وكـالـة مـعـا الاخـبـارية

قانون الجرائم الإلكترونية في الأردن: تصدي للشائعات أم تكميم للأصوات؟

نشر بتاريخ: 21/09/2018 ( آخر تحديث: 21/09/2018 الساعة: 12:25 )
قانون الجرائم الإلكترونية في الأردن: تصدي للشائعات أم تكميم للأصوات؟
الكاتب: نضال منصور
تكاد تكون مصادفة مؤلمة إذا ما عرض على أعمال الدورة العادية المقبلة لمجلس النواب الأردني مشروع القانون المعدل لضريبة الدخل ومشروع القانون المعدل للجرائم الإلكترونية؛ ففي الوجدان الشعبي عند البعض فإن قانون ضريبة الدخل سيجردهم من أموالهم دون وجه حق، وقانون الجرائم الإلكترونية لن يسمح لهم بفتح أفواههم للرفض أو التعبير احتجاجا وغضبا.
تتزايد في الأردن بشكل لافت ظاهرة الأخبار الكاذبة والشائعات التي تطال كل شيء. لم يعد هناك الكثير من الخطوط الحمراء التي ظلت لعقود لا يقترب منها الأردنيون بالنقد أو التجريح، وأصبح من السهل متابعة الحض على العنف والتحريض على الكراهية في وسائل التواصل الاجتماعي، وكثيرة هي الأمثلة على التلفيق والافتراء والشتائم والكلام المعيب بحق الكثير من الشخصيات العامة.
وتتنامى هذه الحالة بتصاعد نقاش عن الحل لمواجهة فوضى الشائعات والمعلومات الكاذبة، وهي ظاهرة يعاني منها العالم ولا تقتصر على الأردن، واضطر العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني وفي أكثر من اجتماع مع الإعلاميين مؤخرا إلى التنبيه لمخاطر "اغتيال الشخصية".
تستسهل الحكومات أن يندفع صانعو القرار إلى فرض أو تعديل تشريعي يتعامل ويضبط "المشاكل" إن جاز التعبير التي خلقت لهم "الصداع" والأزمات، والتجارب في هذا السياق كثيرة، وفي شأن حرية التعبير والإعلام واضحة وجلية.
أكثر دليل وحجة دامغة على استخدام القانون كأداة للتقييد أن الحكومات الأردنية المتعاقبة عدلت قانون المطبوعات والنشر منذ عام 1993 أكثر من عشر مرات، وفي كل مرة كانت تريد محاصرة وسائل الإعلام، وإن تذرعت بالتنظيم وحماية المجتمع من التجاوزات والإساءات.
في العام 1997 أصدرت الحكومة قانونا معدلا للمطبوعات والنشر تسبب في إغلاق أكثر من 13 صحيفة أسبوعية لأن المسؤولين لم يعودوا يتحملون نقدها، وعادت الصحف للصدور بعر قرار تاريخي لمحكمة العدل العليا بالأردن بعدم دستورية القانون.
وتكرر ذات المشهد عام 2012 حين عدلت الحكومة قانون المطبوعات والنشر، وهذه المرة "لتأديب" المواقع الإخبارية الإلكترونية وجلبها لـ"بيت الطاعة"، فأغلقت 291 موقعا، واشترطت في سابقة عالمية ترخيص أي موقع في الفضاء الإلكتروني من هيئة الإعلام التابعة للحكومة.
أرسلت حكومة رئيس الوزراء السابق هاني الملقي، قبل استقالتها، للبرلمان قانونا معدلا للجرائم الإلكترونية يقدم تعريفا لخطاب الكراهية، وفرضت على من يدان بهذه الجريمة عقوبة مغلظة تبدأ من سنة سجن وتصل إلى ثلاث سنوات، بالإضافة الى غرامة مالية تبدأ من 5 آلاف دينار أردني (أي ما يعادل 7 آلاف دولار) وتنتهي بـ 10 آلاف دينار أردني (أي ما يزيد عن 14 ألف دولار).
منذ أن طرح هذا التعديل القانوني، لن تتوقف النقاشات والاتهامات؛ فالحكومة ترى أن هذه خطوة هامة لردع المتسببين "بالفتنة" والتشهير بالناس وخاصة الموظفين العموميين ووصمهم باتهامات كاذبة بالفساد، وفي الجانب الآخر يرى إعلاميون ونشطاء حقوقيون وعديد من البارزين في استخدام "السوشيل ميديا" أن هذه التعديلات تستهدف ضرب حرية التعبير والإعلام. وتكميم أصوات الناس.
يدرك المدافعون والنشطاء أنهم باتوا يمتلكون "أسلحة فتاكة" اسمها "السوشيل ميديا"، حيث أسقطوا هيمنة السلطة واحتكارها للمعلومات، وبات كل منهم يمتلك منصته التي يطل منها على الناس ليقول لهم ما يريد.. نعم، ما يريد دون أن ترتجف أوصاله إن قال كلاما معيبا أو انتهك حق الخصوصية للناس!
