وكـالـة مـعـا الاخـبـارية

لماذا لا يندمون ؟ ولماذا نندم ؟

نشر بتاريخ: 07/06/2011 ( آخر تحديث: 10/06/2011 الساعة: 13:38 )
الكاتب: رئيس التحرير / د. ناصر اللحام
كتب رئيس التحرير - لا أستطيع ان انسى اللقاء الذي بثّ مع الطيار الامريكي بول تيبتس، وهو الذي قاد حاملة القنابل «بي29» «B29» التي اطلق عليها اسم"اينولا غاي" وألقت بالقنبلة الذرية على هيروشيما، فقد أصرّ حتى يوم مماته على أنه غير نادم أبداً بسبب المهمة التي نفذها وأنه ينام الليل من دون أرق رغم انه قتل 100 الف انسان في ذلك القصف !!!

لماذا لا يندمون؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ولماذا نندم ؟ لماذا نندم على كل شئ ، نندم على انتمائنا لحزب دون غيره ، ونندم على مشاركتنا في تظاهرة ونندم على اختياراتنا ونندم على قناعاتنا ونندم على حروبنا وعلى سلامنا ... ندمنا اننا لم نقبل بتقسيم 48 وندمنا على حرب 67 وندمنا على اتفاقية السلام في اوسلو مثلما ندمنا على اتفاقية كامب ديفيد ... نندم كثيرا حتى حين ننتصر فقد ندمنا على هزيمتنا للاحتلال في جنوب لبنان وعلى انتصارنا على شارون في غزة وندمنا على اتفاق مكة وعلى انتخاب حماس وفتح وابو مازن وابو ليلى ومصطفى البرغوثي !
نندم على اختيار التخصّص وعلى انجاب الاطفال ونندم على لون المقاعد وعلى شراء الفساتين ونندم على اختيار مكان القبر ، نندم على مشاركتنا في حفل رأس السنة ونندم اذا لم نشارك في احتفالات رأس السنة . نندم ونتشكك في كل شئ ، فنرخى سمعنا لكل مغرض ولكل محرّض ، فنتراجع عن قراراتنا ونرتبك ونفكر كثيرا وننتج قليلا .. ومنذ نعومة أظفارنا لا نعرف ماذا نريد ؟ وكيف نرضي اولياء امرنا ؟ فنندم اذا تعرضنا للضرب ونندم ازا نجحنا ونندم اذا فشلنا ، نندم امام الاستاذ واما شيخ المسجد وامام بائعة الهوى ، نندم لان الندم جزء من ثقافتنا ، أولم نندم اننا ايدنا صدّام حسين ؟ ثم وفورا ندمنا اننا لم نقف مع الكويت ؟ ثم ندمنا اننا ندمنا . ثم هرمنا. وندمنا اننا ندمنا على ما لم نندم عليه !!!

لماذا ؟ لان الندم مكوّن من مكوّناتنا الثقافية وهو مدرك من مداركنا الدفاعية ، ونسق من انساقنا الاجتماعية ، بل ان ولي الامر غير متأكد من اجابته امام اطفاله ولا امام زوجته ، والزوجة غير متأكدة من قرارها ومثلها معلم المدرسة ، بل انني اذكر ان كثير من معلمي المدرسة كانوا يطلبون منا ونحن صغار ( الان اكتشف انهم هم الصغار من الناحية التربوية والثقافية ) كانوا يطلبون منا ان نضرب انفسنا ونصفع وجوهنا !!!!

والندم هو الشعور بالذنب ، ويختلف عن الخجل ان الخجل هو غضب موجّه نحو الذات ، اما الندم فهو موجّه على نحو شمولي مقارن مع ما يريده المجتمع وما فعلته انت . وهنا يبدأ الفرق بين الانا وبين المجتمع ، واذا كنا جميعا نادمون اذن فان المجتمع يختلف عنا ، واذا كان المجتمع يختلف عنا فانه ليس المجتمع الذي نريده ، واذا كان المجتمع يختلف عني وعنك وعنه وعنها وعنهم وعنهن فاما ان نتغير نحن او نقوم بتغيير المجتمع ، اما ان نبقى نادمين فهذا هلاك روحي ونزيف دماغي مجتمعي خطير .وهكذا فان مفهومنا للقيم فيه خلل ولو سألنا عامة الناس : ما هو الشرف؟ ما هي الكرامة ؟ ما هو الوطن وما هو الوفاء ؟ حيث ان الشرف او الوفاء هو عبارة عن تركيبة ذهنية مكتسبة . لذلك فان شرف الكندي في وطنه يختلف عن شرف الاسكيمو عن شرف السعودي عن شرف اللبناني عن شرف البوذي عن كرامة المسيحي عن شرف اليهودي او الكوري عن شرف السوري .... .

نندم لاننا غير متأكدون من ذواتنا ، ولا نعرف ماذا يريد المجتمع منا ، ولن نعرف طالما ان ثقافة القناع هي سيدة الموقف ، والادعاء هو مفتاح النجاح في الوطن العربي الذي يكرّم البهلوانيين ويقهر العلماء والمثقفين ، معلم المدرسة يعاقب الطفل الجرئ ويربّت على كتفي الطفل المنافق !! نندم اذا حاربنا ونندم اذا انتصرنا ونندم اذا عانقنا ونندم اذا فارقنا ... نندم اذا مات واحد من اعدائنا ولا يندمون اذا مات مئة الف من اعدائهم . نندم اذا صافحناهم ووقّعنا السلام ولا يندمون اذا قاموا بتقبيل خدودنا !!!! هم مطمئنون ونحن قلقون . تشاهد اية فضائية عربية فتشعر بالقلق ، هو الخوف من الواقع والقلق من المستقبل ، تشاهد فضائياتهم الغربية فتشعر بالطمأنينة واليقين والاصرار في عيونهم .

