الأربعاء: 28/10/2020

دمرت اقتصادنا كورونا والمبادرات ستساهم في التخفيف من وقعها

نشر بتاريخ: 27/09/2020 ( آخر تحديث: 27/09/2020 الساعة: 13:11 )

الكاتب: رولا سلامه

يشكو الناس هذه الايام صعوبة الحياة وقسوتها ، ويشكون كذلك من الأوضاع الاقتصادية الصعبة والاجتماعية الأصعب ، يشكون من كورونا وما أحدثته من تغييرات سلبية على حياتنا ويشكون من أثار التباعد الاجتماعي على شيوخنا وحجاتنا وأطفالنا وعلى أسرانا واسرهم حيث منعت الزيارة لاخوتنا وأخواتنا الأسرى والأسيرات ، يشكون من أثار كل ما يمر علينا وعلى نفسياتنا وعلى طاقاتنا الايجابية التي كادت أن تختفي ، كنا نشكو من الاحتلال وأثاره التدميرية على حياتنا ومستقبل أبنائنا ، على أرضنا وزرعنا ، على مياهنا وثرواتنا ، ولكننا الأن بتنا نشكو من الاحتلال ومن كورونا ومن الضائقة الاقتصادية ومن تفشي البطالة ومن الأوضاع السياسية المتدهورة ، نشكو من كل شيء .

في جولة سريعة وقصيرة لأسواق رام الله التي كانت تعج بالحياة والحركة والنشاط قبل كورونا ، استوقفنا بائع الذرة الذي يمسك بيده صحيفة ويقلب صفحاتها كأنه يبحث عن شيء ما وينظر خلسة لليمين واليسار عله يجد من يقف أمامه يطلب منه كأسا من الذرة الساخنة ، سألته وأنا اعرف الاجابة مسبقا ، كيف الحال هذه الأيام ، فأجاب مبتسما : انظري الى حالي وحال من حولي واقرأي ما هو مكتوب على وجوهنا ، فنحن نخرج كل صباح ونعود للمنزل كل مساء ونقف في الشارع طوال اليوم وعندما نرجع للمنزل يكون معنا أقل من نصف ما كنا نتوقعة ، فالناس باتت تشتري ما هو أساسي فقط ، وأوضاع الناس صعبة ، فأحيانا يمرون مع أطفالهم ويطلب الأطفال الذرة ولكن الأهل يأخذونهم بعيدا عن العربة ، تخيلي الصورة بنفسك واحكمي على أوضاعنا .

واستوقفني أيضا العديد من أصحاب المحلات التجارية من ملابس واكسسوارات وأحذية ، يقفون على مدخل محالهم وبيدهم هواتفهم النقالة ، يتصفحون الانترنت أو يلعبون لعبة مسلية تقضي على الملل والكابة وضعف النشاط الاقتصادي وغياب الزبائن .

بضائع متكدسة في المحال التجارية والأسواق ، وزبائن يسيرون في الشوارع ينظرون للمحال وما تعرض من بضائع ويتحسرون ، فالموظف الحكومي وعلى مدار ستة أشهر لم يستلم من راتبه الا النصف ، وعمال المياومة لا يجدون من يشغلهم ويدفع لهم أجرهم الزهيد ، والشباب في الشوارع ينتشرون يبحثون عن فرصة عمل أو ينتظرون صديق عله يجد لهم مخرجا من ضائقتهم المالية والتي باتت لا تحتمل وأخرون يتسكعون دون هدف أو غاية .

ماجد ، شاب في الثلاثين من العمر ، كان يعمل في مقهى صغير في مدينة طولكرم ، يأخذ 70 شيكلا يوميا نظير عمله لما يقرب من 10 ساعات في اليوم ، واستمر كذلك لأكثر من 4 سنوات ، وعندما جاءت كورونا واغلقت المقاهي والمطاعم لفترة ، استغنى عنه صاحب العمل وعاد ليجلس في المنزل يفكر بحاله وحال اسرته المكونة من 4 أفراد ، وايجار المنزل ومصاريف المياه والكهرباء ، وتكاليف الطعام والشراب ومصاريف المدرسة والأطفال ، سألناه كيف يدبر اموره في ظل هذه الظروف الصعبة ؟ فأجاب بحالة من اليأس والكابة : أشكر الله أن لي صديق بمثابة الأخ الكبير ، أميل عليه وأقترض منه ، الظروف صعبة على الجميع ، وان شاءالله أعود لعملي بعد أن تتحسن الظروف ونخلص من كورونا ، فصاحب المقهى يحبني ويريدني أن أعود ولكنه أخبرني أن الوضع لا يسمح لعودتي للعمل الأن ، الله يساعد الناس فأنا وضعي أهون من غيري .

