في رمضان..كيف لـ"بقايا الطعام" أن تساهم في عمارة الأرض؟

نشر بتاريخ: 08/04/2021 ( آخر تحديث: 08/04/2021 الساعة: 09:12 )

الكاتب: عمر عاصي

تحتل بلادنا العربية مراتب مُتقدمة في هدر الطعام على مستوى العالم، والكثير من هذا الهدر يحدث في أكثر شهر ينبغي ألا يُهدر فيه شيء، وهو شهر رمضان "شهر الصيام والخير والإحسان"، إلا أننا ومع طغيان الثقافة الاستهلاكيّة حوّلناه إلى شهر الطعام والتخمة. والنتيجة لكل هذا: هدر الطعام، الذي نراه في الموائد الرمضانية وفي الإفطارات العائليّة بشكل متكرر،دون أن نتفكر ولو قليلًا بالعواقب الوخيمة لهذا الهدر.

ولو تفكرنا لأدركنا أن "هدر الطعام" يفضح جشعنا الاستهلاكي وغياب درايتنا الاجتماعية وحتى مساهمتنا في الفساد في الأرض، وسنجد أننا بالحد من الهدر والتقليل منه، نساهم بشكل كبير في عمارة الأرض وتحقيق الاستدامة البيئية والاقتصادية والاجتماعية.

في المقالة التالية، نستعرض معًا شيئًا من التأملات في هدر الطعام والفساد في الأرض، كما نستعرض شيئًا من الحلول العمليّة من وحي بيئتنا المحليّة.

مليار طن من الطعام يُهدر كل عام - agriculturers.com

هدر الطعام و"الفساد في الأرض"

عندما نتحدث في هدر الطعام وعواقبه، غالبًا ما نذكر العواقب الاقتصاديّة وما نُلقي به من أموال كُل عام في القمامة، نذكر الآثار البيئية كانتشار الروائح الكريهة من النفايات وحتى المساهمة في الاحتباس الحراري.. نذكر الجوعى والفقراء حول العالم، ولكن غالبًا ما ننسى الأثر الجامع لكل هذا وهو ما يُعرف بين المفكرين المسلمين بـــــ "الفساد" وهو عكس "العمران"، فهناك من يُعمّر في الأرض وهناك من يُفسد في الأرض.ولهذا سنتوقف قليلًا عند شيء من التأملات الفكرية حول "هدر الطعام" و"الفساد".

"إن الله لا يُحب الفساد"

عندما نبحث في الكُتب عن أولى الإشارات لقضيّة هدر الطعام، نجد ما جاء في "طبقات ابن سعد" بأن أم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها رأت حبّة رُمان مُلقاة على الأرض فأخذتها وقالت:"إن الله لا يحب الفساد!".

والمثير هنا، أن المسألة لم تكن إلا "حبة رُمان" وليست "أكوامًا من الطعام" كما يحصل بعد "الموائد الرمضانيّة" إلا أن ذلك لم يمنع "أم المؤمنين" بأن تجعل القضية قضية "فساد"، فقد تعودنا أن نصفَ من يأخذ الرشاوى ولا يؤدي عمله كما يجب بــ"المفسد". أما هدر الطعام فلم نعتد أن نُصنفه بأنه "فسادًا" وغالبًا ما نقصر الأمرعلى الإسراف فقط، وذلك من وحي "سورة المائدة" (وكُلوا واشربوا ولا تسرفوا) ولكن جعل قضية كهذه في إطار الفساد هو ما يستحق منّا أن نتأمل هذه الحكاية كثيرًا، خصوصًا أننا نعلم بأن الله لا يُحب المفسدين.

"مفاسد الحضارة"

لماذا نتأملها؟ لو أخذنا مثلًا ابن خلدون الذي مكث مُعظم حياته يبحث في قضيّة جوهرية هي "كيف تقوم الدول وكيف تنهار؟" وكانت له نظريّات مثيرة في هذا الشأن، مثل قضيّة أن أعمار الدول لا تختلف كثيرًا عن أعمار البشر فهي مثل الشخص، تنتقل من الطفولة (طور التأسيس) إلى الشباب (طور العظَمَة) إلى الشيخوخة (طور الهرم).

