وكـالـة مـعـا الاخـبـارية

الدخول إلى مكاتب الداخلية بشرقي القدس.. معاناة وإذلال من 5 مراحل!!

نشر بتاريخ: 15/06/2011 ( آخر تحديث: 15/06/2011 الساعة: 15:41 )
القدس- معا- أي مقدسي يعيش في القدس ويحمل هويتها الزرقاء لا بُد أنه اضطر للقيام بزيارة لإتمام معاملات في مكتب وزارة الداخليّة الاسرائيلية... وما أن يذكر ذلك المكان حتى تبدأ قصص المعاناة والألم، "طابورٌ طويل من المواطنين..."، "تفتيش لأدق الحاجيّات..."، "استكبار واستعلاء من قبل الحراس والموظفين..."، وغيرها من القِصص التي لا تنتهي عند فصل معين من فصول السنة، لا بل أنها تزداد في فصل الصيف.

يستقبل مكتب داخلية شرقي القدس مئات المواطنين يومياً..معظمهم يمر بنفس الإجراءات..لكن قِلّة منهم يتوجه بشكوى مباشرة إلى الداخليّة الاسرائيلية بسبب سوء المعاملة والطلبات المعقدة، لذلك وبعد توجّه عدد من المقدسيين إلى مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان، قام المركز بتوجيه مسائلة قانونيّة إلى وزارة الداخليّة الاسرائيلية حول ما يعانيه المواطنون المقدسيون قبل وأثناء وداخل المكاتب، منذ لحظة الوقوف في دور طويل مروراً بإجراءات التفتيش ووصولاً إلى الموظف المعني، إضافة إلى متطلبات أخرى يفتقر إليها مكتب الداخلية.

انطلاقاً من تلك الشكاوي التي تقدم بها المواطنون..فقد قام المركز بعرض عدد من القضايا خلال مساءلته..

انتهاك قيم المساواة واحترام الإنسان..

ركزت المساءلة القانونيّة، والتي قام بتحضيرها محامي المركز الأستاذ مُعين عودة، على موضوع الإجراءات المُتبعة في مكتب السكان في القدس الشرقية، والخدمات والشروط المادية التي تناقض قواعد الإجراءات المنطقية والإدارة السليمة، وتُخالف قواعد العدالة الطبيعية من خلال انتهاك قيم المساواة واحترام الإنسان بشكل خطير كما تخالف القانون الأساسي: احترام الإنسان وحريته.|133240|وخلافا للمواطنين الإسرائيليين (حاملي الجنسية)، فإن المقدسيين لا يستطيعون أن يتلقوا الخدمات إلا في المكتب بالقدس الشرقية، وفي كثير من الأحيان يُلزَمون بالحضور شخصياً، وشكاوي المقدسيين ضد مكتب السكان في القدس تزيد عن باقي المناطق في داخل إسرائيل، بصفتهم مُقيمين دائمين، مقارنةً بالمواطنين الإسرائيليين، فالمُقيم يوجب عليه أن يتوجه بأوقات متقاربة لغرض تنظيم أمر بطاقة العبور.

وأضافت المسائلة أن مكتب الداخليّة الاسرائيلية ارتبط في عدة حالات بالإذلال والمهانة من قبل الحُرّاس والمسئولين، كنتيجة لعدم الكفاءة ولسياسات تعجيزية، حيث يضطر المقدسي للحضور للمكتب ولنفس المعاملة عدة مرات والانتظار في دور يصل إلى خارج المكتب منذ ساعات الفجر الأولى لضمان دخوله إلى المكتب، كما أن دخوله لا يعنى ضمان الخدمة المطلوبة، فيضطر للعودة ثانية والانتظار في دور طويل مرة أخرى واقفاً، دون وجود مظلات في الخارج تحمي من لهيب الشمس صيفاً، أو البرد والأمطار شتاءً.

قُصور في العديد من الخدمات..

