وكـالـة مـعـا الاخـبـارية

بهاء البخاري: الكاريكاتير ينتحر في غياب الحريات

نشر بتاريخ: 02/11/2015 ( آخر تحديث: 02/11/2015 الساعة: 18:57 )
بهاء البخاري: الكاريكاتير ينتحر في غياب الحريات
بقلم: بسام الكعبي
بعد صلاة الجمعة في الثلاثين من تشرين أول 2015، وقف "أبو العبد" بعد ليلة حزينة بين المشيعيين في مقبرة البيرة الجديدة متماسكاً يتأمل غياب نجمه المبدع بهاء البخاري، ويدقق بكبرياء في جثمانه الطاهر يتمدد في الأرض التي عشقها؛ وقد كرس كل ألوانه وابداعه من أجلها. لمعت حجارة الطريق في قبضة "أبو العبد" وقد تحولت بين يديه إلى أحجار كريمة تسلمها كوصية لفنان ملتزم، من أجل الحفاظ على بريقها في مسيرة الكفاح لانتزاع حق العودة والتحرر والاستقلال. أعيدُ نشر بروفايل بهاء البخاري الذي صدر في كتابي (أصوات مقدسية) عام 2009 عن المكتب التنفيذي للقدس عاصمة الثقافة العربية. ب ك

1

غاب عن بيته في الزاوية البخارية على جدار المسجد الأقصى الشريف داخل أسوار القدس القديمة نحو ثلاثين عاما قبل أن يعود ليتأمل كبرياء حجارة المنزل الواسع، ثم يطل منه على قبر جده الراحل الشيخ يعقوب في الفناء، ويدقق في القوس الذي يربط الزاوية الإسلامية بكنيسة مدرسة الراهبات.
عندما اشتدت وطأة الغياب عن زهرة المدائن خلال إقامته في تونس مطلع التسعينات بعد حقبة طويلة من النفي والتنقل القسري، استعاد بهاء البخاري المكان من ذاكرته واستحضر القدس إلى منفاه بمائة لوحة زيتية متميزة شكلت ثروة فنية لا تقل في قيمتها ومستوى جودتها عن مائة ألف كاريكاتير رسمها البخاري في مشواره الفني الطويل، وقد بدأ مسار إبداعه مبكرا منذ أن تعلم فنون الرسم بأدوات والده رشيد خريج الهندسة المعمارية من إحدى الجامعات الفرنسية في باريس..كيف نجح بهاء في توظيف واقع عائلته ثم الظروف التي حاصرته لاحقا من أجل منافسة القامات الكبيرة التي تتربع بلا منازع على عرش فن الكاريكاتير العربي؟
ولد بهاء في الثالث عشر من كانون ثاني العام 1944 في المستشفى النمساوي (الهوسبيس) في القدس القديمة، وخطط والده رشيد لتسميته يعقوب على اسم جده، لكن والدته حلمت في ليلة الولادة بقدوم بهاء، وفي الصباح أخبرت زوجها بحلمها وبالاسم الجديد لنجلها، طلب منها أن تتكتم على الموضوع تحت إصراره بأن المولود الجديد لا يمكن إلا أن يحمل اسم جده يعقوب، رضخت للأمر رغم أنها حاولت توضيح رؤية نجلها وسماع اسمه في حلمها:"غادر والدي المستشفى باتجاه المنزل في الزاوية البخارية ليخبر جدي بالخبر السعيد بقدوم يعقوب الصغير، صمت جدي قليلا كما علمتُ لاحقا وأخبر والدي بأن اسمي سيكون مركبا "محمد بهاء" وليس يعقوب، أجهش والدي بالبكاء وأخبره بقصة الحلم الذي شاهدته والدتي في ليلة ولادتها. وتحمل شهادة ميلادي الرسمية اسم محمد بهاء فيما الاسم المتداول هو بهاء". وحمل شقيقه الأصغر اسم يعقوب ثم تلاه شقيقه علاء وله خمس شقيقات أكبرهن كلثوم.
2
وصلت العائلة من مدينة بخارى في أوزباكستان، وتعود للشيخ عبدالله البخاري مؤسس الطريقة النقشبندية منذ سبعمائة عام.
استقر مؤسس الزاوية البخارية في القدس منذ أربعمائة عام عقب تأديته مناسك الحج في مكة المكرمة ووصوله لتقديس حجته في الأقصى الشريف فأستقر بجوار المسجد وأسس زاويته التي تطل على الأقصى:"تبعد الزاوية بضعة أمتار فقط عن باب الغوانمة أحد أبواب الحرم القدسي الشريف، ومئذنة جامع الغوانمة ملاصقة تماما للزاوية البخارية التي تحمل أيضا اسمي النقشبندية والأزبكية. تقسم الزاوية مناصفة بين الوقف الذري لأفراد العائلة والأوقاف الإسلامية وفق نصوص وقفية الزاوية. تحتوي الزاوية المربعة الشكل على مسجد ونحو أربعين غرفة للإقامة، يستخدم جزء منها لتأدية طقوس الطريقة الصوفية النقشبندية، ويستخدم جزء آخر منافع عامة لاستقبال الحجاج القادمين للديار المقدسة، ويعيش في جزء ثالث أفراد العائلة. تحمل الزاوية سمات البيوت العربية القديمة وفيها مدخلان: واحد للرجال والحجاج والمتسوقين وغيرهم ويدعى بالتركي السلملك وآخر للنساء ويسمى بالحرملك وجزء ثالث يستخدم لأفراد العائلة. كانت المحكمة الشرعية تحجز عدة غرف في الزاوية، فيما كان قوس الزاوية لفترة طويلة مقر قاضي القضاة إلى جانب غرفتين للمراجعين".
