدور بداخل المجتمع اليهودي من صراع ومن ما يسمى بانتهاك "القيم الديمقراطية المشتركة " التي من المفترض أنها تشكل جزء من محددات العلاقة الأمريكية مع دولة الاحتلال الإسرائيلي "كواحة للديمقراطية الغربية" وفق ما شكل ذلك من مبرر خلال العقود الماضية . لكن هذا الأمر ينحصر بين اوساط محدودة وخاصة الشبابية منها داخل الحزب الديمقراطي وقوى يهودية معادية للصهيونية الدينية خاصة في ظل الجناح اليساري التقدمي داخل الحزب بقيادة عضو الكونغرس بيرني ساندرز ورفاقه الآخرين ، رغم وجود تيار واسع وعلى رأسهم العجوز بايدن الذين ينتمون للفكر الصهيوني وفق اقوالهم وهم هؤلاء الذين يسعون لإنقاذ دولة الأحتلال من مأزق الأزمة العميقة التي بدأت تلازمها ، بهدف حماية مصالح استراتيجيات السياسة الأمريكية الخارجية والتي ما زالت دولة الأحتلال تشكل أداة متقدمة لها بالمنطقة بل وعلى مستوى العالم من جهة، ولحماية "الفكر الليبرالي الصهيوني" من جهة اخرى .

هذا الى جانب البعد الديني من محددات العلاقة الذي يرتبط بمفاهيم المسيحية الصهيونية والفكر الانجيلي المستحدث الذي يسود عقلية افراد الحزب الجمهوري واوساط من المحافظين داخل الحزب الديمقراطي نفسه . وهو تيار قوي وواسع ما زال ملتزم تماما بحماية ودعم إسرائيل وحتى ما يتعلق بسياساتها بموضوع الاستيطان ومشروع إسرائيل الكبرى ، حيث الاغلبية منهم تعتقد بأن عدد من الرؤساء الأمريكيين هم هدية الله للعالم وإسرائيل ولا مانع لدى بعضهم من دعم اليمين الصهيوني الديني أيضا التي تؤمن بخزعبلات حرب هارماغادون .

وتأتي اليوم الإدارة الأمريكية التي صادف قبل يومين ذكرى مجازرها بيوغسلافيا السابقة عام ١٩٩٩حين اسقطت ٣٧٠٠٠ قنبلة وصاروخ على الأبرياء هنالك وشردت مليون منهم لتستحدث دولة جديدة وتضيف إلى جرائمها جريمة جديدة لم تتوقف حتى اليوم حول العالم .

الان تأتي هذه الإدارة الأمريكية التي فشلت بعد احتكارها عملية السلام المفترضة في تحقيق اي تقدم بهذا المسار ، لتحاول من جديد تبني ورعاية لقاءات تهدف وفق ادعائها بتحريك مسار سياسي جديد يجلب الأمن والانتعاش الاقتصادي والاستقرار بالمنطقة .

فلسطينياً ، قلنا سابقا وبملئ الفم السياسي أننا لن نقبل بعملية سياسية تحتكرها الولايات المتحدة دون رعاية دولية ، كما وحددنا نحن أسس هذا الطريق اعتمادا على الشرعية الدولية وقراراتها ومبادئ القانون الدولي كمرجعية لها .

ان ذلك قد حمل شكلاً من التحدي السياسي رغم انه كان في زمن غير هذا الزمن حين كانت الولايات المتحدة ما زالت هيمنتها تشكل أساس النظام الدولي احادي القطب وتتحكم إلى حد بعيد برؤية المجتمع الدولي معتبرة نفسها حكومة العالم وفق ما وصفها به الرئيس المكسيكي الذي شكل مع رؤساء القارة اللاتينية تحديا للهيمنة الأمريكية مؤخرا وتأكيدا لسقوط سياساتها هنالك .

أما الآن وقد تغيرت الظروف الدولية بل والاقليمية نحو بدايات نظام دولي متعدد الاقطاب وبروز تحالفات اقليمية جديدة ، مما أضعف احادية دور اللاعب الأمريكي ، فلماذا اذن يُتاح للأدارة الامريكية من جانب بعض قوى الأقليم لعودة احتكار رعايتها الان واعادة اخراج صفقة القرن المرفوضة بثوب جديد في زمن تتفاقم به الأزمة داخل المجتمع الأمريكي و الاسرائيلي بشكل غير مسبوق ، وفي زمن اصبحت تُعبر به بعض دول التطبيع عن خجلها من العلاقة القائمة مع حكومة الأحتلال هذه .