وفي المجتمع العربي لا يوجد فرد ، لا يوجد انسان حر ، بل يوجد عضو في جماعة ، لذلك فان نظرة الانسان العربي الى نفسه قلقة ، روجه قلقة ونادمة على ما فعلت وعلى ما تفعل ، والفرق بين بول تيبتس واي قائد عربي ، ان الطيار الامريكي كان يعرف ماذا يريد هو ؟ وماذا يريد المجتمع الامريكي ونفّذ قناعاته ، اما قياداتنا فهي لا تعرف ماذا تريد هي ولا ماذا يريد الناس ، والدليل ما يحدث في اليمن وليبيا وسوريا وكل الدول العربية واولها غزة والضفة .

مخترع القنبلة الذرية اليهودي اينيشتاين رفض تولي منصب رئيس الدولة العبرية ، وابراهام بورغ استقال من رئاسة الكنيست لينضم الى زوجته الفرنسية في باريس ، والبروفيسور شلومو بن عامي وزير خارجية اسرائيل ترك تل ابيب وذهب للعيش في لندن ورؤساء دول واحزاب تركوا المناصب وذهبوا للعيش مع عشيقاتهم ، وعلى الاقل كانوا يعرفون ان رغباتهم الشخصية تتعارض مع رغبة مجتمعهم فتركوا العمل العام .. اما اذا تعارضت مصلحة العربي الشخصية مع مصلحة وطنه فانه يقوم بتغيير الوطن من اجل مصلحته ، بل ان اصغر مدير في فلسطين مستعد لقلب الوزارة او المؤسسة رأسا على عقب اذا تضاربت مصلحتها مع مصلحته . وبعدها يندم .
إذاً القلق هو الحاضر الغائب في معادلتنا ، والقلق بمستواه العادي حالة طبيعية ، لكن زيادة منسوبه تؤدي إلى تشويه الانطباع وتتحول إلى الخوف من الاندثار ، تماماً مثلما قامت الثورة الفلسطينية على الخوف من اللجوء، ولكنها سرعان ما تحولت إلى " الاستبداد "وهذا ما يفسر نشوء فكرة ما بعد الصهيونية في أوساط اليهود ونشوء فكرة اللاعنف والسلام ،في قلب قادة الثورة الفلسطينية .

وكما دعا فرويد : أن الإنسان يكون مستعداً أحيانا أن يتنازل عن حريته من أجل التخلص من القلق . فالشعور بالخوف يعني أن يعيش الفرد في حالة تحسب لوقوع شيء معروف ومحدد ويستطيع ان يتصور نتائجه في مخيلته ، كان يخاف الإنسان من الأماكن المرتفعة، أو من لدغ الأفاعي، وهي حالات اخف من القلق؛لان القلق هو الشعور بالخشية من شيء مجهول ،لا يعرف الفرد ماهيته، ولا حجم اضراره، ولا مساحة تدميره ، اما العربي فهو يخاف من الفشل لذلك يفشل مجتمعيا ويفشل على صعيد الفرد .

فتواصل حالة القلق تدفع "بالمريض" لارتكاب الجرائم، أو وضع حدا لحياته، وكما يفسر فرويد في كتاب (التحريم والعذرية : ان من عادة الرجل ان يسقط كراهيته الداخلية العميقة على العالم الخارجي؛ أي ان ينسبها إلى أي شيء يكرهه،ولو أي شيء لم يألفه ، لذلك تراه ينظر إلى المرأة على انها مصدر للخطر وأول علاقة جنسية بينه وبين أول امرأة تظل في ذاكرته محفوفة بالخطر ) .
حتى أصبح الانسان يخشى من السعادة، او الرضا، او اللذة. وهذه علامة مرضية جرى بناؤها على تناقض المصالح .وهكذا يتحول الإنسان المريض ( والمجتمع المريض ) إلى التعبير عن اكتئابه بفقدان الأمل والتوقعات السلبية عن المستقبل . وهذا فعل خطير؛لأنه قد يشكل عاملاً أساسيا في الانتحار والانتخار ليس مجرد ان تقتل نفسك ، فان تتخذ قرارات ارتجالية او ان تشرب الكحول او تدخن هو نوع من انواع الانتحار ، وربما اخطر من الاكتئاب نفسه ‘hopless nessand depression’ ومن الخطر القول الان ان الاكتئاب يسبب الانتحار، لكن الدراسات السيكولوجية تقول: ان الرغبة في الانتحار راودت 74% من المكتئبين مقارنة مع 12% من غير المكتئبين .
والانتحار هنا لا يقصد به انتحار الفرد نفسه ، وإنما انتحار تمثيلي؛ مثل عزوف المجتمع عن السلام، أو تأييد اغتيال أو تأييد حكومتهم في خوض حروب متتالية .او الندم على اتفاق حماس وفتح !!

ماذا نريد ومن دون ندم ؟ هل نريد حربا وهل نحن مستعدون لها وننتصر بها ؟ هل نريد سلاما معلنا وصارخا ومدويا ؟ وهل نحن مقتنعون بما نريد ؟ والاهم من كل هذا ان يكون القادة والمسؤولين وايضا الرئيس ليسوا نادمين على شئ .