عاش بهاء طفولته المبكرة في الزاوية وتنقل بين غرفها وقوسها الذي يشكل جسرا بين الديانتين الإسلامية والمسيحية:"قوس الزاوية مقدس لدى المسيحيين ويشكل جسرا للتآخي بين الديانتين، ويمر أحد مداخل كنيسة صهيون مقابل إحدى بوابتي الزاوية. عشتُ سنواتي الأربع الأولى في هذا القوس مع راهبات كنيسة صهيون التي لا زالت تحمل في سجل تشريفاتها بمدخل الكنيسة لوحة تقديرية لجدي الشيخ يعقوب الذي وفر لهم الحماية في الحقبة العثمانية كونه كان ضابطا في الجيش التركي".
حافظ جده الشيخ يعقوب على مكتبة الزاوية العريقة بل أضاف لها مجموعة من الكتب النادرة وقد عرفت الزاوية بمكتبتها التاريخية، وحتى أن بعض الكتب القيمة في مكتبات القدس التاريخية تم استعارتها في حقبة ماضية من مكتبة الزاوية البخارية:"كان جدي الشيخ يعقوب من قضاة القدس أيضا ومدير أول متحف إسلامي مقدسي، وأنجب ثمانية أبناء حرص على تعليمهم في المدرسة الرشيدية، توفي العام 1956 ودفن في الزاوية البخارية. تسلم شؤون الزاوية عمي الشيخ موسى لأن والدي وهو أكبر أبنائه لم يتابع دراسته في الأزهر الشريف في مصر بناء على رغبة والده، وصمد ستة أشهر في المعهد الديني المرموق، لكن حبه للفن دفعه لمغادرة القاهرة إلى باريس العام 1930 ودراسة الهندسة المعمارية في إحدى جامعات باريس، وعاد مهندسا معماريا للمدينة وعمل في بلديتها حتى العام 1948".
جدته لأبيه من أصول تركية بخارية وتدعى كلثوم، تزوجها جده يعقوب في اسطنبول وكانت في الثالثة عشرة من عمرها وعاد بها إلى القدس. غادرت جدته لأمه عديلة المملوك مدينتها القدس، واستقرت في القاهرة بعد زواجها من الشيخ محمود عادل الخيري وكيل وزارة الأوقاف المصرية العام 1925، لكن عندما أنجبت ابنتها الوحيدة توفي زوجها الخيري فاضطرت للعودة إلى ذويها في القدس وتزوجت رجلا من عائلة الأنصاري، وعندما تزوجت الابنة اليتيمة نافعة الخيري من المهندس المعماري رشيد البخاري، أطلقت اسم حماتها التركية كلثوم على أول بناتها.
3
هبطت النكبة العام 1948 على طفولة بهاء وانتزعته مبكرا من الزاوية التي عشقها وأبعدته طويلا عن مكان شغف التدقيق بحجارته القديمة وملامسة تاريخ أجداده:"كنتُ في الرابعة من عمري عندما أجهزت الحرب على وظيفة والدي في بلدية القدس، وقرر الرحيل إلى عمان ثم تابع بعد فترة قصيرة رحلته القسرية إلى الشام. التحق بوظيفته كمهندس في وزارة البريد والاتصالات، واستقرت الأسرة في دمشق القديمة في حي الجسر الأبيض قرب الصالحية وبجوار جامع الشيخ محيي الدين أحد الأولياء الأتقياء. دخلتُ رياض الأطفال في مدرسة الوردة البيضاء قرب البيت في منطقة الطلياني، ثم تعلمتُ في مدرسة عمر المختار الابتدائية في الصالحية تلاها مدرسة البحتري. عشتُ في دمشق القديمة فترة من طفولتي ولمستُ فيها روح القدس، وخاصة أني بدأت أدرك بعدي عن بلدي وأطرح الأسئلة بصورة دائمة عن سر هجرتنا. كنتُ مسكونا بحجارة البيوت القديمة التي لا تفارقها يدي أثناء الذهاب إلى المدرسة والعودة منها، كنتُ أشعر بإحساس غريب عند تلمس هذه الحجارة التاريخية التي شكلت شاهدا على حضارة البشر وثابتا متماسكا على رحيل الأفراد وغيابهم".
أدرك والده موهبة ابنه المبكرة في الرسم وعلمه فنون استخدام الخطوط:"لمعت موهبتي في المدرسة، وكنتُ حريصا على رسم الوجوه والملامح، وفي طريق عودتي إلى البيت أحفظ بذاكرتي الأماكن بدءا بالجامع الأموي مرورا بالحارات القديمة ثم أرسم عند المساء المشهد على الورق وأتابع تصميم الألعاب بأشكال مختلفة لشقيقاتي. أول رسم ظهر لي كان في زاوية للهواة بمجلة الجندي وقد طرت فرحا بها عندما شاهدتُ اسمي تحت رسم للهواة".
حرص والده على اصطحابه لدور السينما بشكل دائم وزيارته للمعارض الفنية المختلفة بما فيها معارض أصدقائه الفنانين وقد تعرف عليهم من خلاله:"تعرفتُ على أكبر الفنانين: ناظم الجعفري، عبد القادر ارناؤوط، عفيف بهنسي ولؤي كيالي القادم من ايطاليا ومؤسس دار الفن الحديث. شاهدتُ لأول مرة برفقة والدي معرض الفن الحديث للفنان كيالي، لم تدهشني وكنتُ أقول بسري أن اللوحات التي تشغل ذهني شيء آخر ومختلف. أدرك أصدقاء والدي مستوى موهبتي ولكني كنتُ أخجل البوح للفنانين الجعفري وكيالي بأنكما لا تشكلان مثلي الأعلى في الفنون وخاصة أنهما محط إعجاب والدي".
