وكـالـة مـعـا الاخـبـارية

د.أحمد الطيبي: أسد بين الضباع!

نشر بتاريخ: 01/12/2015 ( آخر تحديث: 01/12/2015 الساعة: 13:04 )
د.أحمد الطيبي: أسد بين الضباع!
الكاتب: بثينة حمدان
الطفل الشقي الذي أنهك درج البيت صعودًا ونزولاً وهي هواية مزعجة للكبار. اليوم يشق طريقًا يديره نظام عنصري احتلالي ضد الفلسطينيين، الطفل صار أسدًا يحذر الضباع الاقتراب من عرينه مدينة القدس وما حولها، لكن الضباع آكلة الجيف تنتهك المكان.

هو الدكتور أحمد كامل الطيبي ابن مدينة يافا، مواليد الطيبة عام 1958، الأسد الغاضب يصرخ في قاعات الكنيست الاسرائيلي، يشتم الضابط قاتل الأطفال ويهاجم المستوطنين ويدافع عن دوابشة وأبو خضير، وقد يطرد وزيرًا اسرائيليًّا تجرأ وتطاول على فلسطين الجريحة ولا يتردد برفع صورة الشهيد فادي علون متهمًا الاحتلال بقتله عمدًا، هو أسد طيب أيضًا كاسمه فها هو يتلو أسماء شهداء هبة القدس وأول من قرأ للراحل محمود درويش قصائده على منصة الكنيست.

شوارع الطفولة.. وسينما ابو سليم

كان يمشي في شوارع الرملة نائبًا فلسطينيًّا –منذ عام 1999- في تظاهرة ضد الحكومة الاسرائيلية، فكان المكان فرصة ليعيد ذكرياته في حارة بيت جده لوالدته في منطقة "سكنة الجمل"، أوقفته بعض النسوة اللواتي قلن له إنهن يتذكرن أحمد الطفل وطبعًا والدته هيفاء التاجي.

أحمد الذي ولد في طيبة المثلث وعاش فيها، هاجرت عائلة والده ابان النكبة من يافا وتشتت ما بين الطيبة ومخيمي خان يونس وعسكر، والكويت والأردن. وكانت جدته لوالده الحاجة شفيعة تروي له حكاية القصف والتهجير القسري وتصف له بيارات العائلة ولا تنسى زوار يافا من الفنانين والمثقفين عبر ميناء عروس فلسطين. أما في الطيبة فكان يذهب إلى السينما الوحيدة التي يديرها أبو سليم على عجل كبير، وكثيرًا ما توقفت الصورة فيصرخ الجميع: "يلا يا ابو سليم" مستمتعين بأفلام الكاوبوي تحديدًا.

"حتى خم الجاج يا أحمد!"

في بيت جده لوالدته في الرملة كان يشحذ درج البيت المهترئ صعودًا وهبوطًا إلى الطابق الثاني، ويصر على القفز رغم تصميم الدرج القديم، ثم ينطلق إلى الشارع ويركض متسابقًا وأصدقاءه، وفي الطيبة حيث ولد وشبَّ في الحارة الفوقا تحديدًا كان يحب لعب "البنانير" أو "الجلول" ثم يعود آخر النهار ويداه ممتلئتان بالتراب، فيبدأ السجال اليومي مع والدته وحديث النظافة. اعتاد أيضًا أن يصعد الجبل الواقع خلف منزله، وهناك يستمتع بصيد العصافير والحجل، ويذهب إلى السهل ليصيد طائرًا اسمه "اللامي" وحسب وصفه فإن له ذيلا ويحتاج صيده إلى مهارة يتم خلالها مشاغلة الطير بطريقة ما حتى يقترب من مصيدة الدود وقد جمع الديدان من القصب. حتى إن خُم الدجاج الذي كان لجدته يصر الطفل المشاكس على دخوله والعبث فيه فتشكو منه جدته: "حتى خم الجاج يا أحمد!". ولا عجب في أن يكون هو لاعب خط الهجوم في فريق كرة القدم في الحارة والمدرسة.


الأسرلة.. والوعي

كانت إسرائيل قبل عام 1967 تحاول "أسرلة" المدارس العربية رغم وجود منهج مختلف عن المدارس اليهودية، ويذكر أحمد أنه كان يفرض على المدرسة رفع العلم الاسرائيلي والاحتفال بذكرى استقلال وقيام دولة اسرائيل. احتفظت ذاكرته الصغيرة أيضًا بلحظات سماعه نبأ وفاة جمال عبد الناصر وهو في الصف السادس والذي شكل نقطة فارقة في حياته، فقال: "كان رمزًا أذكر أنني بكيت والأولاد كسروا زجاج المدرسة وخرجوا".. وبعد احتلال الضفة تغير المشهد فالوعي والهوية الفلسطينية أصبحت أقوى.

