الحرب على الاسرى الفلسطينيين هي حرب على الرواية الفلسطينية

نشر بتاريخ: 19/05/2020 ( آخر تحديث: 19/05/2020 الساعة: 11:14 )
الحرب على الاسرى الفلسطينيين هي حرب على الرواية الفلسطينية
الكاتب: اكرم عطاالله العيسة

في شهر ايار من عام 2014 اصدر الرئيس الفلسطيني مرسوما بتحويل وزارة الاسرى والمحررين الفلسطينيين الى هيئة تابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية ، وفيما بعد تمت عملية المصادقة على ذلك من قبل مجلس الوزراء الفلسطيني، حيث توقف منذ ذلك الحين حضور رئيس الهيئة والذي هو وفق القوانين الفلسطينية برتبة وزير من حضور جلسات مجلس الوزراء وتحولت مرجعية رئيس الهيئة من الناحية الادارية الى رئاسة منظمة التحرير الفلسطينية بدلا ان كانت تابعه لمجلس الوزراء، اما المرجعية المالية فاصبحت بيد الصندوق القومي الفلسطيني بدلا من وزارة المالية الفلسطينية.

كان من الواضح قبل صدور هذا المرسوم ان دولة الاحتلال واللوبيات الصهيونية والمؤيدون لها يشنون حملة منظمة على الاسرى الفلسطينيين ويعتبرونهم ارهابيين وقد نجحوا فعلا في طرح هذا الموضوع للنقاش داخل اروقة الكثير من البرلمانات الاوروبية مثال انجلترا، وهولندا وبلجيكا والنرويج اضافة الى الكونجرس الامريكي، وكذالك في اجتماعات الدول المانحة وهذا ما حذى بالكثير من الدبلوماسيين الاوروبين والامريكيين لفتح الكثير من النقاشات وصلت احيانا لبعضا من الضغط السياسي والتلويح بالضغط المالي على الفلسطينين من اجل تغيير اليات عملهم مع موضوع الاسرى والمحررين، فكان المرسوم الرئاسي بتحويلها الى هيئة، والذي لم يلاقي القبول لدى الكثير من المؤسسات المعنية بقضية الاسرى او النشطاء العاملين في هذا الحقل، بل ان بعض التظاهرات والاحتجاجات الخجولة خرجت هنا وهناك تنديدا بذلك، الا ان البعض الاخر اعتبر ان تحويل الوزارة الى هيئة لن يمس بالموقف الفسطيني من قضية الاسرى طالما انها مستمرة باداء نفس الخدمات للاسرى.

في سياق التوضيح الذي اورده افيغدور ليبرمان والذي اصدر قرارا بحظر الصندوق القومي الفلسطيني في منتصف آذار 2017 يقول " ان الصندوق يعتبر الخط المالي الاكبر والممول للسلطة بعشرات الملايين من الشواقل والتي تحول شهريا للاسرى الامنيين في السجون الاسرائيلية" هذا دلاله واضحة ان دولة الاحتلال مصره على متابعة ملاحقتها لقضية الاسرى واظهارهم بانهم مجرمين وارهابيين ويجب فقط معاقبتهم، وعاد الفلسطينيين الى قناتهم ومرجعيتهم الاولى وهي وزارة المالية الفلسطينية ، بدون وضوح كامل لاليات هذه العلاقة والتي شابها الكثير من التوتر في احيان عديدة.

كان الاصرار الاسرائيلي في ملاحقة مخصصات الاسرى والاسرى المحررين واضح جدا فالاحزاب الاسرائيلية تبدي تنافسا حادا حول مقدار تطرفها حول الاسرى ومخصصاتهم بحيث تمت تهيئة الكنيست الاسرائيلي والاحزاب الاسرائيلية لهذا الموضوع الى ان قامت الكنيست بتمرير قانون خصم مخصصات الاسرى والشهداء من ضرائب السلطة الفلسطينيه وتثبيته بالقراءتين الثانية والثالثه بتاريخ 11 حزيران 2018.

في شهر شباط2019 صادق مجلس الوزراء الامني لدولة الاحتلال على خصم ما يقارب 138 مليون دولار من اموال المقاصة التي تقوم دولة الاحتلال بتحصيلها لصالح السلطة الفلسطينية على اعتبار ان هذا المبلغ يذهب لصالح الاسرى والمحررين . على ضوء ذلك كان الموقف الفلسطيني المعلن حاسما وقطعيا بانهم لن يستلموا اموال المقاصة منقوصة وقد بدا في حينه ان هنالك اصرارا على تنفيذ الموقف بغض النظر عن التبعات الاقتصادية، وكانت التصريحات السياسية من سلم الهرم السياسي الفلسطيني ومن الحكومة باننا لن نستلم الاموال منقوصة وان قضية الاسرى الفلسطينيين محورية وبان الفلسطينيين سيعطون الاولوية لدفع مخصصات الاسرى والمحررين ، لا شك ان هذا القرار الفلسطيني لاقى قبولا فلسطينيا واسعا على الرغم من آثاره وتبعاته الاقتصادية المؤلمة.

في بداية تشرين الثاني 2019 وعلى ضوء لقاءات فلسطينية اسرائيليه عديدة قبلت السلطة الفلسطينية باعادة استلام اموال المقاصة منقوصة بحيث بدا واضحا ان دولة الاحتلال مصممه وان الامر ليس قرارا بيد الحكومة او الاجهزة الامنية الاسرائيلية انما هو قانون تم اقراره من قبل الكنيست وبدأ الموقف الفلسطيني خجولا غير واضح وان السلطة لا تريد الدخول في مواجهة مع دولة الاحتلال، وحتى اللحظة فان حيثيات الاتفاق المعروفة هي ما تم اعلانه من قبل الصحف الاسرائيلية، اما لماذا تراجع الفلسطينيين فيكاد لا يوجد اي تصريح رسمي فلسطيني وتبقى قضية الاسرى ومخصصاتهم قضية خلافية.

