Advertisements

النجاح جميل ومبارك لكن دون فوضى الإحتفالات

نشر بتاريخ: 12/07/2020 ( آخر تحديث: 12/07/2020 الساعة: 19:43 )

الكاتب: السفير منجد صالح

قبل كل شيء نتقدّم بأجمل التهاني وأعطر التبريكات لكل أبناء الشعب الفلسطيني، أبناء وبنات الوطن، الذين جدّوا وإجتهدوا خلال فترة عصيبة ونجحوا في إمتحانات التوجيهي، فألف مبروك لهم جميعا.

ونتمنى لهم أبواب جامعات مفتوحة على مصراعيها أمامهم وأمام طموحاتهم، كما نتمنى أن تتمكّن جيوب اهاليهم من تحمّل نفقات الجامعات، في المستقبل المنظور إن شاء الله، إذا ما تخطيّنا سريعا جائحة الكورونا وفتحت الجامعات والمدارس أبواب صفوفها، لتستقبل الناجحين الجدد المتحفّزين المتشوّقين لمقاعد الدراسة، وزملاءهم الذين تخلّوا قسرا عن مقاعد الدراسة بسبب ظروف الجائحة.

لكن الجميع يعرف أو آمل أن أصبح الجميع يعرف بأننا في فلسطين نمرّ بظروف صعبة، فنحن موجودون على طول وعرض الوطن تحت حالة الإغلاق ضمن حالة الطوارئ، والتي تتطلّب من الجميع دون إستثناء، وتحت كافة الظروف الإلتزام بقواعد ومتطلّبات حالة الطوارئ، وعلى رأسها التباعد الإجتماعي وعدم القيام بتجمّعات، وخاصة الأعراس ومناسبات الأفراح والأتراح.

والنجاح في التوجيهي هي مناسبة يُفترض أن يفرح الناس فيها لأولادهم وبناتهم وأشقائهم وشقيقاتهم وأحفادهم وحفيداتهم، لا أن يملؤا الدنيا ضجيجا وأن يضرّوا أنفسهم باصابات وجروح وبتر أصابع، كنا جميعا في غنى عنها، لو التزمنا بطقوس وآداب الفرح وما يتناسب مع الظروف الصعبة التي نمر بها.

الإصابات في فلسطين بفيروس الكورونا بلغت حتى تحديث اللحظة 6688 حالة مؤكّدة، منها 710 حالة تعافي، و34 حالة وفاة. مع العلم أننا، في الشهور الثلاثة الأولى من عمر وباء الكورونا لم تتجاوز الإصابات في فلسطين ال 700 حالة، منها 85% حالة تعافي، وفقط حالتي وفاة.

إنظروا كيف قفز مؤشّر الإصابات في الأيام الأخيرة، في ظل عدم الإلتزام. في يومين فقط من هذه الايام يُسجّل المؤشر عدد إصابات توازي عدد إصابات الثلاثة شهور الأولى، عندما كان هناك إلتزام بالحجر والمكوث بالمنازل وعندما كانت صالات الأعراس مقفلة.

يُريد الناس أن يفرحوا، لا بأس، لم لا؟ ولكن في حدود المحافظة على سلامتهم وسلامة عائلاتهم وجيرانهم والمواطنين جميعا.

إستيقظنا صباح اليوم السبت، في مدينة رام الله، في حي الارسال والمصايف، وبصدق ودون مبالغة، "مذعورين"، إعتقدنا أن "الحرب" قد قامت، أن هناك إجتياح إسرائيلي غير مسبوق، فأصوات المفرقعات وضرب النار يصمّ الآذان من عدّة جهات. أصوات إنفجارات قويّة تهزّ جنبات العمارة والعمارات المُجاورة.

لقد مرّت عدة دقائق حتى إستوعبنا أن كثافة النيران هذه ما هي إلا "نيران صديقة"، نيران المفرقعات والألعاب النارية والشماريخ، إحتفالا بمناسبة النجاح في إمتحانات التوجيهي.

جبهة قتال دون مقاتلين، جبهة حرب دون متحاربين، وإنما ناجحين بمعدل مقبول أو جيد أو جيد جدا، لأن التجارب علّمتنا من السنوات السابقة بأن كثافة النيران والألعاب النارية عادة ما تصدر عن اولئك متوسّطي المعدّلات، أو الذين تفاجأوا من نجاحهم، فامطروا الحي بالألعاب النارية إحتفاء وزهوا "بنجاحهم" هذا غير المُتوقّع!!!

هناك تقديرات، ربما مبالغ بها قليلا، بأن ما أطلق من الصباح وحتى فجر اليوم التالي من ألعاب ناريّة بكافة أنواعها ومسمّياتها، قد بلغت تكاليفها زهاء ال 4 مليون دولار. يا إلهي أربعة ملايين دولار هُدرت على المفرقعات والألعاب النارية؟؟؟!!! ونحن نمرّ بظروف إستثنائية في الصعوبة، فالموظفين الحكوميين تقاضوا رُبع راتبهم فقط عن كل شهر من الشهرين المنصرمين أيّار وحزيران، ولا توجد أيّة بوادر ولا مؤشّرات بأن شهر تموز الجاري سيكون أفضل من أخويه السابقين.

وكم من طلاب ناجحين فرقعوا ألعابا ناريّة وكانوا من أبناء الموظفين خاليي الجيوب، وهل إستدانوا ثمن الشماريخ من الأصدقاء والجيران أم أنّهم سجّلوا ثمنها على قائمة الديون لدى حانوت البيع في حيّهم؟؟!!

هذا عدا عن قوافل السيّارات والجيبات التي كانت تجوب الشوارع والأحياء بشبابيكها المفتوحة، يخرج منها نصف أجسام الشباب على نمط الإحتفال بالنصر في مباريات كرة القدم الدولية.

وأبواق السيّارات "تزأر" مخترقة حاجز الصوت وكأنها طائرات نفّاثة تخترق حاجز الصوت وتوقظ كل من تجرّأ وبقي في فراشه ليستريح قليلا من عناء يوم سابق.

فجميع سكّان الحي مدعوّون، برضاهم أو رغما عنهم، للمشاركة في الإحتفال الصباحي المهيب. ولله في خلقه شؤون، ولا حول ولا قوّة إلا بالله.

كاتب ودبلوماسي فلسطيني