وكـالـة مـعـا الاخـبـارية

تركيا أردوغان وعاصفة الحزم

نشر بتاريخ: 22/04/2015 ( آخر تحديث: 22/04/2015 الساعة: 16:36 )
تركيا أردوغان وعاصفة الحزم
الكاتب: د.احمد يوسف
تركيا أردوغان وعاصفة الحزم:
سياسات ومواقف ومصالح تحكمها المبادئ
د. أحمد يوسف
ونحن نشاهد وقائع الأحداث في منطقتنا العربية والإسلامية واتساع الخرق على الراقع، فإن من حقنا أن نسأل: كيف تبني الدول سياساتها وتتخذ مواقفها تجاه مجرياتها؟ ما هي معايير الاصطفاف وخلفيات التحالف أو حسابات نهج الحياد ومحاولات الإصلاح وإطفاء الحريق بين الفرقاء.. ما هي الضوابط لهذا الموقف أو ذاك؟

في سياق هذه التساؤلات، هل بالإمكان دراسة الموقف الذي اتخذته تركيا أردوغان مما يجري في اليمن ودول المنطقة من صراعات، وأيضاً من حرب "عاصفة الحزم"، التي أخذت بتلابيب دول المنطقة، وفتحت جرحاً واسعاً في العلاقات بين شعوب الأمتين العربية الإسلامية، واستنزافاً لطاقاتها ومصادر عافيتها، لا يعلم عواقب نهاياته إلا الله.

اليوم، حقائق المشهد أن تركيا – ظاهرياً - تلتزم الحياد، وهي لا تشارك في الضربات العسكرية الموجهة إلى مواقع الحوثيين والقوى الموالية للرئيس المخلوع على عبد الله صالح، وإن كانت التصريحات السياسية تشي بأنها مع الشرعية التي يمثلها الرئيس عبد ربه منصور هادي، الذي يحظى بدعم المملكة العربية السعودية والدول المتحالفة معها في حرب "عاصفة الحزم".

نحن في الشارع الإسلامي نحاول قراءة المشهد التركي وتحليله، ومن ثمَّ البناء عليه حول شكل وطبيعة السلوك الإسلامي الذي تتخذه هذه الدولة التي تتمتع باحترام كبير بين شعوب المنطقة العربية، ويتم النظر إليها باعتبارها "المُخلّص" لما تعانيه الأمة من أزمات وتفكك على مستوى كياناتها الجغرافية وأحوالها الديموغرافية.

وتأسيساً على ذلك، فإن هناك بعض الأسئلة التي تفرض منطقها علينا ومطلوب منا كنخب سياسية تقديم إجابات لها، حتى نزيل الغبش ونتمكن من إبعاد غمام الشك حولها.. إن من حق كل المتضامنين والداعمين لتركيا أردوغان في منطقتنا معرفة من أين تنبع مواقف وسياسات هذه الدولة الإسلامية تجاه منطقتنا العربية؟ وهل المحرك لها هي طموحات توسعية وأحلام امبراطورية أم هي الشعور بالمسئولية تجاه شعوب لها نفس الخلفية الدينية، والارتباط التاريخي بدولة الخلافة العثمانية؟ هل تركيا أردوغان تعمل على تأهيل نفسها – فعلاً - كوريث يمتلك كل مؤهلات ملأ "الفراغ القيادي" القائم بالمنطقة العربية، وذلك بعد أن تراجع الدور المصري والسعودي فيها، وذلك على إثر الحراك الشعبي، الذي كانت بداية انطلاقاته في تونس مع نهاية العام 2010م، ثم تمدد في مساحات عربية واسعة شملت ليبيا ومصر واليمن وسوريا والبحرين؟

وهل هذا الدعم الكبير الذي تقدمه تركيا أردوغان للشعب الفلسطيني في المحافل الدولية، وكذلك على المستوى الإنساني من خلال تقديم مساعدات إغاثية ضخمة عبر العديد من مؤسساتها الرسمية والشعبية، يأتي باعتبار أن القضية الفلسطينية هي الطريق إلى قلوب العرب والمسلمين، وأن كسب تعاطفها في مشهد شعوب المنطقة هو المدخل للانتشار والتوسع بهدف احتواء المنطقة بأسرها؟

بصراحة؛ هل تطمع تركيا أردوغان قيادة المنطقة أم الهيمنة عليها؟
هذه الأسئلة كلها مشروعة الطرح، ومن حق الجميع إثارتها على المستويين الأخلاقي والسياسي، حيث إن تركيا قدمت الكثير مما يوجب الشكر والتقدير، ومن الواجب تحرير إشكالية السؤال حول بواعث هذا الجهد والعطاء المتميز إنسانياً وسياسياً عن باقي دول المنطقة.

