السبت: 19/09/2020

استقلال أم تحرير؟​​​​​​​

نشر بتاريخ: 04/08/2020 ( آخر تحديث: 04/08/2020 الساعة: 15:17 )

الكاتب: حيدر عيد

يبرز على السطح هذه الأيام جدل الحلول السياسية المناسبة للقضية الفلسطينية ومدى قدرة هذه الحلول على تحقيق الحد الأدنى من الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني بكل مكوناته. فما بين مؤيدي و مؤدلجي حل الدولتين و أنصار حل الدولة والمدافعين عن حل "اللاحل" يدور نقاش مثمر في بعض الأحيان، و سفسطائي في الكثير منها. لكن من الملاحظ إنتقال بعض أهم الأصوات المنادية بحل الدولتين إلى الصف الآخر فقط لسقوطه سقوطاً مدوياً. فخيارالدولة المستقلة أصبح مستحيلاً لأسباب عدة منها اتخاذ اسرائيل خطوات عملية على الأرض لإنهاء هذا الخيار من تحويل المستوطنات، بعد توسيعها، الى مدن وزيادة عدد المستوطنيين الى أكثر من نصف مليون، وبناء جدار الفصل العنصري، وتوسيع القدس الكبرى ، وعملية التطهير العرقي الممنهجة فيها ، وتحويل القطاع الى أكبر مركز اعتقال على سطح الكرة الارضية ، وبموافقة ومشاركة دولية وعربية. ناهيك عن قيام اسرائيل بتوجيه رصاصة الرحمة لهذا الخيار من خلال طرح "خطة الضم" المكملة لصفقة القرن الأمريكية, و اللتان تنهيان بالكامل أي أمل بتحقيق ما يسمى بالدولة الوطنية على جزء صغير من أرض فلسطين التاريخية.

و الحقيقة أن أي قراءة دقيقة لمقالات و تصريحات أصحاب حل الدولتين الأخيرة تبرز مدى الخلط، و أحيانا التشويش، البوست كولونيالي بين مفهومي الاستقلال و التحرير. فالاستقلال، برموزه المتعارف عليها، لم يكن في يوم من الأيام ليشكل إشكالية لكثير من القوى الاستعمارية. فنظام الأبارثهيد العنصري كان مصّراً على منح السكان الأفارقة "استقلالاً" شكلياً في عدة دول أطلق عليها حرفياً لقب "أوطان مستقلة!"

تاريخياً، كان حصر القضية الفلسطينية والأهداف النضالية في "حلم الاستقلال" ، أي اقامة الدولة ،قد بدأ يأخذ أولوية غير مسبوقة في العقود الثلاثة المنصرمة حيث أن الهدف التحرري أصبح ينحصر في النضال من أجل اقامة "دولة فلسطينية مستقلة" منزوعة السلاح على نمط المعازل الجنوب افريقية سيئة السمعة والتي لم تنل أي اعتراف دولي الا من اسرائيل . بمعنى آخر فإن الشرخ العامودي في الوعي النضالي الفلسطيني ,من خلال عملية تصنيم لفكرة الدولة على حساب التحرير واسقاط حق العودة ، والتكرار الممل لمعزوفة ” المشروع الوطني الفلسطيني ” ، أصبح بالضرورة يتصادم مع تطلعات الغالبية العظمى من أبناء الشعب الفلسطيني من حيث كونهم لاجئين كفل القانون الدولي حق عودتهم . و هذا يحتم علينا طرح البديل بدلاً من انتظار ما يفرضه علينا "المجتمع الدولي" و/أو دولة الأبارثهيد و الاستعمار الإستيطاني. فمنطق القبول التنازلي بدويلة على 22%من أرض فلسطين التاريخية يعتمد أساساً على أن هذا ما يريده "المجتمع الدولي", و هو نفس المجتمع الذي أخذ عقوداً من الزمن للوقوف ضد نظام الأبارثهيد، لولا صمود و مبدئية الحركة المناهضة للعنصرية في جنوب أفريفيا و حلفائها.