4
لم تكتمل عناصر معرفته الفنية في الشام، لكن الفتى جمع الخيوط وغادر بها برفقة عائلته إلى الكويت. اضطر لمغادرة دمشق فتى دون الثانية عشرة برفقة أفراد أسرته عندما تسلم والده عقد عمل العام 1956 للالتحاق بوظيفة مهندس في وزارة الأشغال العامة بدولة الكويت في إطار توفير الخبرات السورية للدولة الناشئة:"التحقتُ بمدرسة حولي المتوسطة بمستوى أقل مما كنتُ في مدارس الشام بذريعة اختلاف المنهاج المدرسي، وكانت مدرستي تطل على بيتنا المستأجر في الكويت.علمني في المدرسة مجموعة من الأساتذة الجزائريين الذين كانوا يساندون الثورة الجزائرية وأبرزهم عثمان سعدي معلم اللغة العربية، وقد تبين لاحقا أنه من قادة الثورة الجزائرية، محمد شرحبيل معلم الدين الإسلامي ومروان معلم الجغرافية، وقد ربطتني بهم علاقة احترام وصداقة. علمني الموسيقى الأستاذ السوري ياسر المالح، وأحببتُ من الآلات الموسيقية الكلارنيت والاكورديون، وتعلمتُ حفظ اللحن وشاركتُ بفرقة المدرسة للفنون الثقافية المختلفة".
تعلم في المدرسة أربع سنوات حتى اضطر والده للعودة إلى وظيفته في الشام العام 1960 بدعوى انتهاء فترة الإعارة لدولة الكويت:"رجعنا إلى الشام ودفعنا ثمن أخلاق والدي الذي آثر المغادرة لئلا يتعرض للمساءلة تحت طائلة قانون الإعارة السوري. كانت المخالفة وفق القوانين السورية تقتضي دفع غرامة لا تتجاوز 25 ليرة لكنه لم يكن يعرف بهذا الأمر، غادر والدي بغير رغبته وعاد إلى وظيفته الحكومية في دمشق. عدنا جميعا إلى الشام باستثناء شقيقتي كلثوم التي تزوجت واستقرت في الكويت".
سجل طالبا في المرحلة الثانوية وخسرا أيضا سنة في سورية بذريعة اختلاف المنهاج الكويتي، وخلال دراسته اتخذ قراره بمساعدة والده في تحمل نفقات الأسرة، وبخاصة أن راتبه المتواضع لا يكفي احتياجات العائلة الكبيرة ونفقاتها الباهظة:"توجهتُ لشركة تنتج اللوحات الفنية، وكنتُ أرسم المشهد الخلفي بمادة البوية بدل الألوان لقلة توفر المال، وكنتُ أقضي ليلة كاملة من أجل رسم لوحة واحدة أحصل مقابلها على عشر ليرات سورية أشتري بهم هدية لشقيقتي. تابعتُ اهتمامي بالرسم في المدرسة وحصلتُ على شهادة تقدير للطالب الموهوب، ورسمتُ مشهدا للعاصمة دمشق على سفح جبل قاسيون. رسمتُ العام 1962 في جريدة الأيام قصة مصورة تتحدث عن انطلاقة الكفاح المسلح الفلسطيني المرتقب. يروي مشهد الصور حكاية الجندي فارس في صفوف الجيش السوري يقوم بعملية مسلحة للرد على محاولات تجفيف بحيرة الحولة في شمال فلسطين. لاحظ الصحفي محمد خالد قطمه مسؤول التحرير في الجريدة، وبعد مقابلته قال أنت رسام كاريكاتير وتابع هذه الموهبة باهتمام. علقت جملته في ذهني وأبديتُ اهتماما بتنمية الموهبة واستعدادي لمساعدة والدي ومرافقته إلى مكتبه واستخدام أدواته الهندسية المتوفرة في موقع عمله".
5
حصل العام 1963 على شهادة الثانوية العامة أو ما يسمى البكالوريا في الشام، وقرر العودة لوحده إلى الكويت انتقاما للموقف تجاه والده وأيضا من أجل العمل ومساعدة أسرته وتحمل جانبا من نفقاتها الشهرية:"اشتغلتُ بداية في مؤسسة للدعاية والإعلان، ثم طرقتُ باب العمل في مجلة الرسالة الأسبوعية ويرأس تحريرها الكويتي جاسم المبارك، وكانت المجلة تناصر اتجاها ضد آخر في صراع المحاور داخل التيارات الإسلامية. طلب رسما كاريكاتوريا ضد جمعية الإصلاح التي كانت متطرفة قليلا بأفكارها الأصولية. وضعتُ رسما نقديا وقاسيا بحق الجمعية، وكان أول رسم لي في المجلة بعد إقامتي في الكويت، فأغلقت وزارة الداخلية المجلة على الفور. انتشر النبأ أن رسما كاريكاتوريا أغلق مجلة الرسالة. علم الصحفي الحموي السوري محمد قطمه رئيس تحرير جريدة الرأي العام بوجودي في الكويت، وقد اكتشف موهبتي في الشام. اتصل بي وعرض وظيفة في الجريدة، وواظبتُ على رسم كاريكاتوري منتظم ويومي. للحق لعب الأستاذ قطمه دورا رياديا في تأسيس الصحافة الكويتية، وقد توفي في الشام مطلع العام 2009".