أما فيما يتعلق بذوي الاحتياجات الخاصة، فقد أوضحت المراسلة أن مبنى الداخليّة الاسرائيلية يفتقر لوجود مدخل مُناسب لهم، رغم صدور قانون تعديل في شهر مارس عام 2009 ينص على وجوب ملائمة البنايات ذات الخدمات العامة للأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة.

وأضافت المراسلة أن مبنى الداخليّة الاسرائيلية يفتقر لوجود صندوق خاص لاستلام المستندات المطلوبة من المراجعين، وهي طريقة مختصرة للأوراق والمستندات للوصول إلى يد الموظف، حيث يضطر المراجع للوقوف في الدور حتى يسلمها.

وأوضح الأستاذ عودة محامي المركز، أن مكتب الداخليّة الاسرائيلية قام بالإعلان عن أرقام هواتف لإمكانية تحديد دور لتقديم طلبات لم الشمل عن طريقها، إلا أن المواطنين يضطروا إلى قضاء دقائق طويلة جداً على سماعة الهاتف حتى انقطاع الخط، كما أن المركز جرب من ناحيته تلك الخطوط ولم يتمكن من التحدث مع أي شخص.

وأضاف أن صعوبة الوصول إلى الخدمة المطلوبة عن طريق الهاتف يضطر المواطن المقدسي إلى الحضور شخصياً لتلقي الخدمة والمرور بكل الاجراءات الصعبة والطويلة.

ظُروف انتظار سيئة..

مُعاملات بسيطة لا تحتاج سوى لدقائق قليلة داخل مبنى الداخليّة الاسرائيلية تضطر المواطن للانتظار لساعات خارج المبنى وانجازها في وقت أكبر من المطلوب لها، حيث عرض المركز حادثتين حصلتا مع مواطنين اثنين، الأولى هي لمواطن مقدسي أراد أن يسأل عن المستندات المطلوبة لمعاملته، والثانية لمواطن أراد الحصول على غلاف هوية جديد بدلاً من القديم الممزق.

فكلاهما اضطر للاصطفاف بدور طويل والانتظار لساعات طويلة ليدخل ويمر عبر التفتيش الأمني المذل للحصول على طلبه، وهما مثال للمئات من الحالات التي تصل في الآونة الأخيرة للمركز.

وقد أوفد المركز مندوباً من طرفه للتحقق من ظروف الانتظار حيث أوضح أنه اضطر للوقوف بخمسة مراحل وطوابير مختلفة، وهي الدور الموجود في المدخل " الدوّارات"، الدور بين الدوارات وبين مكان التفتيش الأمني، الدور قبل الدخول لمكتب إدارة السكان، الدور بشباك الاستعلامات لأخذ رقم، والدور في قاعة الانتظار إلى أن يصل للموظف، حيث احتاج ذلك لحوالي أربع ساعات، منذ وقوفه في الدور الأول حتى وصل للموظف.

وأشار المندوب إلى ظاهرة انشغال الموظفين بأمورهم الشخصية وعلاقاتهم بأصدقائهم، حيث أنه انتظر أكثر من 23 دقيقة ليتغير الرقم الذي يسبق رقمه والظاهر على الشاشة، وفي اللحظة التي وصل فيها إلى الموظفة، قامت هذه الموظفة بإجراء مكالمة خاصة مع زميلة لها لمدة 8 دقائق حول الحضانة التي ترغب بأن تسجل ابنها فيها، كما صرخت في وجهه وذهبت لتتحدث بمواضيع شخصية مع زميلة أخرى، في إشارة واضحة أن أمورها الشخصية كانت فوق كل اعتبار.

وأشار عودة في المسائلة إلى انعدام وسائل الحماية من الحر والبرد والمطر خاصة وأن الصف الطويل والمكتظ من المواطنين يمتد إلى خارج مكان التفتيش ليصل إلى الشارع، مع عدم وجود أي كراسي أو حمامات لقضاء الحاجة.

وتطرقت الرسالة إلى وضع ذوي الظروف الخاصة مثل النساء الحوامل، وذوي الاحتياجات الخاصة، والمسنين والمرضى، حيث لا تتوفر لهم أي ميزات خاصة أو اعتبارات لوضعهم، ويطالبون بالوقوف في الدور الطويل والمكتظ كما الباقين.