وكان في معظم كتاباته يُكثر من الإشارة إلى ربط الإسراف والتبذير بسقوط الدول وانهيارها فيقول في كتابه الشهير (مقدمة ابن خلدون): "ومن مفاسد الحضارة الانهماك في الشهوات والاسترسال فيها لكثرة الترف، فيقع التفنن في شهوات البطن من المآكل والملاذ والمشارب".

مسابقات استعراضية في مجال "أكبر طبق" يحصل فيها الكثير من الهدر - بي بي سي العربية.

هدر الطعام وغياب الدراية الاجتماعية

مُفكر آخر هو "علي شريعتي"، كان يرى أن موضوع هدر الطعام، ليس هامشيًا ولا يُمكن أن يكون كذلك. فقد ربط قضيّة هدر الطعام بقضيّة جوهرية عمل على التوعية بها هي "الدراية الاجتماعية" في تعليقه على حادثة هدر الطعام، حصلت في عُرس أحد الخُلفاء في بغداد، والدراية الاجتماعية تخص المجتمع ويقصد بها مدى فهم المجتمع لذاته ووعيه لوجوده بين بقية المجتمعاتمع اعتزازه بقيمه واستعداده للدفاع عنها. فيقول "شريعتي" في كتابه الشهير "النباهة والاستحمار" أنه رغم كثرة العلماء في ذلك الزمان الذين تحدثوا في الطب والسياسة والدين إلا أنه لم يقل أحد منهم عن أكوام الطعام التي تكدّست و"هُدرت" بعد ذلك "الزفاف" بكميّات هائلة: "هذا الطعام الكثير إسراف في الدين".

ثقافة التبديد ..مقابل ثقافة التدوير والمشاركة

ولعل الدكتور عبدالوهاب المسيري كان الأبرز في تكرار الحديث عن قضايا الإسراف والاستهلاك والنفايات وربطها بقضايا فكريّة مُعاصرة، فهي كما يرى ليست مجرد قضايا بيئية "هامشيّة"، بل قضايا جوهريّة تفضح النموذج الاستهلاكي الرأسمالي و"نزع القداسة عن العالم".

في كتابه "رحلتي الفكريّة" يُلخص هذه الأفكار بشكل سلس قائلًا: "والمجتمع الدمنهوري – شأنه شأن المجتمعات التقليدية – يرفض التبديد ويقدر "نعمة الله". كنا إذا سرنا ووجدنا قطعة من الخبز كان علينا أن نلتقطها، وبعضنا كان يقبلها ثلاث مرات ثم يضعها إلى جوار الحائط حتى لا يطأها أحد بقدميه.

وكانت خبرات التدوير (recycling) قوية للغاية في المجتمع، فكان لا يلقى إلا بأقل القليل في صفيحة القمامة". كما يذكر في نفس الكتاب ما حصل في حفل زفاف ابنه، حين وجد أن الكثير من الطعام سيُلقى في القمامة، فرفض ذلك باعتباره "ضد التبديد" وطلب جمعها لتوزيعها على الفقراء ليُفسر هذا الفعل قائلا: "تحول حفل الزفاف من لحظة تبديد وقمع الى لحظة تدوير ورخاء ومشاركة".

هدر الخبز في بلادنا العربية - موقع sayidy.net

الخبز كان بمثابة "مصحف"

رفض التبديد وتقدير النعمة، و"تقبيل الخبز بعد رفعه عن الأرض" كما ذكر المسيري وكما يذكره مُعظم أجدادنا، لم يكن مُجرد عادة عابرة، بل عادة راسخة وحاضرة حتى عند شعوب أخرى، فقد جاء في المجلة الباكستانية للدراسات الإسلامية: "ومن عادة المسلمين التقاط الخبز من على الأرض والقول "عيش الله"، ويعمل الإسبان الشيء نفسه ويقولون "es Pan de Dios" أي أنه خبز الله ويبدو أن أحد الطرفين قد تأثر بالآخر"، وفي كُتب الفقه الإسلامي، نجد من عُلماء المذهب الشافعي مَن يرون تقبيل الخُبز بعد تناوله عن الأرض"بدعة حسنة".