ابتكر في رسوماته شخصية أميغو أبو فيصل بقبعة مكسيكية وذلك استنادا على ملامح صالح شهاب وكيل وزارة الثقافة الكويتي التي تميزت بقصر القامة والسمنة والبشرة السمراء الداكنة:" تسلم نشاطات السياحة في الوزارة وغادر في تلك الفترة على رأس وفد للمكسيك للترويج السياحي، رسمته ساخرا بدشداشة كويتية وقبعة مكسيكية وأطلقتُ عليه أميغو أبو فيصل، الغريب أنه لم يتضايق على الإطلاق ووجه لي دعوة لزيارته في الوزارة واكتشفتُ مرحه ودماثة أخلاقه، وشجعني على مواصلة اعتماد شخصية أميغو أبو فيصل وقد تمكن من استثمارها جيدا في وظيفته بدائرة السياحة. بعد سنوات على الرسومات جمعها كلها وافتتح بها أول معرض دولي لرسوماتي في بروكسل وكان قد أصبح وكيلا لوزارة الثقافة".
تعرف أواسط الستينات على مجموعة من نخبة الثقافة الفلسطينية: رسام الكاريكاتير ناجي العلي وقد تابع رسوماته في مجلة الطليعة القومية اليسارية الأسبوعية، وزادت معرفته به بعد تعاقده مع رئيس تحرير "السياسة" أحمد جارالله للنشر اليومي في الجريدة التي باتت تنافس صحيفتين يوميتين هما الرأي العام وأخبار الكويت. الكاتب المرموق غسان كنفاني في لقاء عابر قبل مغادرته إلى بيروت لرئاسة تحرير مجلة "الهدف" الناطقة باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. الفنان التشكيلي إسماعيل شموط الذي كان يرأس اتحاد الفنانين الفلسطينيين وقد تعرف عليه من خلال الصديق المشترك الطبيب محمد عيسى من منطقة رام الله، وقام برفقته بزيارة الفنان شموط في البيت.
أثناء عمله في صحيفة الرأي العام سعى صاحبها عبد العزيز المساعيد لدى الشيخ سعد الجابر وزير الداخلية لضمان حصوله على وثيقة سفر كويتية:"كنتُ من الفلسطينيين القلائل الذين حصلوا على هذه الوثيقة، وبفضلها شاركتُ العام 1974 بمعرض دولي لرسوم الكاريكاتير أقيم في بلغاريا، وحصلتُ على أول جائزة دولية بالترتيب الثالث للمسابقة التي أقيمت على هامش المعرض الدولي". وأقام بعد ذلك أول معرض في فندق "الشيراتون" في الكويت برعاية الشيخ عبد الله الجابر الصباح من العائلة الحاكمة، ومحمد غنيم رئيس مجلي الأمة ونخبة من الدبلوماسيين والمثقفين الفلسطينيين والعرب، وأصدر عقب المعرض أول كتاب تضمن نحو أربعمائة رسم كاريكاتوري من رسوماته ولا زال يحتفظ بنسخة يتيمة منه، وكتب التقديم للكتاب الصحفي السوري محمد قطمه. تشجع في تلك الفترة للانتساب إلى أكاديمية الفنون الجميلة بجامعة(F.A) في مدينة ويستبورت بولاية كونانتكت شمال نيويورك، ويعتبر مؤسسها نورمان ريكويل أحد أبرز الفنانين الأميركيين، ورحل العام 1978 في الوقت الذي حصل فيه بهاء، عبر المراسلة، على دبلوم بالرسوم المتحركة.
6
عقب نتائج حرب أكتوبر العام 1973 وظهور بوادر فك الارتباط على الجبهة المصرية مرورا بزيارة الرئيس المصري أنور السادات للكنيست الإسرائيلي العام 1977 ابتكر بهاء شخصية "أبو عرب" لرصد الشؤون العربية، وباتت موازية لشخصية أميغو أبو فيصل التي ترصد المشهد الكويتي:"كنتُ أرسم في البداية شخصية السادات مباشرة، وقد خلق ذلك مشاكل كثيرة وتعرضت جريدة الرأي العام للإغلاق عدة مرات بسبب رسومات الكاريكاتير، وأصدرتْ إدارة الصحيفة أمرا بحظر رسوماتي إذا لم تتغير شخصية السادات فيها، واضطررتُ لتعديل الشخصية قليلا بإضافة شارب عربي وحطة وعقال خليجي، ومع ذلك ظلت شخصية السادات قائمة في رسم أبو عرب لأنه قائم في خيالي، وواصل أبو عرب ظهوره اليومي في جريدة الرأي العام حتى أواسط الثمانينات، وأستخدمها حتى الآن في القضايا العربية لأنها تمثل الشخصية النمطية للحاكم العربي".