الطالب.. الأستاذ.. الخطيب

حظي أحمد المتفوق وهو في الصف التاسع بفرصة أن يكون معلمًا بطلب من معلمه فقام بتصحيح أوراق امتحان شعبة أخرى، وعن العلامات أكد أحمد أنه كان رفيقًا بزملائه! وضحك. كما طلب منه مدرسو الإنجليزية تدريس حصة لصف أكبر منه، وتمت المهمة بنجاح. أحب الرياضة والرياضيات واللغات فأجاد العربية والعبرية والانجليزية وله اليوم خطابات معروفة فيها بل اختاره الصحفيون البرلمانيون في الكنيست ليكون أفضل خطيب وهي في الغالب ارتجالية، أما صديقه "اللدود" فكان فؤاد عازم وهو منافسه على مرتبة الأول على الصف، افترقا في الثانوية العامة، ذهب فؤاد إلى ثانوية عبرية في تل ابيب وأصبح بروفيسورًا وأخصائي أمراض نسائية ذا شهرة وصيت فيما ذهب أحمد إلى ثانوية الطيرة وهي الأفضل في المثلث.

احتراف العبرية.. في الابتدائية

هو الثاني بين إخوته الستة بعد أخته الكبرى مي، عاش ضمن عائلة متوسطة، والده مدير بنك ووالدته ربة منزل، كان الاهتمام منصبًا على التحصيل العلمي وهو الأسطوانة اليومية لوالدته، ومن والده تشرّب حب اللغات فقد اشترك بعدد من الصحف منها العربية مثل الاتحاد ومنها العبرية مثل هآرتس ومعاريف، بدأ أحمد بقراءتها مبكرًا، بدأ الأمر بصعوبة ومع الوقت عرف أن "اللغة سلاح" فاحترفها، وكان وشقيقه منذر يتناقشان ووالدهما ليفهم بعض الأخبار وخلفياتها السياسية، وأنهى الابتدائية وهو يتحدث العبرية بطلاقة.

أحمد.. زيدان!

تأثر بشخصية صحفية ومؤرخ وأديب لبناني هو جُرجي زيدان الذي يجيد خمس لغات منها العبرية، قرأ معظم كتاباته المختصة بالحضارة الاسلامية، بل وكان طبيبًا ثم تحول إلى التاريخ والأدب كم حصل مع الطيبي الذي تحول نحو السياسة. كان أحمد قد تقدم لامتحان الثانوية العامة الاسرائيلية "البجروت" في مدرسة طيرة المثلث تخصص علمي بيولوجي ونجح بتفوق، لكنه لم يوفق بالالتحاق في كلية الطب منذ البداية بسبب العمر حتى إن جامعات اسرائيلية اليوم لا تقبل في الطب أقل من واحد وعشرين عامًا، لذا التحق بجامعة التخنيون –أي التقنية- وفي الفصل التالي التحق بالجامعة العبرية في القدس، المدينة التي يحب ويقطن فيها اليوم في ضاحية البريد لا يفصله عن جدار الضم والفصل العنصري سوى بضع خطوات.

الحب.. ووجع الأسنان!

كانت الطيبة تتبع قضاء طولكرم، ولقرب المسافة اعتاد أهالي الطيبة الذهاب إلى طولكرم كثيرًا، وكان أحمد يرافق والده إلى طولكرم يذهب معه للتبضع والحلاقة وزيارة بعض الأقارب، واشتهرت المدينة بأطباء الأسنان الذين كان يتوجه إليهم حتى الاسرائيليون. لا يذكر أحمد "أموراً ثورية في الحب" كما قال، بدا وكأنه لا يذكر حبًّا مراهقًا رغم إقراره أنه كانت هناك "شقاوة" ثم أضاف: "ربما وأنا في الثانوية"، ثم انتقل بنا إلى أنه كان يشعر بالمنافسة مع الطالبات المجتهدات في الصف في ثانوية الطيرة المختلطة، وأنه كان يرغب مثل بقية زملائه أن يقضوا وقتًا أكثر معهن بعيدًا عن الدراسة عبر رحلات ونشاطات خارجية.