الحقيقة أننا كلما بحثنا أكثر في هذا المجال نجد أن المسألة كانت تتعدى دعوات الترغيب إلى دعوات الترهيب، فالخبز كان يُعد بمثابة "مصحف"، يُحلف به بصيغ مختلفة لعل أشهرها "وحياة النعمة" وكان "هدر هذه النعمة أو إهانتها أشبه بإهانة المصحف"، ولهذا نجد أن بعض أجدادنا كانوا يقولون إذا شاهدوا خبزًا على الأرض "حيشاك يا مصحف الله العزيز" بل إن قضيّة مثل هدر الخُبز كانت تتحول في الحكايا الشعبية إلى "قصّة رُعب"، حيث تذكر المصادر أسطورة الأمّ التي طهّرت مؤخّرة صغيرها بقطعة خبز فمسخها الله قرداً.

الحد من هدر الطعام "عمارة للأرض"

بعد كُل تلك المقدمة "الفكرية، فإن معظم الدراسات التي تتناول وسائل الحد من هدر الطعام، بما في ذلك أحدث المنشورات العلمية في الغرب والشرق، تجعل الحلول مُرتبة حسب سلم أولويّات واضح وثابت، يكاد لا يتغيّر، ففي المرتبة الأولى يأتي "التقليل في المصدر"، وهو يعني أن نتجنب حدوث الهدر أصلًا، ثم تأتي في المرتبة الثانية أن نتشارك الفائض مع من حولنا كأن نتبرع بالفائض منه للمحتاجين من حولنا.

وفي المرتبة الثالثة يُفضل أن نقدمه للحيوانات التي قد تنتفع به، فإذا لم يكن يصلح للتبرع أو لإطعام الحيوانات، نبدأ بالتفكر بحلول تقنية مثلًا إعادة تدوير البقايا عن طريق ما يُسمى بعملية التسبيخ (الكومبوست) أو حتى من خلال عملية التحلل اللاهوائي "التخمر" والذي ينتج عنه الغاز الحيوي.

ثم إذا عجزنا عن كُل هذا، فإن الحل الأخير وغير المُحبذ هو "الطمر الصحي" لهذه المُخلفات.والحقيقة أن من يعي هذه السطور القليلة ويتدبرها جيّدا، يُمكننا القولبأنه أدرك أهم قواعد “علم إدارة النفايات”.

استراتيجيات التعامل مع هدر الطعام حسب هيئة البيئة الأميركية EPA - موقع epa.gov

التقليل في المصدر

بشكل عام، عندما نذكر موضوع النفايات، يخطر بأذهاننا "إعادة التدوير" ولكن هذا التفكيرمُغلوط، فالأصل كُل الأصل في التقليل من هدر الطعام أن نتجنب الهدر أصلًا، وهو ما كان يحدث غالبًا عبر التاريخ، فعملية هدر الطعام لم تكن مقبولة أصلًا وحتى لو حدثت فهي حدث طارئ، يُفترض ألا يتكرر، بينما اليوم نجد أن الهدر من "سمات العصر".

في الماضي كانت نظم إنتاج الغذاء أكثر قُربًا للمستهلك، بل وفي كثير من الأحيان كانت "الحاكورة" أو "الحديقة المنزلية" هي المصدر الأول للخضروات والفاكهة، وبالتالي فإن الإنتاج كان متناسقًا مع الاستهلاك، وحتى ما يفيض كان يُمكن أن يتم تجفيفه مثل تجفيف البندورة والبامية أو أن يتم تخليله مثل الكثير من أصناف المُخللات التي نعرفها وعلى رأسها الخيار كونه من أسرع الخضروات تلفًا، أو حتى تحضير المربيّات مثل التوت والمشمش وهي كذلك من أسرع الفاكهة تلفًا.