وقبل أن يغادر "الرأي العام" اكتشف بين عمال مطبعة الصحيفة موهبة فذة في فن الكاريكاتير وقدمها إلى طاقم المؤسسة:"لاحظتُ موهبة الشاب العراقي هاني مظهر، وتبين أنه خريج كلية الفنون في بغداد. وعرضتُ عليه الانتقال من المطبعة إلى طاقم مجلة سعد ليشاركنا الرسم، وللحقيقة أجاد في خطوطه التي كشفت موهبته في الكاريكاتير. بعد سنوات قليلة غادر إلى جريدة القبس وعمل بجانب المبدع ناجي العلي، وتأثر بشكل كبير في مدرسته وخطوط فنونه، وحاول إضافة لون على رسوم ناجي التي لا يرسمها إلا بالحبر الأسود، لكنها بدت كملصق أكثر منها كاريكاتير، وعندما غادر ناجي إلى لندن لحقه هاني وعمل معه في القبس الدولي، وعقب استشهاد ناجي خريف العام 1987، حاول تقليد خطوطه في الكاريكاتير لكن تجربته لم تنجح ثم توقف عنها تماما وتحول إلى الفن التشكيلي".
غادر صحيفة "الرأي العام" في الثلث الأول للثمانينات عقب الانقسام في صفوف حركة "فتح" وتعرض الرئيس ياسر عرفات وقواته في مدينة طرابلس شمال لبنان لحصار سوري بالتحالف مع مليشيات مسلحة، ثم قصف المخيمات الفلسطينية في لبنان لاحقا وحصارها لفترة ليست قصيرة:"وقف صاحب الجريدة عبد العزيز المساعيد مع الموقف السوري، وتبنى خط التحرير الصحفي لغة معادية لموقف منظمة التحرير، وكنتُ في مواجهة اتجاه الجريدة وسياسة تحريرها، ركزتُ في رسوماتي الأولى على تعقل الطرفين وتجنيبهما شر القتال، لكن مع اشتداد حصار المخيمات وتواصل قصفها المدفعي لم أعد قادرا على التحمل، وغادرتُ المؤسسة كاملة بما فيها مجلة سعد للأطفال والقسم الفني للإعلانات، وخسرتُ جزءا كبيرا من حقوقي المالية بدعوى انسحابي الطوعي من الوظيفة".
تسلم الصحفي السوري محمد قطمه رئاسة تحرير "الأنباء" اليومية التي انطلقت في تلك الحقبة، وقدم عرضا جيدا للفنان بهاء للالتحاق بطاقم الصحيفة فوافق على الفور وعاد "أبو عرب" من جديد يلمع بشاربيه فوق ورق الصحف اليومية قبل أن تتغير شخصيته إلى "أبو العبد" مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى العام 1987:"عملتُ أيضا في تلك الفترة مع مؤسسة الخليج لإنتاج البرامج المشتركة، وساهمتُ في مسلسل افتح يا سمسم بل صممتُ شخصية نعمان بشكل مركب بين الخروف والدب وكذلك الببغاء ملسون. فتحتُ في تلك الفترة أيضا مكتبا للإعلانات التجارية بمشاركة كفيل كويتي".
7
ظهرت شخصية "أبو العبد" مع اندلاع الانتفاضة الأولى أواخر العام 1987 مستندة على مواصفات كاتب فلسطيني ومحرر بارع يمتلك ثقافة واسعة وكرامة عالية:"أحببتُ جدا شخصية زميلي الكاتب زهير شبل الذي يُكنى أبو العبد ابن يافا العربية. تعلم في أوروبا وتزوج من نمساوية، حضاري بكل معنى الكلمة ومثقف كبير، يتقن عدة لغات أوروبية وعمل محررا في جريدة "الكويت تايمز"، ويكتب بتوقيع أسطوري "تيرا فيرما"، ورغم عصبيته الزائدة وضجره وتبرمه الدائم، إلا أنه كان بسيطا جدا لا يتحدثُ إلا بعفوية اللهجة القروية الفلسطينية ودون زيف، وزهير غير مدعي ولا يقدم نفسه إلا بتواضع تستند على كرامة عالية حقيقية بعيدا عن الكبرياء المزيف. كنتُ حريصا على لقائه بصورة منتظمة في الكويت كلما نجحت في خطفه من وظيفته ومشاغل أسرته، كنتُ أشعرُ عندما أعثر عليه أن فلسطين كلها حاضرة في اللقاء، أضحكُ وأنزفُ من أعماقي لحظة استماعي بشغف لتعليقاته التلقائية مستخدما مصطلحاته الشعبية التراثية ومبتكرا مفردات خاصة به، عند تقييمه لكل ما يدور من أحداث وتسكبُ فوق طاولة حوارنا سيرة شخصيات نعرفها. صَعدتْ شخصية "أبو العبد" لرصد الشؤون الفلسطينية بدقة إلى جانب شخصية "أبو عرب" المتابعة للشأن العربي، في وقت أخذت رسوماتي تغادر بالتدريج الشأن الكويتي وتودع شخصية أميغو أبو فيصل، وتهتم أكثر عمقا بالشأن الفلسطيني وتحفر فيه مع تقدم الانتفاضة. أعترفُ أن لزميلي المتميز زهير شبل، الذي لا أعرف عنه شيئا منذ عشرين عاما، الفضل في بريق هذه الشخصية اللامعة على الورق منذ ولادتها قبل اثنين وعشرين عاما".
بدأت الحكومة الكويتية مع توسع رقعة الحرب الإيرانية- العراقية بالتشديد على بطاقات الهوية والإقامة وجوازات السفر المنتهية الصلاحية للمقيمين العرب:"باتت القوانين صارمة وتقتضي أن يبرز كل مقيم جوازه الأصلي الذي دخل به للبلاد لضمان تجديد البطاقة المدنية التي تشكل كلمة السر للتعاقد الوظيفي وتسجيل الأبناء في المدارس والتعامل البنكي وترخيص السيارة ومراجعة الدوائر الصحية وغيرها، وباتت البطاقة كل شيء عمليا لضمان تسيير شؤون الحياة اليومية. شعرتُ أن الأرض سقطت من تحت أقدامي ولعنتُ اللحظة التي وصلت بها إلى الخليج، واضطررتُ لمغادرة الكويت العام 1988 لتجديد وثيقة سفري السورية المنتهية الصلاحية منذ اثني عشر عاما. وزاد الأمر تعقيدا تعرضي لعملية نصب كبيرة باستيلاء شريكي الكويتي على شركة إعلانات تجارية أملكها، لكنها مسجلة باسمه بحكم القوانين السارية في الكويت".