وفي طولكرم بدأت حكاية أحمد، فإحدى طبيبات الأسنان هي مي زوجته اليوم وأم بناته، كان اللقاء مدبرًا من والدته التي طلبت منه أن يأخذ أخته إلى طبيبة أسنان في طولكرم لأن أسنانها تؤلمها عام 1983، ليعجب فيها من أول مرة فقال: "رأيت فيها الأصالة والنباهة وعزة النفس والجمال.. وجع أسنان أختي سبب سكينة لقلبي"، لاحقًا صار أحمد يتأمل أن يستمر وجع أسنان أخته ليرى مي.. "مي أول حب جدي".

وبعد عام تزوجا، عاشا في القدس ولديهما بيت في الطيبة وعبر معاملة لم الشمل حصلت زوجته في ذلك الوقت على الهوية الاسرائيلية، ابنته يارا طبيبة أسنان، ونتالي ما زالت في المدرسة.

زعماء اليوم.. "زملاء" الأمس!

في السنة الأولى طب أخذته أجواء العمل الطلابي فكان نشيطًا، أبهرته المهرجانات والأغاني الوطنية والتظاهرات ضد عنصرية الجامعة في وجه الطلبة الفلسطينيين. لكن الطبيب الصغير بدأ بمجابهة خصومه الاسرائيليين فقد اشتبك بالأيدي مع تساحي هنغبي رئيس الائتلاف الحكومي والذي كان رئيس لجنة الطلبة اليهود، واسرائيل كاتس وزير المواصلات ومعهم أفيغدور ليبرمان رئيس حزب اسرائيل بيتنا والذي كان حارسًا شخصيًّا -كما قال لنا أحمد- لهنغبي وكاتس، كان ذلك تظاهرة السلاسل الشهيرة فقد أحضروا السلاسل لضرب الفلسطينيين داخل الجامعة في حرم جيفعات رام، جاءوا مع بعض "الزعران" من سوق محنيه يهودا في القدس ترافقهم الشرطة.

وفي السنة الثانية انتقل إلى مشفى هداسا عين كارم فزاد التزامه بالجامعة. وفي السكن الطلابي كان الشيف فهو ملك قلوب الدجاج المقلية بالبصل، وحين يفتقدون اللحم وكثيرًا ما يحدث، يبدأ الحديث عن "ستيك البيض" كوجبة غداء. اليوم زملاؤه في السكن هم مميزون يفتخر أحمد بهم ويذكرهم جيداً ويتابع أخبارهم.

العنصرية.. تطرده من الطب

في السنة الأخيرة حصل على درجة امتياز في الطب والأول على كليته، لكنها كانت السنة الوحيدة التي لم تعلق فيها إدارة الجامعة لائحة الشرف "لأسباب فنية" على حد قولهم أو لأسباب عنصرية ضد الفلسطينيين، وفي السنة التالية التي لم يتفوق فيها عربي أعيد تعليق اللائحة، وتقول المؤشرات إن أحمد كان العربي الوحيد الذي كان الأول على كلية الطب وربما إلى يومنا هذا. بعدها اختص في النساء والتوليد لكن مشكلة مفتعلة مع الحرس الجامعي أدت للاعتداء عليه ورد أحمد بالمثل، وخلال ساعة استدعي إلى لجنة تحقيق طلبت منه الاعتذار للحارس فرفض، ليصدر قرار بفصله.

لاحقاً عمل في مشفى الدجاني بالقدس لمدة عامين، واستمر طيلة فترة الدراسة وما بعدها بالتحدث اعلاميًّا عن مشاكل القدس والفلسطينيين، وتابع اهتماماته بالشأن الاسرائيلي، ثم قادته نقاشاته مع ريموندا الطويل إلى منحى مختلف غير مصيره. لكن ذكرياته في الطب كثيرة فقد اضطر لإجراء عملية قيصرية متعسرة لامرأة مقدسية بعد غياب فجائي للطبيب المناوب، وفعلاً نجح بمساعدة الممرضة، وما كان من المرأة إلا أن تطلق اسم أحمد على رضيعها، وكادت امرأة يهودية تفعل أمراً مماثلاً لكنها قالت له: "اسم أحمد صعب تداوله لدينا".