ولعل مشروب "قمر الدين" الرمضاني، الذي يُحضر من فائض محصول المشمش غالبًا من أفضل الأمثلة على "التقليل في المصدر". ونجد أيضًا أطباقًامثل طبق "الباييّة الأندلسي"،وكان يتكون بشكل أساسي من فائض الطعام، أو مثلًا "الكنافة الكذابة" التي نحضّرها في بلادنا من بقايا الخبز، وكلها أمثلة جيّدة على "التقليل في المصدر".

أحد أهم استراتيجيّات الحد من هدر الطعام، التي كانت ولا تزال حاضرة في الكثير من البيوت هي "الأكل البايت" ففي اللحظة التي نبدأ بتقبل الأكل البايت، يُمكن أن نقلل من هدر الطعام "المطبوخ" - بشكل كبير، مع الاحتراز طبعًا من "الرز البايت" والذي يُفترض ألا يؤكل بعد يومين أو ثلاثة، ولهذا يُنصح عادة بأن نقوم بإعادة التفكير بـ"عيار الرز" الخاص بنا، وهو ما يتراوح بين 60-90 غرام للفرد (ربع إلى نصف كأس).

الأفكار في مجال "التقليل في المصدر" أكثر من أن تحصى في مقالة، وهناك كتب ودراسات كثيرة تتناول وسائل كثيرة للحد وقد يكون كتاب "البخلاءللجاحظ" من أولها وأمتعها، ولكن إذا استوعبنا هذه الفِكرة، يُمكننا أن نبدع الكثير في هذا المجال، كأن "نضبط" أنفسنا عند التسوق لرمضان، حيث تشير الدراسات أن حوالي 25% منالطعامالذييتماقتنائهلرمضان، يُلقىفيالقمامةقبلأنيستخدم.

يجب أن نتذكر، أننا عندما نقلل من الهدر والنفايات، سواء في الطعام وغيره، فإننا نحفظ الموارد الطبيعية التي سخرها الله لنا والتي ينبغي أن تستغل في عمارة الأرض، لا في تدميرها، كما يحصل عندما يعم الفساد والتلوث في الماء والهواء والتراب من خلال النفايات.

التبرع بالبقايا

في مجال التبرع بالبقايا، لا بُد أن نؤكد بأن التبرع بالبقايا لا يكون إلا بما يصلح للتبرع أصلًا، وبالتالي هذا يستدعي مثلًا، ألا نضع على موائدنا وفي "صحوننا" أكثر مما نأكل، فما يبقى في الأطباق لا يُمكن التبرع به من باب الأدب أولًا، والصحة ثانيًا.

دراسات كثيرة أثبتت أن حجم الصحن له علاقة مباشرة بهدر الطعام، فقد وجدت دراسة دنماركية أجريت في مجال هدر الطعام في مطاعم "البوفيهات المفتوحة" أن تصغير الصحن (قطر الصحن) من 27 سم إلى 24 سم يُمكن أن يقلل نسبة الطعام بـ 25 بالمئة. وبالتالي فإن الطعام الذي يبقى في "الطناجر" يُمكن أن نشارك به الجيران كما يُمكن أن نتبرع به للفقراء من حولنا.

كانت عادة تشارك الأطعمة من العادات الرمضانية الشائعة في بلادنا ولكن – يا للأسف - بدأت تختفي شيئًا فشيئًا، كما أننا ابتعدنا كثيرًا عن فكرة الشعور بالفقراء وجوعهم وهو من مقاصد الصيام المشهورة ، وقد جاء في الحديث النبوي: "مَا آمَنَ بِي مَنْ بَاتَ شَبْعَان وَجَارُهُ جَائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ بِهِ" كما أننا نجد في العاميّة مقولة "كيف تنام وجارك جيعان" تفسر الحديث الشريف بسلاسة، وكل هذا يؤكد ضرورة التأكيد على أن "مشاركة الفائض مع الجيران والفقراء" أَولى من إطعامه للحيوانات، خاصة إذا كان صالحًا للمشاركة.