"عاصفة الحزم" في لعبة المصالح والقيم

في الغرب يقولون: إن السياسة مصالح، فيما الإسلاميون الذين تحكمهم منظومة قيمية يعملون بمنطق: "نعم؛ السياسة هي مصالح، ولكنها مصالح تحكمها المبادئ وتضبطها القيم"، حيث إن منهجية العمل السياسي عندهم لها أدبيات ومسارات تختلف عما هو سائد في العلاقات بين الدول، حيث إن الجميع وخاصة في الغرب تحكم سلوكياتهم السياسية تلك المقولة الشهيرة لرئيس الوزراء البريطاني السابق، ونستون تشرشل: "في السياسة، ليس هناك عدو دائم أو صديق دائم، هناك مصالح دائمة"؛ أي لا شيء يدوم في السياسة وعلاقات الدول إلا المصالح، وإذا غابت المصالح فمشهد العلاقة إلى زوال.
حتى هذه اللحظة، فإن مشاهداتنا لتركيا أردوغان هي تقديم الدعم والنصرة لشعوب المنطقة، حيث إن جهود تركيا الإغاثية تتقدم على معظم دول المنطقة، وحتى بالمقاييس الغربية فإن منزلة تركيا هي في الصدارة بين باقي دول العالم.

لقد تابعنا خلال الحراك الشعبي أو ما يسمى بالربيع العربي كيف كانت المواقف التركية المؤيدة والداعمة لذلك الحراك، وكيف فتحت تركيا سلة مساعداتها لمساندة شعوب المنطقة التي انتفضت بغرض تحقيق التغيير والإصلاح، وكانت تركيا أردوغان هي من أكثر الدول التي سخرت إمكانياتها الإعلامية والدبلوماسية لحشد دعم المجتمع الدولي لها، كما أن المؤسسات الإنسانية لم تبخل في تقديم كافة أشكال العون الإغاثي واللوجستي لنجاح مطالبها وتحركاتها في النهوض والتغيير.

تركيا وإيران: حدود التنافس على المنطقة
من المعروف أن هناك في منطقة الشرق الأوسط أربعة قوى مركزية هي تركيا وإيران ومصر والسعودية، ومع هبَّة الربيع العربي تراجعت مكانة مصر والسعودية، الأمر الذي أوجد فراغاً قيادياً في الساحة العربية، وحيث إن الطبيعة لا تقبل بالفراغ - كما يقولون - فكان من الواضح أن هناك من باقي القوى من يتطلع لملئه.
هل كانت تركيا أردوغان (القوة السُنيِّة) ستثير كل هذه المخاوف والشكوك لو ظهرت في المشهد السياسي العربي أنها هي من تتحرك لملء هذا الفراغ القيادي في المنطقة ؟ بالتأكيد لا.. لأنها ومنذ وقائع الربيع العربي كانت في موقع النصير، المنحاز لشعوب المنطقة والذي يقف – بقوة - إلى جانب مطالبها المشروعة في الإصلاح والتغيير والتجديد.

أما ملامح إيران في المشهد العربي فهي تبعث على الخوف والقلق، لأنها لا تخفي نواياها حول هذه المسألة، كما أنها - تاريخياً - لديها الكثير من الأطماع التوسعية، حيث إنها – في مشهد المراقب العربي - تبحث عن السيطرة والنفوذ، وذلك بهدف فرض أجندتها (الشيعية- الفارسية) على باقي دول المنطقة، والشاهد في ذلك هو ما نراه يحدث في كل من العراق وسوريا ولبنان، حيث تحاول القوى الشيعية التمدد وبسط النفوذ بقوة السلاح وتظهير النزعة الطائفية في تلك البلدان.

من هنا، فإن العرب لا يرون في تركيا أردوغان أكثر من زعامة يمكن استيعابها والاعتماد عليها بعيداً عن حسابات الهيمنة، أما إيران فإن لدى العرب من تمددها ما يجعلهم يشعرون بالقلق والعمل على التصدي لأي شكل من أشكال التوسع والنفوذ لها بالمنطقة.

تركيا أردوغان: تطلعات نحو مشروع بناء أمة
في الأدبيات السياسية لتركيا أردوغان أنها مشروع نهوض بالأمة العربية والإسلامية، واستعادة مكانتها الحضارية تحت الشمس، وهذا ما نجحت فيه تركيا حتى اللحظة من فرض حضورها كدولة بين أهم تكتل لأقوى اقتصاديات العالم (G-20)، والدولة التي يعتمد عليها الغرب لنزع فتيل الأزمات بالمنطقة.

وفيما تبدو مصر والسعودية كدول تعاني مشاكل داخلية وصراعات مفتوحة مع دول الجوار، الأمر الذي يجعلها غير قادرة على قيادة سفينة المنطقة، التي تتلاطمها أمواج بحر الظلمات، وهي بحاجة إلى قبطان ماهر له من الخبرة والقوة ما يمكنه من النجاة بالسفينة إلى برِّ الأمان.