توجه للسفارة السورية التي أخبرته بضرورة مغادرته إلى دمشق لضمان تجديد وثيقة سفره:"غادرتُ مجبرا الكويت بعد خمسة وعشرين عاما من العمل دون مال، وفي المطار قامت أجهزة الأمن السورية بواجب الضيافة. كانت محنتي قاسية في الشام على مدار عام ونصف تقريبا: كنتُ بلا عمل ودون مال، والدي مريض في دمشق، وأفراد عائلتي في الكويت، وعودتي باتت مستحيلة دون تأشيرة دخول ووثيقة سفر. صمدتُ مرغما حتى وفاة والدي العام 1989 وعادت عائلتي إلى الشام، وتمكنتُ من تجديد وثيقة سفري وغادرتُ إلى ليبيا مطلع التسعينات التي لم تكن تطلب حينها تأشيرة دخول لحاملي الوثيقة السورية".
8
غادر إلى طرابلس عاصمة الجماهيرية الليبية ومكث فيها ستة أشهر ونشرت له الصحف الليبية بعض رسوماته الكاريكاتورية بعد علمهم بدوره في التضامن مع أحمد الزواوي رسام الكاريكاتير المرموق لدى تعرضه للاحتجاز في تونس أواسط السبعينات:" الزواوي فنان متميز ورسام كاريكاتير مبدع على صعيد العالم العربي، تعرض للاحتجاز في تونس على خلفية المناكفات السياسية بين البلدين، تعاطفتُ معه كزميل مهنة وشاركتُ في الكويت بفعاليات تضامن نظمتها السفارة الليبية ضد احتجازه، وصدر له كتاب يتضمن مجموعة من أعماله وقدمتُ للكتاب. عُرض علي تسلم منصب أمين بدرجة مدير عام للإشراف على دار الجماهيرية للدعاية والنشر في مدينة مسراطة على شاطئ البحر المتوسط، استأجرت لي المؤسسة بيتا وطلبت مني التوقيع على استلام مستودعات كبيرة، رفضتُ وشعرتُ أني سأكون واجهة للفساد القائم، وقررتُ مغادرة ليبيا بعد لقاء مع الرئيس ياسر عرفات في طرابلس وقد شجعني على الاستقرار في تونس".
أقام في تونس خمس سنوات حتى دق ناقوس العودة للوطن عقب توقيع مبادئ إعلان أوسلو في أيلول العام 1993 وخلال هذه الفترة تفرغ على كادر منظمة التحرير، وعمل في صحيفتي الشروق والصباح:"اكتشفتُُ مبكرا أن هامش الحريات في تونس ضيق يستحيل معه رسم أي كاريكاتير لا ينسجم مع التوجهات السياسية القائمة. عَرضَ أحد زملائي التونسيين أمامي مجموعة كبيرة من رسوماته التي حُظر نشرها، وتساءل بحرقة: ماذا جاء بك إلى هذه البلاد؟"
عمل في "الشروق" بمجال الإخراج الفني فقط، وبحث عن وظيفة في الدعاية والمطبوعات التجارية، ونشر رسومات كاريكاتير مجانية في "القدس العربي" وعندما استقر وضعه في تونس جلب أسرته من الشام:"إقامتي في تونس كانت محنة على المستوى الشخصي، كنتُ بالكاد قادرا على توفير لقمة العيش لأفراد أسرتي، وغير قادر على رسم الكاريكاتير الذي يحتاج سقفا عاليا من الحريات، وبدأت حرب الخليج لاستعادة الكويت من قبضة القوات العراقية، وتعرضت منظمة التحرير لحصار مالي. في زمن المحنة تفجر حنيني للقدس واستحضرتها بمجموعة كبيرة من اللوحات الفنية، رسمتُ نحو مائة لوحة عن بيت المقدس استحضرتها من خيالي وجسدتها أمامي بالألوان الزيتية، وعندما جاءت لحظة العودة إلى غزة أقمتُ معرضا وداعيا باللوحات الخاصة بالقدس فقط، وافتتح المعرض أواخر العام 1993 الشاعر سميح القاسم وكتب بخط يده كلمة ثناء على الجهد الفني. لم يكن بالإمكان رسم اللوحات الفنية للقدس لولا العرض الذي قدمه لي الأخ صخر حبش "أبو نزار" عضو اللجنة المركزية لحركة فتح: توفير مكان هادئ ومواد للرسم وتحمل جميع التكاليف المالية المترتبة على المشروع. شجعني "أبو نزار" على رسم بورتريه، ملامح الوجه، لقادة الثورة الشهداء. رسمتُ إضافة إلى لوحات القدس مجموعة جيدة ومتقنة لوجوه القادة، حتى أنه أطلق علي لقب رسام الشهداء. ارتفعت اللوحات الفنية للوجوه فوق جدران مكاتب قادة المنظمة في تونس قبل أن تعود برفقتهم إلى مكاتبهم في الأراضي الفلسطينية".