و كانت بذور أيديولوجيا "الاستقلال" قد بدأت بالنمو المتسارع مع تحول الوعي الوطني الذي كان يشكل تياراً سائداً إبان الانتفاضة الأولى إلى وعيٍ زائفٍ نتاج عملية انزياحات طبقية و انتشار ثقافة استهلاكية وصولاً إلى تصنيم فكرة الاستقلال حتى لو كان ذلك في معزلٍ عرقي/بانتوستان, أو معسكر إعتقال شبيه بأوشفيتس, و بروز ثقافة فصائلية غير مسبوقة ترى أن تعريف الوطنية و/أو التدين يكمن في الدفاع عن الفصيل المهلهل أيديولوجياً أحيانا و المتزمت أحيانا أخرى. وأصبحت الألقاب الاجتماعية --و "أرقاها" لقب وزير-- و الحصول عليها الهّم السائد للنخب الطبقية التي أجمعت على برنامج حل الدولتين الإقصائي, على الرغم من تخليه عن حقي العودة و المساواة, والادعاء أن الدفاع عن "المشروع الوطني" و/أو "الحكومة الربانية" يتطلب التضحيات من الطبقات المحكومة, و المسحوقة في كلا الحالتين. من الملاحظ في هذا السياق قبول جناحي اليمين الفلسطيني بدولة مستقلة على جزء صغير من فلسطين. و هكذا نجح وهم الدولة الفلسطينية المستقلة بخلق حالة غير مسبوقة لأي حركة تحرر وطني في الدول التي عانت من الاستعمار, الاستيطاني منه بالذات, من حيث التخلي عن حقوق ثلثي الشعب , و ما ولّده هذا الوهم من رموز عملت على تعزيزه كأيديولوجيا عقائدية غير قابلة للنقاش! بالمنطق الفانوني فإن أنزلاقات الوعي الوطني في الحالة الفلسطينية قد بدأت حتى قبل انسحاب قوات الاستعمار و تسليمها السلطة "الوهمية" لجزء من أبناء البلد الأصلانيين.

و الحقيقة أن الإصرار العدمي على أن الدولة المستقلة على حدود 67 هي التجسيد العملي لحق تقرير المصير، بل الحل "الواقعي" الوحيد، على الرغم من فجاجة الطريقة التي تم تصفيته بها من قبل الولايات المتحدة و اسرائيل دليل على ضرورة تجاوزهذا الخطاب السائد كليا

مرة أخرى، فإن الإستفادة و التعلم من تجارب الشعوب التي ناضلت ضد الأضطهاد ليس عيباً, بل هو واجبٌ وطني. فجنوب أفريقيا تعلمت من الجنوب الأمريكي و نضال الأفارقة الأمريكان ضد قوانين جيم كرو, و من ايرلندا الشمالية التي بدورها استفادت من النضال الهندي و الجزائري...الخ مع الاحتفاظ بالخصوصيات النضالية المحلية. و من المعروف أن أقرب التجارب النضالية شبهاً بالكفاح الفلسطيني هي تجربة الحركة المناهضة للتفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا و بالذات في مرحلة الثمانينيات من القرن الماضي حيث تكثف النضال المدنيو المقاومة الشعبية المصحوبين بحركة مقاطعة دولية هائلة أدت في المحصلة النهائية ,و بعد تراكمات عدة ,للقضاء و بشكل كامل على نظام التفرقة العنصرية. و كان التناقض الرئيس, و برؤيةٍ سياسيةٍ واضحة ,مع نظام الأبارتهيد على الرغم من محاولات ذلك النظام جعله تناقضاً ثنائياً أقل أهمية من التناحر بين حزب المؤتمر الوطني الأفريقي و حزب الحرية إنكاتا. و تعددت أشكال النضال و لكن تم التركيز على ما يصيب النظام العنصري في الصميم حيث أن المرحلة التاريخية في ذلك الوقت تطلبت تعبئة الرأي العام الدولي و دعوة مؤسسات المجتمع المدني, التدخل لصالح المضطهَد و مقاطعة المضطهِد. لم يكن هناك أي تعال نخبوي أو احتكار للأساليب النضالية و النظر للقضية من منظارٍ أيديولوجيٍ ضيق ينفي أي رؤيةِ أخرى.

ما الدفاع عن حل الدولتين العنصري على انه الوحيد المتاح في ظل موازين القوى السائدة، والتهديد فقط بطرح حل الدولة الواحدة ، مع الخلط بين حل الدولة الديمقراطية وحل الدولة ثنائية القومية ، كفزاعة ليس فقط لاسرائيل بل أيضا لنا سكان الارض الاصليين . أو ان حل الدولتين لازال برنامجا مرحليا مناسبا الا سقوط أيدولوجي مدوي في مستنقع تبرير ما لا يمكن تبريره حيث أنه لا يلبي الحد الأدنى من الحقوق الأساسية بما فيها حق تقرير المصير لكل أبناء الشعب الفلسطيني كما عرفه الميثاق الوطني.، و هو نابع عن عدم الايمان بقوة الشعب والتضامن الدولي الجماهيري في احداث تغييرات ثورية على نمط ما حصل ضد نظام التفرقة العنصرية.

يكمن التحدي الآن في الوصول لحالة من الإجماع على عدم التنازل عن أي حق من حقوقنا الأساسية و عدم وضع أحدها في مرتبة أعلى من الأخرى. و يبدو أن هذا ما تعجز التيارات السياسية السائدة عن تحقيقه في محاولتها للإجابة على سؤال "ما العمل؟" و ذلك نابع من خلط أيديولوجي طبقي لمفهومي الاستقلال، من ناحية، و التحرير، من ناحية أخرى. إن كفاح الشعب الفلسطيني و التضحيات الجسام التي قدمها منذ بداية القرن المنصرم حتى اللحظة هو سعي حثيث نحو تحرير الأرض و الإنسان في مواجهة استعمار استيطاني إحلالي شكل منذ نشأته خطراً وجودياً على سكان الأرض الأصلانيين.