إن الموقف المتوازن نسبياً لتركيا أردوغان - اليوم – تجاه ما يحدث في اليمن وحرب عاصفة الحزم، يؤهلها أكثر من غيرها من دول المنطقة لأن تكون جزءاً من الحل، لإنهاء المواجهة المسلحة بين اليمنيين أنفسهم من ناحية، ومع المملكة العربية السعودية ودول الخليج من ناحية أخرى.
فتركيا أردوغان تتمتع بعلاقة متوسطة مع إيران، وتحظى باحترام وتقدير لدى معظم الدول الخليجية وخاصة السعودية، وهي لها علاقات دولية وطيدة مع أمريكا والدول الأوروبية، ولها ما تتميز به من خبرات دبلوماسية وقدرات على حلِّ النزاعات، وثقة واسعة عند العرب والمسلمين، وهذه كلها مؤهلات تمنحها قصب السبق في لعب دور يضع لهذه الحرب أوزارها، ويعيد ترميم العلاقة بين اليمن ودول الجوار الخليجي على أسس من التفاهم والاحترام المتبادل.

عاصفة الحزم: سيناريوهات ومآلات غامضة
هل يملك أحد استشراف عواقب وانعطافات عاصفة الحزم؟ إننا اليوم أمام عدة سيناريوهات، وأكثر من علامة استفهام، وهي في مجملها لا تبشر بالأمن والاستقرار القريب في المنطقة، بل تبعث على الخوف مما تحمله الليالي من مفاجئات جراحها لا تنتهي.

نحن في قراءتنا لما يجري في اليمن أمام ثلاثة نهايات نأمل أن تكون إحداها سعيدة، وذلك بأن تضع الحرب أوزارها، ويعود الكل إلى المبادرة الخليجية، بحيث يجد الجميع أن فرصته في المشاركة السياسية ما تزال قائمة، فيعمل على لملمة الصف، وتطبيب الجراح، واستئناف الحياة السياسية ضمن إطار من الشراكة والتوافق والتوازن الطائفي. قد يبدو هذا السيناريو مشهداً وردياً حالماً، وذلك لحجم الدمار والدماء التي سالت، وتعاظم حالات القتل ورغبات الثأر والانتقام.. نعم؛ قد يكون هذا صحيحاً، ولكن الكرة – الآن - في ملعب الحوثيين والرئيس المخلوع على عبد الله صالح، والقرار يتطلب رشداً وتوافر الحكمة، والتسليم بالوقائع القائمة على الأرض، وخاصة من جماعة الحوثي، حيث إن كل المؤشرات الميدانية هي في غير صالحهم، ولذلك فإن فرص النجاة لهم هي بأن يعضوا على جراحاتهم، والتسليم بالهزيمة، والقبول بخيار البقاء داخل مشهد الحكم والسياسة، على ضوء ما سبق وأن اقترحته المبادرة الخليجية.

لا شك أن هذا الخيار إن سلَّم به الجميع هو الأفضل لأمن واستقرار المنطقة، وبه يتم نزع مخاوف دول الخليج من تمددات النفوذ الإيراني بالمنطقة، وإن كان السيناريو الآخر المحتمل هو مزيد من التدخل الإيراني في اليمن، بحيث يتسع محيط المواجهات العسكرية بالشكل الذي يفتح المجال أمام صدام مسلح قد تتورط فيه إيران، وتنزلق إليه العديد من دول المنطقة.. ولكن ما أراه كطريق ثالث هو يتعلق بالموقف التركي تجاه ما يحدث في اليمن؛ أي سعي تركيا أردوغان لبذل الكثير من الجهد لمنع اتساع لهيب المعركة، وتضييق الخناق أمام تورط المزيد من الأطراف فيها.

إن تركيا أردوغان - واتساقاً مع منظومتها القيمية - ستحاول بكل الطرق والوسائل النأي بنفسها عن مستنقع الحرب، وتجنب الوقوع بين مخالب هذه المحرقة، والعمل على سرعة إطفائها. حيث إن عين تركيا وبصيرتها هي - في الحقيقة - على ما يجري من مواجهات دامية في سوريا والعراق، وهي بحاجة إلى تفاهمات وعلاقات صداقة مع إيران للتعامل مع هذه الملفات، كما أنها تطمع بالدعم السعودي والخليجي للمساعدة على عودة الأمن والاستقرار في كلٍّ من هذين البلدين، وحصول التغيير الذي يحقق ذلك. ولكن الأمر – كما يقول البعض - متوقف على عدم حدوث سيناريوهات مفاجئة قد تجر المنطقة إلى نيران حرب كبيرة.

وإذا تعثرت المساعي التركية والجهود الدولية في وقف الحرب بالشكل الذي عليه الآن، ودخلت إيران والقوى الشيعية على الخط بشكل سافر، فإن مشهد الصراع سيكون أمام تدخلات خارجية واسعة، وقل – عندئذ - على العرب والمسلمين السلام لعقود قادمة من الزمان.