9
عادت عائلته إلى الشام، فيما غادر بهاء باتجاه قطاع غزة ضمن الدفعة الأولى للعائدين في السادس عشر من تموز العام 1994:"غادرتُ برفقة أول مجموعة عائدة من تونس على متن طائرة عسكرية هبطت في مطار العريش المصري، وتابعتُ برا إلى مدينة غزة، أقمتُ في فندق على شاطئ البحر، ونجحتُ بعد ثلاثة شهور من الحصول على تصريح لزيارة القدس، أجريتُ مجموعة من الاتصالات الهاتفية لبلوغ بيت بنت عمي في باب العمود. جلستُ في المنزل برهة قصيرة، وطلبتُ الإذن لرؤية بيتي في الزاوية البخارية. لم أشاهده منذ ثلاثين عاما في آخر زيارة برفقة والدي وأفراد الأسرة، مكثتُ فيه عشرة أيام فقط ولم أغادر فيها جدران البيت. انطلقتُ نحو باب العمود وأسواق البلدة القديمة ثم الزاوية البخارية، كان حدسي يقودني باتجاه الأماكن التي أعشقها، شعرتُ وكأني لم أغادر أسوار البلدة القديمة كل هذا الزمن. وقفتُ على قبر جدي وكان المشهد دراميا بكل معنى الكلمة".
استأجر منزلا في بلدة عناتا شمال القدس، وتابع أمر الرقم الوطني لضمان بطاقات شخصية لعودة أفراد أسرته وقد وصلوا قادمين من الشام العام 1994. اتصل بالمحرر المسؤول لصحيفة القدس محمود أبو الزلف، وحجز له موقعا مرموقا في أعلى الصفحة الأخيرة للمباشرة برسم كاريكاتوري ملون ويومي:"عملتُ في الصحيفة خمسة أعوام ثم قررتُ مغادرتها لأسباب مهنية، ولم أستطع التواصل مع أسلوب العمل، وللأسف فقدتُ في الصحيفة النسخة الأصلية لرسوم جيدة لمعت على مدار خمس سنوات في أعلى الصفحة الأخيرة، ولم أتمكن من استرجاع جهدي المبذول في الرسومات لخلل بيروقراطي حكم سلوك طاقم الموظفين الإداري". استقر في رام الله وغادر بيته في عناتا بعد عامين على الإقامة فيها اثر تزايد الحواجز العسكرية الإسرائيلية وقطع التواصل بين مدينة رام الله وضواحيها وبلداتها المجاورة.
أبرم عقدا العام 1999 مع صحيفة "الأيام" التي تأسست في رام الله وباشرتْ التوزيع اليومي مطلع العام 1996:"أرسمُ يوميا منذ عشر سنوات، وعلى مدار سبعة أيام في الأسبوع تصدر فيها الجريدة. وأحرص أثناء سفري على إرسال رسوماتي، وقضيت فترة لدى ابنتي في ألمانيا كنتُ فيها حريصا على تزويد الجريدة برسم يومي، وعندما يغيب الكاريكاتير عن أعلى الصفحة الأخيرة يكون أمر حجبه واستبداله بصورة فوتوغرافية قد صدر من مسؤول التحرير. للأسف لا يحتفظ أيضا طاقم الجريدة الفني أو الإداري بالنسخة الأصلية، لكني تعلمتُ درسا من التجربة السابقة وجهزتُ أرشيفي الخاص".
10
نظم معارض شخصية في رام الله وجامعتي بيرزيت والنجاح الوطنية في نابلس وفي الخليل، وشارك العام 2003 بمعرض للجامعة الأميركية في القاهرة، والتقى المفكر ادوارد سعيد والكاتب حسنين هيكل:"دعيتُ لمعرضي في الجامعة الأميركية أيضا شيخ الرسامين المصريين أحمد طوغان أحد القامات الكبيرة في عالم الكاريكاتير، ولبى الدعوة رغم أنه يناهز الخامسة والتسعين من عمره، والرجل يرسم منذ أيام الملك فؤاد في الأربعينات ولا زال حتى الآن حريصا على متابعة الرسم، لكن للأسف لم يأخذ حقه المعنوي بتكريم يليق به". شارك في معرض للرسوم الكاريكاتورية بأقصى شمال اليابان، وكان أول رسام عربي يشارك في هذا النشاط المنتظم، ونقلت الهيئة المشرفة معرضه الشخصي إلى جامعتي طوكيو وهوريساكي، وشارك أيضا في معرض الدوحة بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة الذي يصادف سنويا في الثالث من أيار.
لبى دعوة للمشاركة في مؤتمر رسامي الكاريكاتير العالمي في القدس الغربية العام 2005:"اشترطتُ معاملتي بمستوى درجة جميع المشاركين ورفع العلم الفلسطيني بجوار أعلام مندوبي البلدان المشاركة. عرضتُ رسوماتي على الجمهور واستحضرتُ كل الأرشيف الفلسطيني لكشف الجريمة الإسرائيلية، وعرضتُ نحو ستين كاريكاتيرا عن جدار الفصل العنصري، وتناولتْ الصحافة الإسرائيلية والأجنبية الموضوعات التي طرقتها، بما فيها قضية اللاجئين وتاريخ بيتي في القدس القديمة الذي يبعد عن سكني عشرة كيلو مترات، ولا أستطيع زيارته إلا بتصريح. أعتقد أن الكاريكاتير يقود معركة في مواجهة الاحتلال ويترفع عن التطبيع كما تعتقد ويظن البعض. التقيتُ رسام الكاريكاتير المصري الشهير مصطفى حسين وحاورته في القاهرة وتفهمتُ رؤيته تماما برفض الالتقاء برسامي الكاريكاتير الإسرائيليين مهما كانت الظروف، وهو على حق لأنه غير مضطر لذلك، بينما أخوضُ في رسومي معركة على جبهة مختلفة. عرضتُ في متحف الكاريكاتير الإسرائيلي في حولون وواجهتهم بخطوطي التي تحمل هوية واضحة في التراث والثقافة العربية، بينما لا تحمل خطوط أربعمائة رسام كاريكاتير إسرائيلي إلا ثقافة البلدان التي هاجروا منها رغم أن كثيرا منها يتميز بالسخرية والذكاء".