تعامل الحراس مع المواطنين..

أما الناحية الأكثر حساسية في عملية الدخول إلى مكاتب الداخليّة الاسرائيلية فهي المعاملة السيئة والعنيفة التي يُعامل بها المواطنون مِن قِبل الحُرّاس، حيث يتعرضون للإهانة والإذلال والصراخ والشتم من قبلهم، كما يرفض الحراس التعاون مع النساء الحوامل أو المسنين، ويتجاهلون المواطنين الذين يريدون الاستفسار عن أمر ما.

وأضافت المراسلة أن التفتيش الأمني في هذا المكتب لا مثيل له، وهو يظهر مدى الإذلال الجماعي والعنصرية والتمييز ضد سكان القدس الشرقية، مشيرة إلى أن المادة 1 من القانون تنص على المحافظة على احترام الإنسان وخصوصيته وحقوقه.

وأوضح المركز في المراسلة أن المعلومات التي وصلت إليه تفيد بأن التفتيش الأمني الصارم عند مدخل الداخليّة الاسرائيلية خطير ومُهين بطريقة ليس لها مثيل، مشيرة أن حراس الأمن يلزمون جميع المراجعين بمن فيهم المسنين ونساء والأطفال، إضافة للمحامين، بخلع أحذيتهم وأحزمتهم وكل ما يلبس في يديهم من ساعات وخواتم وأساور، والمرور بجهاز الأشعة السينية رغم مخاطرها على الحوامل والمرضى الذين يوجد أجهزة طبيّة في أجسامهم، إضافة إلى تفتيش الحقائب والأغراض الشخصية مثل المري وأدوات المكياج وأمشاط الشعر بشكل صارم، حتى أنهم يمنعون دخول زجاجات المياه والعصير، كل ذلك من دون أن يتم وضع لافتة تفصل الأشياء التي يمنع إدخالها لداخل المبنى.

وأشارت الرسالة إلى أن مندوب المركز اضطر للوقوف حوالي ثلاث ساعات حتى وصل إلى التفتيش الأمني.

وحول ما يتعرض له الواقف في الدور أوضحت الرسالة أن الحرّاس يطلبون من المراجعين الاصطفاف بصفين مستقيمين، وأي حركة بسيطة من شأنها أن تدفعهم للصراخ والتهديد بعدم السماح بدخولهم، إضافة إلى أن الحراس قاموا في أكثر من مرة بتعطيل الدور ورفضوا إدخال المراجعين للتفتيش الأمني طالما لم يصطفوا بالدور كما لو أنهم جنود نظاميون.

مطالب المواطنين وملاحظات المركز..

أما ملخص المطالب التي توجه بها المواطنون عبر مركز القدس فتتركز حول العمل السريع على حل مشكلة الدور وإيجاد الحلول المناسبة لإقامة أماكن جلوس، وتغيير الطريقة التي يعامل بها المراجعون من قبل الحراس، إضافة إلى تحسين متطلبات راحة المراجعين.

وطالب المركز في رسالته بفتح مسلك خاص لذوي الاحتياجات الخاصة، وإنشاء مكتب استعلامات للإيضاح حول ساعات وأيام استقبال الجمهور، والطريقة التي يمكن من خلالها الاتصال مع مكتب الداخليّة الاسرائيلية حول المستندات التي يجب إحضارها، إضافة إلى وضع لوحة إعلانات خارجية تلائم التغييرات في ساعات وأيام استقبال الجمهور، وتفعيل خطوط الهاتف للرد على استفسارات المواطنين.

كما طالب بإنشاء صندوق خدمات خارجي لإيداع المستندات المطلوبة.