هي حرب اسرائيلية معلنه على الرواية الفلسطينية وربما تكون اخطر من كل القضايا السياسية الاخرى، فدولة الاحتلال تعبر بذلك عن رفضها انها دولة احتلال ولا تتعطي اي اعتبار لكل القوانين الدولية وان الاراضي الفسطينية ملك تاريخي لها واما من يتصدى لذلك فهو ارهابي ومجرم يجب معاقبتة، لهذا فان الاحزاب الاسرائيلية وبعض المؤسسات الصهيونية أبقت على ملاحقتها لقضية الاسرى سواءا بالسعي لقوانين جديدة لتجريم الاسرى والنيل من حقوقهم او بتهديد المؤسسات الفلسطينية التي تتعامل معهم.

قبل ان يصدر قائد جيش الاحتلال في الضفة الغربية قراره القاضي باعتبار اموال مخصصات الاسرى اموالا محظورة بدأت دولة الاحتلال بالاستيلاء على اموال الاسرى المقدسيين عبر مداهمه بيوتهم ومصادرة اية اموال يجدونها وهذا ما مثل تضيقا للخناق على الاسرى وعائلاتهم، واما عندما صدر القرار في نيسان 2020 فقد أخذت الامور منحى آخر يمثل استمرار للحرب على الرواية الوطنية الفلسطينية.

اما الغريب في الامر والذي مثل استهجانا شعبيا وحتى رسميا في بعض الاحيان فهو موقف البنوك الفلسطينية التي بدأت باغلاق حسابات الاسرى وأعادت مخصصاتهم الى وزارة المالية مطلع نيسان الحالي، حيث انها تلقت رسالة تحذرية من موريس هيرش والذي كان يوما المدعى العام الاسرائيلي في الضفة الغربية، وهو حاليا مدير مؤسسة " نظره للاعلام الفلسطيني" ولا يمثل اي موقع احتلالي رسمي يذكر البنوك الفلسطينية بضروة الالتزام بالقانون ويذكرهم بقرار قائد جيش الاحتلال الخاص بخصصات واموال الاسرى ويهددهم بالملاحقة القانونية" الغريب ان البنوك استجابت على الرغم ان الرساله من مؤسسة اسرائيليه غير حكومية، وهذا ما اثار اللغط في الشارع الفلسطيني حول ولاء البنوك الفلسطينيه.

موقف الحكومة الفلسطينية فكان التدخل لدى البنوك والاتفاق معها على تجميد قراراها واعادة تفعيل حسابات الاسرى وتشكيل لجنة لدراسة الموضوع والخروج بتوصيات، وهنا تبرز العديد من الاسئلة الجوهرية والمحورية وبعضا منها معتمدا على سياق التعامل مع قرارات وقوانين اسرائيل تجاه مخصصات الاسرى.

اولا – هل النقاش يجري في اطار ايجاد بدائل للبنوك ؟ وبالتالي القبول ضمنيا بموقف البنوك وتخوفاتها من الملاحقة القانونية الاسرائيلية، وهذا يذكرنا بموقف تحويل المتابعة المالية لهيئة الاسرى من وزارة الماليه الى الصندوق القومي وبعد اغلاقة العودة ثانية لوزارة المالية.

ثانيا – هل ستتخوف السلطة الفلسطينية من الدخول في صدام جدي مع البنوك التي قد يهدد بعضها بالانسحاب من السوق الفلسطيني وتقبل اي السلطة بايجاد بديل مثل بنك البريد، مع العلم ان بنك البريد لن يكون بعيدا عن المطاردة الاسرائيلية؟ للعلم فان احد البنوك الفلسطينية قد توقف قبل عامين عن فتح حسابات للاسرى بعد ان رفعت قضايا ودعاوي ضده فى الولايات المتحدة ولم يكن موقف رسمي او شعبي اتجاه هذا البنك.

ثالثا – طلما يدور الحديث عن بدائل فان بعضا من الدول الاوروبية تطرح ان يتم تحويل الاسرى ومخصصاتهم الى وزارة التنمية الاجتماعية بحيث تقوم اسر الاسرى بتلقي مخصصات محددة وثابته لكونها فقدت معيلا لها او احد الافراد المعيلين لها، وهذا احد اخطر الحلول فهو يفرغ قضية الاسرى من اية مضامين نضاليه ويساوي بين طريقة تعامل بعض الدول في العالم مع سجنائها المدنيين واسرهم، وفي اعتقادي لن يرضي دولة الاحتلال.

كان الشعار الفلسطيني دوما ان الاسرى ومخصصاتهم واسرهم خط احمر، ولكننا تجنبنا المواجه امام هذه القضية المحورية وتقبلنا دوما سياسة البحث عند بدائل وهربنا الى الامام تخوفا من المواجهة وربما اوهمتنا بعض الدوائر الاوروبية و الامريكية بان بدائلنا ستكون مقبولة على الاسرائليين، ان دولة الاحتلال التي ضمت يوما ما القدس وهضبة الجولان وستقوم قريبا بضم مناطق واسعه من الضفة الغربية ستستمر دوما بالحرب علينا وعلى روايتنا، وان القبول باستمرارية الهروب للامام في قضية الاسرى سيفرغ مشروعنا الوطني من اهم محتوى نضاله له، لهذا فان قضية الاسرى وحساباتهم البنكية ليست بحاجة الى لجنة فنيه للنظر فيها انما بحاجة الى قرارات سياسية وربما مصيرية.