الجمعة: 12/08/2022

مسرحية التهدئة!

نشر بتاريخ: 13/04/2022 ( آخر تحديث: 13/04/2022 الساعة: 14:43 )
مسرحية التهدئة!



بقلم: د. صبري صيدم

مع قرب حلول شهر رمضان الفضيل ابتكرت حكومة الاحتلال الإسرائيلي مفهوماً ميدانياً جديداً وغير مسبوق في تعاملها مع الشعب الفلسطيني عنوانه: التهدئة، مغلفة ذلك بحرصها الحمائمي المزعوم على أن يمر الشهر الفضيل دونما مواجهات.

وفي مسعاها لإيهام العالم بجديتها المزعومة، فقد بدأت بسلسلة اتصالات ولقاءات واجتماعات وقمم مع مندوبي الإدارة الأمريكية ودول الجوار، وصولاً إلى ما اصطلح على تسميته بقمة النقب المحزنة.

وإمعاناً في تجميل المشهد فقد أطلقت حكومة الاحتلال الصهيوني العنان لإعلامها للتطبيل والتزمير للتهدئة المزعومة والحديث المتصاعد حول ما سمته بتسهيلات الشهر الفضيل. وذهبت في ذلك أيضاً إلى توظيف زيارة رئيس كيانها إلى الأردن لإثارة الأمر ذاته. متابعة إسرائيل لهذا التوجه جعلت البعض يتوهم أنها جادة وصادقة، من دون أن يسأل نفسه، لماذا اليوم؟ وهذا العام؟ ولما لم يحدث الأمر من قبل؟ وما الهدف الحقيقي من ورائه؟

وعلى قاعدة المثل الفلسطيني/العربي البسيط الذي يقول: اللي بيدق الباب بيلاقي الجواب، فإن هذه التهدئة المزعومة كانت تستوجب وقفاً لكل الإجراءات العدوانية على الشعب الفلسطيني المحتل، حتى يدق باب الفلسطينيين بالصمت. وهنا نسأل: هل أوقفت إسرائيل وخلال تنفيذها لمشروع التهدئة المزعوم، مصادرة الأراضي العربية؟ هدم البيوت؟ اعتقال الناشطين؟ الاستيلاء على الممتلكات الفلسطينية؟ اقتحام القرى والمدن؟ استفزازات الشيخ جراح؟ اجتياحات المستوطنين للأقصى؟ مسيراتها العنصرية؟ هل بالفعل فعلت إسرائيل، كل ذلك خلال حديثها عن التهدئة؟ إذا كان الجواب بالإيجاب، فلنذكر المهتمين بمكتب الإرهابي الصهيوني بن غفير في الشيخ جراح واقتحامه للأقصى، والاستيلاء على فندق البتراء في باب الخليل في القدس وغيره من المواقع، واقتحام بعض أركان الحكومة الإسرائيلية للأقصى، والإعلان عن بناء وحدات استيطانية جديدة هذه المرة في النقب وبتركيز أعلى، وتنظيم المستوطنين لمهرجانهم الخطابي في القدس، بحضور رئيس الحكومة المطرود نتنياهو والقائمة تطول.

إسرائيل فعلت العكس تماماً فقتلت فلسطينياً كل يوم تقريباً حتى وصل العدد إلى 355 فلسطينياً في عام واحد وحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، منهم 78 طفلاً، أي ما يصل إلى 22% من عدد الشهداء! وعليه كيف لمراقب ساذج أن يقتنع بأن إسرائيل تتحدث عن التهدئة، بينما تصّعد هجماتها وعدوانها وصلفها وعنصريتها في كل فلسطين؟ وكيف لعاقل أن يعتبر أن ما جرى قد يوّلد هدوءا؟

مسرحية التهدئة هو التوصيف الأصح لما فبركته ونفذته إسرائيل، وهو التقليعة المستحدثة التي خرج بها بينيت لتأجيج الوضع الميداني وقيادة المشهد نحو المواجهة وإلهاب الميدان لتحقيق الأهداف التالية:
ـ تمهيد الأجواء لتبرير صد جيش الاحتلال لهجمات فلسطينية متوقعة تأتي نتاج الضغط الصهيوني.
ـ رفع نسبة العنف في وجه الفلسطيني للظفر بقناعة الناخب الإسرائيلي بأنه أي بينيت، رجل الشدة والحزم مع الفلسطينيين خاصة بعد ان تنّمر عليه نتنياهو وعلى حكومته واصفاً إياهم بالضعف.
ـ لعب دور الضحية من جديد والادعاء بأن إسرائيل إنما تخوض حرباً مزعومة ضد ما تسميه إسرائيل بالإرهاب، لتساهم هذه الحرب بشرعنة الخطوات الصهيونية العدوانية اللاحقة.
ـ ضمان تماسك إئتلافه الحكومي المتشقق بدعوى الخطر الميداني المحدق.
ـ تنفيذ برنامجه الاستيطاني التوسعي وصولاً إلى استئناف المشروعات الأكثر جدلاً كمشروع مستوطنة مطار قلنديا والأي ون حول القدس الكبرى وجفعات هاماتوس التي ستنهي التواصل الجغرافي بين القدس وبيت لحم والخان الأحمر وغيرها الكثير، إضافة إلى استكمال تهويد المسجد الأقصى وبناء الأجزاء المتبقية من جدار الفصل العنصري، ومستوطنات النقب.
ـ إلغاء كل ما أعلن من تسهيلات وهمية خلال رمضان وبدء مسيرة معاقبة المناطق الفلسطينية، التي يخرج منها المقاومون، لوجستياً واقتصاديا وإنسانياً.

مسرحية التهدئة هذه لن تنجح، لأن التاريخ يؤكد أن خسارة الاحتلال في معركته مع الفلسطينيين تكمن دائماً في فشله في محو الهوية الفلسطينية وترحيل الفلسطيني مهما اشتد الخناق.

وعليه فإن بينيت اختار أن يقاتل الفلسطينيين بأدوات الماضي وبطرائقه التقليدية المعروفة وعقليته العسكرية القديمة والمتكررة وبعقيدته الأمنية القائمة على القمع والظلم وبقناعته البائسة بأن الحديد والنار سيدفعان الفلسطيني إلى الاستسلام والإذعان.

المفارقة في الأمر أن بينيت وحكومته يكرران الفلسفة ذاتها، حيث يشير كتاب «هندسة الاحتلال» للكاتب عليان الهندي الصادر عام 2021 إلى أن مراجعة محاضر اجتماعات المنظومة الاحتلالية، تشير إلى إنك وإن استبدلت أركان هذه المنظومة في كل الحقب التاريخية بآخرين، فإن منهجها وطرحها لن يختلف أياً كانت الوجوه.

مسرحية التهدئة، من كتابة دولة الاحتلال وإخراج نفتالي بينيت، وإن تسلحت بصمت أمريكي، وتطبيع عربي، وتهاون أوروبي فإنها لن تنجح في مقابل غليان فلسطيني قد يصل حد الطوفان، عندها ستختلف شروط اللعبة وتسقط المسرحية والمسرح والممثلين وحتى الكومبارس. «بنعيش وبنشوف!»