الطريق إلى الشهيد أبو عمار

كان مهتمًا ومطلعًا وليس سياسيًّا، وكان من رواد الصالون الأدبي والسياسي للكاتبة ريموندا الطويل، التي أخذته للتعرف على الختيار، تشاور وقتها مع صديقه ابراهيم قراعين الذي قال له: "فيها خطورة.. لكن وفاز باللذة الجسور" فالتعرف على عرفات متعة وحدث تاريخي يستحق. سافر عبر باريس إلى تونس عام 1984 وانتظر أحمد الذي كان في السادسة والعشرين من عمره، إلى أن تلقى اتصالاً بالموعد في الثانية صباحًا وهو وقت طبيعي بالنسبة للختيار، ذهب هو وريموندا التي بقيت لدقائق معدودة ثم غادرت، وبدأ الراحل أبو عمار حديثه الأبوي في لقاء لا ينسى مع شخصية يعتبرها "هرمًا من أهرامات العالم" فقال: "دخلت على الرمز الكبير وأنا منفعل جدا، جلس على كنبة شبه مهترئة وعانقني وقال ازيك يا احمد وبدأ يسرد لي ما يعرفه عن عائلة التاجي وعن جدي وعائلة الطيبي، وأن هناك علاقة بعيدة بين عائلته وعائلة التاجي".

ثم استأذن ليأكل فتناول "ساندويشة" من تحت الكنبة وتقاسمها مع أحمد، واستمر اللقاء ساعة ونصف الساعة من الحديث في السياسة، وبعد اسابيع طلب الختيار رؤيته مجددًا، وأصبحت العلاقة مباشرة وكان الحديث يتركز على رؤية وتحليل أحمد للشارع والسياسة الاسرائيلية، وهذا كان محط اهتمام الرئيس الشهيد في ذلك الوقت، في تلك الفترة تعرف الطيبي على الرئيس محمود عباس الذي كان قارئًا في السياسة الاسرائيلية وعلى القيادات الفلسطينية الخالدة أمثال أبو جهاد وأبو إياد، عدا عن نايف حواتمة وكلهم رموز وطنية، وأدى التواصل مع هذه القيادات إلى زيادة التصاقه بفلسطينيته وأثرت على مسار حياته فقد ابعدته عن الطب رغم أنه بقي بلا انتماء لفصيل محدد إلا من الحركة العربية للتغيير.

رافق الطيبي الرئيس الشهيد في مناسبات عديدة مهمة عدا عن استقباله في غزة والتي تعد حدثًا تاريخيًّا، فقد رافقه حين تسلم جائزة نوبل للسلام في السويد، ورافقه للبيت الأبيض عدة مرات منها توقيع اتفاقية أوسلو، وفي واي ريفر، وفي جنوب افريقيا حين التقى نيلسون مانديلا، زاره في حصاره لكنه منع عدة مرات من تخطي حاجز قلنديا فقال على الجزيرة: "أخي جاوز الظالمون المدى" "وأنا اسأل اين هو أخي، فما كان من الرئيس إلا الاتصال به فور انتهاء المقابلة التي أبكت من هم في حصار المقاطعة وقال له: "فحق الجهاد وحق الفدا".

ولا ينسى أنه من المحظوظين الذين أمسكوا بكوفية الشهيد عرفات بعد الحصار قائلاً إنها رمز الكرامة، ولا ينسى دموع الشهيد في غزة حين زاره الطيبي وحكى له عن آثار الحصار وقصة امرأة تنبش النفايات، شاركه في لحظات صمته. لكن في عام 1999 أسس الطيبي الحزب وكان عليه أن يترك منصب مستشار الرئيس عرفات حسب قانون الكنيست فكان رد عرفات: "لا أحد يستقيل من عرفات".

الحلم الثابت.. بين الكلمات العابرة

ظل الدكتور أحمد الطيبي وفيًّا لكل المناسبات الاجتماعية في الطيبة، يتنقل بين الرملة والقدس والعديد من المناطق ملبيًا دعوات الناس وباحثًا عن احتياجاتهم، بل إن سائق الباص أخبرني برغبته شرب الشاي مع الطيبي، مطلب بسيط رد عليه آخر أن الطيبي دائماً في القدس. بكى ثلاث مرات في حياته حين توفي والده وأبو عمار ومحمود درويش، أما الشاعر درويش فكان صديقًا للطيبي وبينهما ورود ألقاها في أمسيته الأخيرة برام الله هدية لابنة الطيبي الصغرى نتالي، ولقاء أخير في باريس ونزهة في شوارعها في حديث وداعي مؤلم وخوف مبطن من عملية جراحية محققة.

في جعبة الطيبي وصية للشهيد عرفات: يا أحمد الحياة بدها وقفة عز... ورغم الصيت السياسي للطيبي إلا أنه يريد العودة طبيبًا يتمتع بأن يكون أول شخص يتلمس الحياة بعيدًا عن معاركه في الكنيست التي لا تنتهي.. وتتلخص كلها بأول قصيدة قرأها لمحمود درويش في الكنيست: "أيها المارون بين الكلمات العابرة، احملوا أسماءكم وانصرفوا".