أما فيما يتعلق بممارسات حراس الأمن، طالب المركز بأن يمارس الحراس صلاحياتهم بطريقة تكفل التساوي للجميع كما هو الحال في كل مكاتب الداخليّة الاسرائيلية في البلاد دون تمييز على أساس الأصل أو الانتماء، إضافة إلى تفتيش النساء الحوامل من قبل موظفات امن وليس من خلال جهاز الكشف بالأشعة السينية، والعمل على إيجاد علاقة طبيعية تجاه المراجعين.

أما عن الخدمات التي تقدم داخل مبنى الداخليّة الاسرائيلية فقد طالب المركز بالعمل على زيادة القوة العاملة لدى مكتب الداخلية، تحسين الخدمات المقدمة بشكل كامل، إضافة إلى زيادة عدد ساعات العمل.

وقد أشار محامي المركز الأستاذ عودة، أن هذه المراسلة مهمة جداً، فهي الخطوة الأولى التي واجب اتخاذها من حيث الإجراءات القانونيّة، والتي تعتبر حجر الزاوية في تحضير التماس إلى المحاكم الإسرائيلية، خاصة في حال عدم ورود جواب من الداخلية، أو عدم تحسّن الأوضاع أو تغيير الأمور لديهم.

شهادات المواطنين..

وقد أجرى موفد مركز القدس عدة لقاءات لرصد وتوثيق معاناة عدد من المواطنين، حيث قالت المواطنة أم أحمد أنها حضرت برفقة رضيعها إلى مقر الداخليّة الاسرائيلية منذ الثامنة صباحا، لكنها تفاجأت بالدور الذي سبقها، ولشدة بكاء طفلها قامت إحدى السيدات بإعطائها دورها في الصف الأمامي وتضيف :"حاولت المرور سريعاً بعد أن استمر طفلي بالبكاء، لكن الحارس رفض ذلك وأصر أن أبقى في الدور، فقامت إمرأة أخرى بإعطائي دورها في المقدمة إلا أن الحراس أَجّل دُخولي إلى القاعة الداخلية لنصف ساعة وعطّل تمرير النساء".

وتؤكد أم أحمد أن المعاناة لا تنتهي بالدخول الى المكاتب، فالوصول الى أحد الشبابيك بحاجة لساعات أخرى، وذلك بسبب المُماطلة من قبل الموظفين وعدم الاكتراث بالمراجعين، فمن بين 8 شبابيك في الداخل للأسف لا تعمل سوى ثلاثة منها.!!

أما الحاجة فاطمة ناصر الدين التي جلست على قارعة الطريق بجانب شجرة صغيرة للإحتماء من أشعة الشمس...تقول :"أنا موجودة منذ ساعة والدور أمامي طويل .. ولا أستطيع الوقوف في الطابور أكثر... وسأعود مع عائلتي لتجديد هويتي في يوم أخر".

أما المواطنة ياسمين اسكافي التي تأتي كل يوم أحد إلى مقر الداخليّة الاسرائيلية للتوقيع في مكتب العمل تقول :"أحياناً آتي في الساعة الخامسة فجرا لحجز دور في الطابور، خاصة وأن مكتب العمل لا يستقبل المراجعين بعد الساعة الحادية عشر والنصف وبشكل اسبوعي فقط.. مشيرة انه في أحيان كثيرة تكون الاجراءات طويلة ومقعدة داخل المكاتب لكثرة المراجعين وقلة الموظفين".

وتأمل اسكافي أن يتم نقل مكاتب العمل الى مقر أخرى للتسهيل على مراجعي المكتب من جهة ولمراجعي الوزارة من جهة أخرى.

أما المواطن جمال سلايمة فقد حَضَر إلى مكاتب الوزارة الساعة السابعة والنصف فكان صاحب الحظ الأوفر بأن يدخل في البداية، وقد انهى كل معاملاته الساعة 12 ظهرا لعمل هوية جديدة بعد فقدانه بطاقاته.. ويقول :"الوضع في الداخلية سيء للغاية، ومثل ما كانت عليه الداخلية القديمة..دور وتأخر في الداخل وقلة موظفين"، ويضيف :"الموظف يُنجز طالبات وثائق السفر (اللاسيه باسيه) في حين يماطل في معظم المعاملات الاخرى".