وبغض النظر عن الاعتراضات اللفظية الان والامتعاض من سياسات حكومة نتنياهو وحلفائه ، فان ركائز التحرك الامريكي حتى هذه اللحظة ما زالت تتمثل بفرض "الفيتو" على مشاريع قرارات ادانة اسرائيل ، ولا تأتي على ذكر أسس المطالب والحقوق الوطنية السياسية والتاريخية لشعبنا في انهاء الأحتلال الأستيطاني بكل أشكاله كسبيل وحيد للسلام ، ولا على وقف سياسات الابرتهايد كجريمة دولية بحق الإنسان ولا على ذكر القانون الدولي والقرارات الأممية ذات الصلة بما فيها حق اللاجئين ، كما لا تشير إلى وضع القدس سوى بما تعلق منها بالحفاظ على الوضع التاريخي القائم بخصوص مقدساتها . فالقدس على قدسيتها هي مكانة سياسية وتاريخية وهوية تراثية لنا أيضا لا يجب ان يقتصر النظر لها من البعد الديني فقط على اهميته لنا .

ان الهدف الأمريكي والاسرائيلي الذي يتمثل بدور مفاصل الدولة العميقة فيهما ، هو اطباق حصار سياسي على رؤية الأخ الرئيس "أبو مازن" ومنظمة التحرير التي قد أعلنت سابقا في مجلس الأمن الدولي قبل سنوات والمتعلقة بالمؤتمر الدولي للسلام ومرجعياته والنتائج التي يتوجب الوصول اليها من حق تقرير المصير والاستقلال الوطني كمعبر وحيد للأمن والاستقرار والسلام المنشود .

لا يمكن إخفاء نواياهم ايضا بمحاولة اضعاف دور منظمة التحرير كاداة كفاحية من أجل التحرر الوطني وكبيت جامع للكل الفلسطيني بما تشكله من ارث نضالي ، في وقت يفتحون قنوات الحوار والتفاوض من خلال وسطاء بهدف استدامة "الأمارة" في غزة اعتمادا على ما تم من تسهيل ظروف الانقلاب هنالك بمعاونة "الخوارج" لضرب المشروع الوطني وما رافقه انذاك من خريف أمريكي عصف بالمنطقة ومضمون الدولة الوطنية العربية بتعاون الإسلام السياسي المُهجن استعماريا وفق ما أكدته هيلاري كلينتون نفسها في مذكراتها .

ان ما يحصل رغم الصراع العمودي والافقي الداخلي في إسرائيل الاستعمارية ، هو استمرار لسياسات الأحتلال الاجرامية ونمو الفاشية التي لم تولد فجأة بين ثنايا مجتمعهم والتي لا ينفرد بها فقط الثلاثي نتنياهو ، بن غفير وسموتريتش . فقد انتجتها بيئة صهيونية منذ الأباء المؤسسين للفكر الصهيوني وسياسات قهر شعب اخر هو صاحب الأرض وتسهيل أمر نموها من خلال قوى الاستعمار ، دون أن يكون أحدا من مجتمعهم بريئ من ذلك سوى المعادين منهم للفكر الصهيوني .

ان الظروف الناشئة الآن داخل دولة الأحتلال الاستعماري اصبحت تعكس شرخا عميقا بين اطراف الخلاف بالمجتمع اليهودي ووصولها ربما الى نقطة اللاعودة ، حتى وصل الأمر بمعهد الأمن القومي أن يطلق تحذير استراتيجي قبل أيام يتعلق بمكانة إسرائيل الداخلية والدولية الآن التي تتغير وتهتز .

فالادارة الأمريكية ليست بعيدة عما يجري وهي في قلب الحدث كما كان دورها دائما ترغب بدعم الليبرالية الصهيونية بعد اتساع الفجوة بين "المَلك" نتنياهو والعجوز بايدن من جهة وتمرد إعداد من الجاليات اليهودية على حكومة الأحتلال القائمة ، كما يتمرد جيشهم الآن من جهة اخرى ، الأمر الذي يؤثر على مصالحهم.