فلنتخيل أن من كان يعمل أًصبح بلا عمل ومن كان عاطلا عن العمل أصبح يشكو من صعوبة أو استحالة حصوله على العمل في ظل كورونا ، وتهديد الحكومة بأن الوضع يسير نحو الأسوأ وان بقي الحال على ما هو عليه أو زاد سوءا فستلجأ الحكومة للتشديد من جديد .

ان كل ما يحصل من انتشار لكورونا وتأثيره على النواحي الاقتصادية بشكل كبير ، والضغوط السياسية على القيادة الفلسطينية وعدم تحويل المساعدات المالية التي كانت متوقعه ، اضافة للضغوط التي تفرضها حكومة ترامب على الدول العربية لوقف مساعداتها للسلطة الوطنية الفلسطينية ، وحصار غزة للعام الرابع عشر على التوالي وما أحدثه هذا الحصار من مشاكل اقتصادية واجتماعية غاية في الصعوبة والتعقيد وانهيار المنطومة الصحية هناك ، اضافة لغلاء الأسعار الجنوني في كل من الضفة الغربية وغزة ، فمن يتجول في أسواق الخضار يجد أن سعر كيلو البندورة 6 أو 7 شيكل وأن سعر الكوسا أو الباذنجان أيضا مشابه وسعر الموز 7 شيكل للكيلو ، أما سعر الخيار 4 شيكل للكيلو ، فهل تستطيع اسرة في أحسن أحوالها تستلم شهريا نصف راتبها أن تعيش حياة كريمة وتوفر قوت أبنائها بهذه الأسعار الخيالية .

اننا ومن منطلق المسؤولية الاجتماعية وقبلها الأخلاقية مطالبين أن نقف صفا واحدا مع أبناء شعبنا فقد نجد بيننا من يستطيع أن يساهم ولو بالقليل لسد رمق اسرة اخرى ، نحن بحاجة أن نعود للتكافل الاجتماعي والتكافل الأخلاقي وأن نزرع هذه القيم والأخلاق بين أبنائنا ، وأن نشركهم معنا بالمبادرات الهادفه لدعم الأسر الفقيرة أو الأسر الأشد فقرا بيننا ، نحن بحاجة لأن نبدأ وبسرعة في توفير الطرود والمساعدات وتوفير متطلبات الحياة الأساسية للأسر التي تعاني من ظروف صعبة أو من بطالة أنهكتها .

ان انطلاق العديد من المبادرات في معظم محافظات الوطن ، قد ساهم في انقاذ العديد من الأسر ، وساهم كذلك في توفير السلات الغذائية المختلفة ، فهذه دعوة لان نتحرك من جديد وأن نجمع كل ما يمكن جمعه لتوزيعه بعدالة على الأسر الفقيرة والمعوزة ، فقد انطلقت على مدار الأشهر الأربعة الأخيرة العديد من المبادرات لجمع الخضار والفاكهة وتوزيعها على من هم بحاجة لها ، كما انطلقت مبادرات لجمع الملابس والأحذية وكذلك الحقائب المدرسية والزي المدرسي على الأطفال ممن لم تتوفر لهم احتياجاتهم ، وقد كان لهذه المبادرات صدى ايجابيا للغاية واستحسانا من الجميع ، فهيا بنا ننطلق من جديد .

الكاتبه : الاعلامية رولا سلامه هي مديرة التواصل الجماهيري والتثقيف في مؤسسة "جست فيجن " ومنتجة أفلام وثائقية ومعدة ومقدمة برنامج فلسطين الخير على فضائية معا . والمدير العام لمؤسسة فلسطين الخير ، المقال من سلسلة مقالات اسبوعية تتحدث عن فيروس كورونا والحياة في زمن كورونا وتأثيره على المجتمع الفلسطيني .