شارك العام 2006 في تأسيس المجموعة الدولية " الكاريكاتير من أجل السلام" تحت رعاية صحيفة "اللوموند" الفرنسية ومنظمة اليونيسيف الدولية وبرعاية الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان. أبرز من شارك معه في تأسيس المجموعة الدولية: رسام الكاريكاتير الفرنسي بلانتو والرسامة الأميركية آنا تالانس والإسرائيلي ميشيل كشكا والياباني نو ريو في حين رفض الانضمام للمجموعة رسام الكاريكاتير المصري مصطفى حسين ورسام آخر من إيران :"دعا الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان سبعة رسامين إلى نيويورك، وأعلن تشكيل الإطار الدولي الفني "الكاريكاتير من أجل السلام" وأفتتح زاوية ثابتة لرسومهم الكاريكاتورية بمقره العام في نيويورك تشجيعا للسلام في منطقة الشرق الأوسط، وتلتقي المجموعة التي يقترب عددها من عشرة فنانين منهم الفرنسي ريد رسام صحيفة بروفانس الرئيسية في مدينة مارسيليا ورسام صحيفة الغارديان البريطانية، مرتين كل عام في العاصمة البلجيكية بروكسل لتنظيم معارض مشتركة وندوات ثقافية، ونتلقى أيضا دعوات من فرنسا لإقامة معارض فنية وعقد مناظرات فكرية وثقافية بمشاركة رسامي الكاريكاتير في حوض المتوسط".
تم اختياره العام 2008 كأول عربي لعضوية لجنة التحكيم الدولية الخاصة بمسابقة الكاريكاتير في تركيا ضمن طاقم الحكام الدوليين، واعتبره أفضل جائزة لرسوماته، وتسلم من رابطة الحقوقيين الأميركيين جائزة الشجاعة الدولية وأعتبر رسام الكاريكاتير الثاني الذي يحملها، وكرمته أيضا رابطة رسامي الكاريكاتير في ولاية تكساس الأميركية.
11
تزوج في الكويت العام 1972 من سحر العلاف وأنجبا سبع بنات أكبرهن لينا مواليد العام 1973 ونالت ماجستير بحقل فنون التصوير السينمائي، وأصغرهن ليلى مواليد العام 1988 طالبة كلية الآداب في جامعة بيرزيت، ونالت ابنته بيبا، اسم اسباني شعبي، بكالوريوس الفنون الجميلة من جامعة النجاح الوطنية في نابلس وتقيم مع زوجها في رام الله. أنجب بناته السبع في الكويت باستثناء دينا التي ولدت في دمشق العام 1974 وتقيم حاليا مع زوجها في مدينة هامبورغ الألمانية. يعتبر والد زوجته فوزي العلاف من رواد الصحافة السورية ورأس تحرير مجلة "البلاغ" فيما شغل عمها موفق العلاف سفيرا للجمهورية السورية في الأمم المتحدة على مدار ثلاثين عاما.
يشغل بهاء موضوع الكاريكاتير كل يوم والزاوية التي يتناولها به، ويبذل جهدا لصياغة فكرة جديدة وغير مكررة أو مستهلكة، ومن أجل ذلك يتابع الأخبار والأحداث منذ الصباح، ويتواصل مع الناس في الشوارع العامة ويتلمس معاناتهم عبر الحصار الإسرائيلي وحواجز الاحتلال العسكرية واعتداءات جنوده المتواصلة وحملة اعتقالات أجهزته ومخابراته، وتوسع رقعة الاستيطان ومصادرة الأراضي وقطع الأشجار. يتحسس مخاطر الانقسام السياسي ونتائجه على مسار القضية الوطنية، وكذلك قسوة الظروف المعيشية للمواطنين وتآكل رواتب الموظفين، ويدقق في غول الغلاء وأزمة المرور والمياه وإضراب النقابات وأسعار العقارات..وغيرها، ثم يترك لقلمه في المساء حرية الحركة على الورق وتركيب الخطوط العشوائية كمصيدة لاستدراج أبو العبد، وتوظيف أوجاعه في الشأن الفلسطيني، ثم تلمع الفكرة المبدعة المتجددة والمتوقدة في ذهنه، فيتحول لحظتها بطله أبو العبد، برفقة زوجته وأحيانا أبنائه، إلى "سوبرمان" يطل من الورق بخطوط قوية متماسكة: يعلق ويطلب ويعترض ويفكر ويأمر ويستجيب ويماطل ويناور ويقلق..لكن دون أن يظهر في كل أدواره اليومية المختلفة والمتعددة كضحية محطمة تبكي ضعفها في مواجهة الحصار، بل يصعد سلم الورق كبطل متماسك يدافع عن موقفه في مواجهة كل خصومه وأعدائه من أجل الانتصار عليهم في نهاية المطاف معلنا موقفه بكل جرأة وشجاعة دون تردد أو خوف.