من غير المنصف إنكار وجود فوضى تسود هذا الفضاء، ومن ينكر حالة التردي يكون كالنعامة التي تدفن رأسها بالرمال؛ غير أن السؤال الملح الذي تتجاهله الحكومات: هل تعديل القوانين وتغليظ العقوبات ينهي أو يحد من هذه الجرائم أو يحسن الحالة المهنية أو يشذب السلوكيات والأخلاقيات؟
كثيرة هي الأسباب التي تدفعنا لمعارضة تعديلات قانون الجرائم وفي مقدمتها الخوف من إهدار الحق في حرية التعبير باعتباره الحق الأجدر بالرعاية، بالإضافة إلى قناعة شخصيات قانونية كثيرة بأن هناك مظلة تشريعية كافية تسمح بملاحقة خطاب الكراهية. وتشير هذه الشخصيات إلى قانون العقوبات الذي يتضمن مواد قانونية تجرم القدح والذم للموظف العام وآحاد الناس، وإطالة اللسان على الأنبياء وأرباب الشرائع السماوية، وخطاب الكراهية وإثارة النعرات الطائفية، وتقويض نظام الحكم. هذه المواد القانونية أمثلة لما يحتويه قانون العقوبات، فماذا عن قانون مكافحة الإرهاب، وانتهاك حرمة المحاكم، والمطبوعات والنشر؟ والسؤال إذن: لماذا الحاجة لتعديل القانون وإضافة نصوص تجريمية جديدة؟
لا تتوقف أسباب المعارضة لتعديل القانون على ما سبق، إنما تمتد إلى التعريف غير المنضبط لخطاب الكراهية، والذي يعطي الحق في التوسع بملاحقة من يستخدمون حقهم بإبداء آرائهم تحت حجة أنها تحض على الكراهية.
أكثر المشاكل التي انكوى بها الإعلاميون ونشطاء السوشيل ميديا هو أن تعريف الأفعال المجرمة غير منضبط، فماذا تعني إثارة الفتنة والنعرات، أو الأمن الوطني، أو الإساءة للاقتصاد الوطني؟
خطاب الكراهية مشكلة دولية توجع العالم، وهناك جدل واسع ونقاشات منذ سنوات للتعامل معها في سياق حقوقي يضمن التصدي لخطاب الكراهية دون المس بحرية التعبير.
أول المبادرات التي لم يلتفت لها المشروع الأردني عند وضع تعريف لخطاب الكراهية الجهود التي بذلتها منظمة "المادة 19" (Article 19) وما أسمته "مبادئ كامدن"، وما تبعه من جهود للمفوضية السامية لحقوق الإنسان والتي انتهت بـ"خطة الرباط" التي كانت نتاج لخمسة اجتماعات واسعة ومتخصصة لخبراء من دول مختلفة.
على الرغم من إقرار النظام القانوني في الأردن بأن المعاهدات التي صادق عليها الأردن تسمو على القانون الوطني، لكن عند التطبيق فإن العديد من التشريعات التي تُسن تضرب بعرض الحائط عند مناقشتها وإقرارها بالمبادئ والمعاهدات الدولية، وربما يكون التعديل المقترح وتعريف خطاب الكراهية نموذجا لهذا التعسف وتجاهل الالتزامات الدولية.
ربما يزيد عدد الذين يملكون حسابات على موقع "فيسبوك" في الأردن على 5 ملايين، هذا عدا عن وسائل التواصل الاجتماعي الأخرى، والتدقيق بالمشهد قليلا يدعو للسخرية، فهل يعقل أن يحال المئات ولن أقول الآلاف الى المدعين العامين والمحاكم لملاحقتهم على أفعال تعتبر خطاب كراهية بنظر السلطة التنفيذية؟ أم ستلجأ الحكومات لتطبيق العدالة بشكل انتقائي على من ترى أنهم "مشاغبون" ومزعجون لها، بمعنى تطبيق "العدالة الانتقائية"؟
أقر مثل الحكومة بأنني منزعج ممن يفتعلون الأزمات ويفبركون القصص ويشغلون الفضاء الإلكتروني بفيلم "بورنو" مفبرك لشخصية سياسية، ولكني أخالفهم في بناء منظومة الحلول. فالتجريم وتغليظ العقوبات ليس الحل. المشكلة في منظومة القيم التي تحتاج إلى تعديل وتغيير، فحين يمارس الناس احترام الرأي الآخر، والقبول بالاختلاف، والاعتراف بأن القيم والأخلاق إنسانية عابرة للأديان والحدود، نكون قد قطعنا نصف مشوار الحل.
لا نحتاج إلى "عصا" السلطة حتى ينضج استخدام المجتمع لـ"السوشيل ميديا"، ربما نحتاج إلى مراصد مجتمعية تدين الأخبار الكاذبة، والإساءات وخطاب الكراهية، وتفضح من يرتكبها ويروجها، وربما علينا الاستدراك لنعيد الاعتبار لتدريس الأخلاق بدءا من رياض الأطفال بالمدارس بدلا من أن يكون شبابنا قنابل متفجرة يختطفهم ويوظفهم الظلاميون و"الداعشيون"!