وكـالـة مـعـا الاخـبـارية

نشر وتعزيز ثقافة حقوق الإنسان من أجل السلم الأهلي

نشر بتاريخ: 01/03/2015 ( آخر تحديث: 01/03/2015 الساعة: 08:58 )
نشر وتعزيز ثقافة حقوق الإنسان من أجل السلم الأهلي
الكاتب: ريتا عيد
يعد إحساس الإنسان بالاستقرار والأمان هو الشرط الرئيسي لبناء الحضارة وإرساء قواعد التقدم الإنساني فالأصل في الحياة هو احترام الانسان والتعايش المشترك والتسامح ، أما التنازع في أي واقع إنساني ، يؤدي إلى اختلال وزعزعة أسس الأمن والاطمئنان ، ويعصف بأسس الاستقرار الاجتماعي الذي يعد السبب الأول لازدهار المجتمعات الانسانية ، وعليه فإن المختلفين اختلاف التعادي والافتراق يرتكبون جريمة في حق السلام والوفاق والتعاون ، لذلك فكر الإنسان جدياً وتوصل إلى قناعة تقضي بضرورة التوصل إلى نواظم تحكم سلوكه وتهذبه ، ويكون لها الأثر الكامل في التخلص من المعاناة ، جراء نمط العيش القديم الذي كان مبنياً على استخدام العنف ، ليوفر من خلالها الحياة الكريمة التي يصون فيها كل ما يتعلق بشخصه ، ويعترف له فيها بمزاولة حقوقه الإنسانية التي لا يمكن للإنسان العيش سوياً بدونها .

وجد الإنسان بأن القانون وسيادته هو وحده القادر على تحقيق الهدوء والسلم الأهلي والمجتمعي في كل المجتمعات التي تتوق للأفضل ، فسيادة القانون هي ما تؤمن حماية حقوق الإنسان وحرياته ، فتحمي المواطن من كل إجراء قهري قد تتخذه السلطات بحقهم ، فالإنسان قد ولد بالفطرة مدافعاً عن حقوقه وافكاره ومعتقداته ، وانحراف هذه الفطرة بسبب قهر السلطة واستبداد أفكارها لا يهدد الأمن للأفراد المقهورين فحسب ، بل هو تهديد واضح للسلم الأهلي لأنه يخرق ضرورة التداول السلمي للسلطات والأفكار الذي لا بد منه وفقاً للفطرة البشرية .

إن مفهوم السلم الأهلي يتضمن إقرار الجميع بالحفاظ على سلام دائم يرفض كل أشكال الاقتتال أو يدعو إليه أو يبرره ، أو نشر ثقافة تعتبر التصادم والتقاتل حتمياً ، بسبب حالة التباين والاختلاف ، وتحويل مفهوم الحق بالاختلاف إلى أيدولوجية الخلاف ، كما يقتضي السلم المجتمعي رفض و حظر اي خطابات اعلاميه محرضه علي العنف او تشجعه او تسعى إلي تحويل الاختلاف الفكري او العقائدي الى صدام دموي ، لذلك لا بد من محاربة خطابات الاعلام و ممارسته المحرضة علي العنف او الاقتتال الاهلي و رفض الاخر و اقصائه بما قد يهدد تماسك المجتمع و يؤثر بشكل مباشر في استقرار أمنه .

لا بد من العمل الجاد على منع وقوع الحرب الأهلي في المجتمع ، وباعتقادي أن نبذ العنف والفلتان والفوضى بكل أشكالها بحاجة إلى رغبة صادقة من جميع أطراق المجتمع ، لأجل الوصول إلى مجموعة من المبادئ التي تسمح لجميع الفئات في المجتمع من التعايش الاجتماعي في ظل وجود اختلاف في وجهات النظر والتباين في الأفكار والمواقف ،فالنمط الاجتماعي المغلق والذي لا يمد جسور التعارف والانفتاح ، يخلق في المجتمع الكثير من عوامل الخطر والتقسيم الاجتماعي ، فهذا الواقع يخلق عقلية صراع وعداء ، فالسلم الأهلي لا يتحقق في مثل هذه العقلية ، بل يتحقق من خلال قاعدة عقلية تجمع ولا تفرق ، وتبحث عن القواسم المشتركة قبل أن تبحث في نقاط التمايز والاختلاف ، فالتعارف والانفتاح ، لا يشترط إلغاء الخصوصيات الاجتماعية كشرط لتحقيق السلم المجتمعي ، وإنما يحقق السلم المجتمعي على قاعدة احترام تلك التنوعات الاجتماعية لإيجاد بيئة سليمة صالحة لإيجاد حوار مجتمعي نستطيع من خلاله التطور والوصول إلى بيئة من الاستقرار ، فالكثير من الحروب الأهلية التي تجري في العديد من البلدان ترجع بالدرجة الاولى ، إلى أن كل طرف يصر على جعل المفاهيم الذاتية هي المفاهيم الحاكمة والسائدة دون أن يكون مستعد لأن يطورها أو يتحاور فيها ، مما يعرض حقيقة أن السلم المجتمعي لا يتحقق إلا بحوار اجتماعي مستديم ، لذلك لابد من تغيير الخطاب الاجتماعي وجعله يتجه نحو صياغة منظومة جديدة تحترم التمايزات التاريخية دون الانغلاق فيها ، لتأسيس واقع اجتماعي جديد يستمد من القيم الانسانية العليا منهجه وبرامجه المرحلية ، وذلك من خلال نبذ المقولات والعناوين التي قد تكرس العداء والتقسيم الاجتماعي وبإلغاء كل الحواجز المصطنعة التي تحول دون تفاعل الوسط الاجتماعي العام مع مضمون الخطاب السياسي والاجتماعي .

إن أي مجتمع يرغب في الوصول إلى حالة من الاستقرار والسلم الأهلي ، لا بد فيه من حصول الإنسان على احتياجاته الضرورية من مأكل وملبس، وتعليم وعلاج إيماناً من سلطته بأنها بهذا تزيد من حصانة الإنسان السوي وتهذب الإنسان غير السوي ولا تجبره على التعدي على حقوق الغير وتهديد الأمن والسلم المجتمعي ، فتحقق السلم الاجتماعي عامل أساسي لتوفير الأمن والاستقرار في المجتمع ، ويمكننا من تحقيق التقدم نحو المصالح المشتركة وإذا ما فقدت حالة السلم الاجتماعي أو ضعفت، فإن النتيجة الطبيعية لذلك هي تدهور الأمن وزعزعة الاستقرار ، فعلى المجتمع بأكمله العمل على تربية أبنائه تربية تعزز الحب والود والاحترام المتبادل ونشر إدراك اجتماعي حول عبثية العنف والحروب الداخلية والفوضى وما قد تؤثره على المجتمع من مخاطر ، فالسلم الاجتماعي يبدأن من اختيار لغة الحديث ، وانتقاء الكلمة الألطف حتى وإن كنا ندافع عن مظلمة .

وواجبنا نحن المدافعين عن حقوق الإنسان أن نعمل على منع صلف الفاسدين والمتنفذين من القبول بأفعالهم ومواجهتها بالرفض التام ، كي لا يلجأ المظلومين إلى توجيه غضبهم نحو القتل والذبح المتبادل ، الأمر الذي يؤدي إلى تقسيم المجتمع إلى أحزاب وطوائف وقبائل ومناطق وشوارع تقتل بعضها البعض وتدمر الدولة ، سنظل دوماً وأبداً نسعى بكل ما نمتلكه لإحياء ثقافة السلم الأهلي والوصول إلى بيئة مستقرة وآمنة .