وللعلم، فإن هذا الطرح يتلاءم مع الطرح البيئي الشامل، الذي يتبنى نموذج الاستدامة، فالجانب الاجتماعي وتقوية العلاقات الاجتماعية في الحيز العُمراني لا تقل أهمية عن الجانب البيئي والاقتصادي، لأن المجتمعات المتعاضدة، هي مجتمعات تسعى للعمران والاستدامة.

إطعام الحيوانات

إحدى الأمور التي تبعث الأمل، في واقعنا البيئي البائس، أنه لا تزال فئة تعتقد بقضية قداسة الخبز، ولا تقبل أبدًا أن يُدنس، وتُكرس من وقتها لحفظ هذه النعمة وتردد دائمًا "الله يحفظها من نعمة ويديمها من الزوال"، هذه الفئة مستعدة بشكل عام أن تفصل بقايا الخبز بغض النظر إذا ما توفرت في محيطها حاويات خاصّة أو حتى حيوانات لإطعامها، ولو تجولنا في أي مدينة أو قرية لا بد وأن نلاحظ الخبز المُعلق في أكياس قرب الجدران أو على مقربة من حاويات النفايات، على أمل أن يأتي من يأخذ هذا "الخبز" للحيوانات.

المثير أن نجد دراسةعلميةفيمجالادارةالنفايات نُشرت في الولايات المتحدة الأميركية عام 2020 وتوصي بتربية الدجاج في ساحات المنزل، كاستراتيجية للتقليل من هدر الطعام، إذ يمكن للدجاجة الواحدة أن تأكل حوالي 100 غرام من البقايا يوميًا، وبالتالي يُمكن لبضع دجاجات أن "تُعالج" بقايا الطعام، الذي سيتحول إلى منتج ذي قيمة اقتصاديّة هو "البيض".

بمعنى آخر؛ يُمكن لدجاجة واحدة أن تتغذى على 37 كغم من الطعام في العام فتُنتج 200 بيضة، والحقيقة أن هذا النوع من الدراسات كان شائعًا أكثر في الماضي، وبحسب تأكيد العديد من الباحثين أنه من خلال عملية مُعالجة أساسية لمخلفات الطعام يُمكن تحويلها إلى أعلاف آمنة.

ومن كل بد، إذا كُنا نُعنى بقضايا الرفق بالحيوان، والتي حثّ عليها الإسلامفي مجال "فقه العُمران"، ضرورة الانتباه إلى أن هناك مخلفات طعام لا تصلح للحيوانات أو لبعض أنواعها،ما يدعو إلى الحذر لا سيما من الطعام "المطبوخ" الذي فَسد.

إعادة التدوير و"التسبيخ"

كما نرى، إعادة التدوير هي "الخيار الأخير" وليس الأول كما يظن كثيرون، فعمليّة إعادة التدوير لها آثارها البيئية والاقتصاديّة، خاصة عندما نتحدث عن النُظم المركزيّة مثل منشآت "الكومبوست" الضخمة التي تحوّل مئات الأطنان من المُخلفات العضوية إلى سماد بشكل يومي، وهي أفضل من المطامر ولكنها ليست الحل الأمثل، لهذا فمن المُفضل أن نقوم بإعادة تدوير "البقايا" في المنزل أو على مقربة منه مثل التسبيخ على مستوى الأحياء (community composting) حيث لا حاجة لنقل النفايات بواسطة شاحنات تستهلك الوقود الأحفوري، كما أننا نضمن من خلال التسبيخ الصحيح ألا يكون تحلل لا هوائي ينتج عنه غاز الميثان الذي يساهم في الاحتباس الحراري أكثر بـ 25 مرّة من غاز ثاني أكسيد الكربون.