ان هذا الدور يأتي اليوم بالوقت الذي تتسم فيه السياسة الأمريكية بالمنطقة بنوع من الهزائم وانحسار حجم تأثيرها خاصة أمام التمدد الصيني بالمنطقة الذي ابتدء مع القمة العربية الصينية ولاحقا من خلال الوساطة بالمصالحة السعودية الإيرانية ، وما تبع ذلك على المستوى الدولي من نتائج القمة الصينية الروسية ، ونمو الدور الروسي في اسيا وإفريقيا بعد إعفاء الأفارقة من ديونهم المترتبة على الروس يوم أمس وبروز التكتلات الاقتصادية الجديدة بالعالم .

إضافة الى تداعيات حرب الولايات المتحدة بالوكالة باوكرانيا واسقاطاتها على المجتمعات الاوروبية فيما نشاهده من مظاهرات مليونية لشعوبها هذه الأيام ضد حكوماتهم المرتبطة بالسياسات الأمريكية والليبرالية المتوحشة الاقتصادية والاجتماعية ، كما وبداية اعاقة بعض الدول منهم لتوافقات بالاتحاد الأوروبي تعيق العقوبات على الروس .

يحدث هذا ايضا في وقت تبرز فيه تحالفات جديدة حتى على مستوى المنطقة تغير من الواقع الجيوسياسي القائم ، وهي متغيرات تُلزمنا بادراكها والإستفادة من ما تؤشر له لنوسع الهوة التي بدأت تترسخ بالنفور من سياسات دولة الأحتلال ولنزيد من عزلتها ، فالعالم يتغير ولن يقف بحالة السكون.

كما أن ما يحدث من جانب معارضة استمرار تقديم المساعدات والدعم العسكري والمالي لدولة الاحتلال الإسرائيلي ان كان بالولايات المتحدة او ببعض الدول الاوروبية بما فيها اعداد كبيرة من اصوات المنظمات اليهودية سيكون ذو تاثير على السياسات الرسمية للدول التي لا تستطيع تحدي الرأي العام إلى ما لا نهاية .

وفي دولة الأحتلال الإسرائيلي المظاهرات اليومية تقود الى اختلال التوازن بمنابت الفكر الصهيوني والى تعميق أزمة النظام الفاشي القائم على الأحتلال والأستيطان والابرتهايد وتزيد من النفور الدولي ضد إسرائيل ، وهنالك بعض الاصوات بإسرائيل التي اصبحت تربط ما بين العنصرية ضد شعبنا واستمرار الأحتلال والديمقراطية لديهم لتتجاوز بذلك مفهوم "الديمقراطية اليهودية" فقط ، وتدرك ان شعبا يضطهد شعبا آخر لا يمكن ان يكون هو نفسه حرا .

لذلك فان علينا أن نوسع قاعدة تحالفاتنا وعملنا المشترك مع قوى هذه الشعوب واحزابها التقدمية لوضع مزيدا من الإحراج على حكوماتهم والعمل مع أبناء شعبنا بالداخل والقوى الحية اليهودية المعادية للصهيونية والمكافحة من أجل الحقوق القومية والمساواة وضد كل أشكال القهر والتمييز العنصري والفوقية اليهودية ، ومن أجل حق تقرير المصير لشعبنا الفلسطيني واستقلاله الوطني ، فقوى ومكونات الأحتلال الأستعماري لن تجلب لنا الا مزيدا منه .

واقول هنا ، أن استقرار بعض انظمة الحكم بالاقليم لن يتأتى على حساب حقوق شعبنا التاريخية السياسية وان الولايات المتحدة لن تعمل على حماية أحد من المتعاونين معها مع اندثار قوتها . الجهود العربية يجب أن تتركز الآن على عزل دولة الأحتلال حتى إيجاد اليات لمفاوضات جادة سياسية برعاية دولية تنهي الأحتلال والتمييز العنصري والقهر اولاً حتى يتبع الحديث بالتفاصيل الأمنية والاقتصادية لاحقا . هذا هو الطريق للأمن والأستقرار ، هذا هو الطريق للاستفادة من زمن تسارع المتغيرات وما تشكله من لحظة مناسبة للنظر إلى الوقائع السياسة من خلال دينامكية حركتها ومتغيراتها ، التي تفرض علينا نحن أيضا مراجعة نقدية لمسار كفاحنا في ظل هذه المتغيرات العميقة الجارية والوقوف بجرأة أمام انجازاتنا واخفاقتنا لنحدد مسار رؤية وبرنامج وأداء مناسب ينقلنا إلى مواجهة التحديات والتغلب عليها وفق المصلحة الوطنية العليا لشعبنا .