خواطر في الحجر الصحي

نشر بتاريخ: 01/03/2021 ( آخر تحديث: 01/03/2021 الساعة: 08:58 )

الكاتب: د. أحمد رفيق عوض

واخيرا تمكن مني هذا الفيروس المفزع، الذي شل العالم كله، و وضع البشرية امام خيارات و سيناريوهات بالغة الغرابة و الخطورة .

الفيروس اللغز في ظهوره و في سلوكه و في انتشاره و في تحوله و تحوره، يكشف فينا الغازا اخرى، اذ ان اجسادنا هي الغازنا ايضا، فليس كل جسد يبدي ذات الاعراض ، و ليس كل جسد يتأثر بذات الدرجة، اما انا فقد كانت رحمة ربي واسعة اذ ان اعراض المرض كانت خفيفة و محتملة، فيما لحق بأخرين غيري اعراض مخيفة ادت الى الموت في بعض الاحيان .

حشرني المرض الى الحجر الصحي ، و فجأة ، من حياة صاخبة و مليئة بالتفاصيل و الحماس و الانشغال الى غرفة صامتة تمتلىء بالادوية و الاشربة ، فجأة تنسحب من الانشغالات لتكتشف انه يمكن الاستعاضة عنها بأقل الاشياء ، فجأة يتغير طعم الحياة ،و شكل الطموح، و معنى الرغبة، و ينفجر في الصدر السؤال الكبير ، ما الذي فعلته حتى الان، هل كان ذا جدوى؟!

و لأن المرض -خصوصا هذا المرض- يجعلنا نمشي على حافة الدنيا ، فأن الاسئلة الوجودية الكبرى تنطح الدماغ صباح مساء، اذ ان هناك رحلة اخرى ، رحلة هي الابقى و الاطول و الاكثر حقيقية، عندئذ لا بد من الاستسلام لما ابلغنا به الله من خلال رسله و كتبه و كونه و باقي اياته التي تفوق الخيال و تتجاوز التصور .

في هذا الحجر الصحي ليس معي سوى قلبي و اسئلتي و ايماني، اذ ان هذا الحجر يضعك امام ضعفك و هشاشة جسدك و غموض عدوك ولا شيء سوى الرغبة في البقاء و محاولة الدفاع بكل ما تملكه .

خلال هذا الحجر ، الذي لم ينته بعد ، فقد اكتشفت كم اضعت من فرص، و كم فشلت في ان اكون ما اريد .

خلال هذا الحجر اكتشفت ان التواضع قيمة عليا ، فلا انا زعيم او صاحب نظرية او حتى مدير مدرسة ثانوية .

خلال هذا الحجر اكتشفت ان (الستر) هو قيمة لا مثيل لها ، اكتشفت ان الستر و الرضا هما افضل ما في الحياة .

الفيروس لعين حقا ، و لكن المرض يعلمنا ما لم نكن نعلم و ربما ما لم نرد .