وفي الماضي، اهتم العرب كثيرًا بعمليّات تحويل المُخلفات العضوية إلى سماد، فسواء كُنا نتحدث عن المخلفات الحيوانية مثل روث البقر وزبل الحمام إلى سماد أو حتى المخلفات الزراعية مثل تبن الفول وانتهاءً بـ"الفضلات البشريّة" ، فقد كان للعرب قديمًا طرق خاصة لمعالجة هذه المخلفات، وعملية السماد بشكلها المعروف في عصرنا الحالي لم تكن مشهورة إلى حد كبير، بينما نجد أن الكثير من كبار السن كانوا يخصصون حفرة في "الحاكورة/الحديقة المنزلية" ويضعون فيها بقايا الطعام ومخلفات الحديقة ويتركونها تتحلل مع الوقت وهو يشبه إلى حد بعيد ما يعرف اليوم بـ Trench composting.

هذه العمليّة، سواء بالطرق الحديثة أو القديمة، لو طُبقت على نطاق واسع والتزم بها عدد كبير من المواطنين أو أرباب البيوت، لأثرّت بشكل كبير، ليس على البيئة فقط، بل على الاقتصاد كذلك، فمعدل ما يُنتجه الفرد من بقايا الطعام بشكل يومي يصل إلى 250 غرام يوميًا (إن لم يكن أكثر)، أي حوالي 1 كغم يوميًا لكل بيت مكوّن من 4 أفراد، بالتالي فإن هذا البيت يُنتج حوالي 365 كغم من بقايا الطعام سنويًا، هذا عدا عن مُخلفات الحديقة (كالأغصان والأوراق) التي يُمكن أن تتحلل في عملية التسبيخ (الكومبوست)، وينتج عنها سماد عضوي "مُغذي" للأرض والنباتات التي يُمكن أن تساهم في عمارة الأرض بالأشجار والنباتات المُختلفة في مُدننا التي تحوّلت مع الوقت إلى غابات إسمنتية "كئيبة".

انتاج السماد العضوي من بقايا الطعام واستخدامه في الزراعة الحضرية - موقع eco-villages.eu

بالتالي لو طبق هذا معظم الناس في بلدة ما، لاستطعنا أن نوفر تكاليف مُعالجة ونقل حوالي نصف كميّة النفايات التي يتم إنتاجها، وهي تصل إلى مبالغ طائلة، وكان أولى أن تستغل هذه الأموال في توفير مشاريع لتطوير البلدة بدلًا من أن تستنزف الميزانيات في النفايات!

أخيرًا، قضية هدر الطعام تحوّلت في السنين الأخيرة إلى قضيّة عالمية تسعى الأمم المتحدة للحد منها لما لها من آثار بيئية واقتصادية واجتماعية وخيمة، وفي عام 2015 تقرر أنه لا بُد من تقليل هدر الطعام حتى عام 2030 إلى النصف وهو ما يتطلب تضافر القوى العالمية من أجل تحقيق هذا الهدف، وما أحوجنا في مثل شهر رمضان.. أن نُعيد التفكير بمساهمتنا في هدر الطعام.. وهل نحن من المُفسدين في الأرض أم ممن يُعمرها؟

يحتل الوطن العربي مراتب مُتقدمة في هدر الطعام على مستوى العالم، والكثير من هذا الهدر يحدث في أكثر شهر ينبغي ألا يُهدر فيه شيء، وهو شهر رمضان؛ "شهر الصيام والخير والإحسان"، إلا أننا ومع طغيان الثقافة الاستهلاكيّة حوّلناه إلى شهر الطعام والتخمة. والنتيجة لكل هذا: هدر الطعام، الذي نراه في الموائد الرمضانية وفي الإفطارات العائليّة بشكل متكرر؛ دُون أن نتفكر ولو قليلًا بالعواقب الوخيمة لهذا الهدر.

ولو تفكرنا لأدركنا أن "هدر الطعام" يفضح جشعنا الاستهلاكي وغياب درايتنا الاجتماعية وحتى مساهمتنا في الفساد في الأرض، وسنجد أننا بالحد من الهدر والتقليل منه، نساهم بشكل كبير في عمارة الأرض وتحقيق الاستدامة البيئية والاقتصادية والاجتماعية.

تستعرض المقالة التالية شيئًا من التأملات في هدر الطعام والفساد في الأرض، كما تستعرض شيئًا من الحلول العمليّة من وحي بيئتنا المحليّة.