الإنصات في التحاور لتجاوز سوء الفهم

نشر بتاريخ: 03/05/2021 ( آخر تحديث: 03/05/2021 الساعة: 22:38 )

الكاتب:

بقلم الدكتور سهيل الاحمد

أساس التحاور والتخاطب أن تنصت لمن يحدثك، وتقبل على من يتوددك، لتعين غيرك على حالِهِ، وتزيد في معرفة حقه وطبيعة أفعاله، ويختلف الناس ويضطربون في فهم بعضهم بعضًا، فتجد هذا يحكم على غيره بأمر ما لسوء ظن أو ضيق فهم، لذلك كان إنصات المرء لمن يقابله في حواره أو حديثه؛ حل لإشكال واقع ومنع لسوء ظن فاقع.

ومن أهم أسباب خلافات الناس وسوء تفاهمهم عدم إحسان إنصات بعضهم إلى بعض مع أن ربي سبحانه قد أمر من يقرأ القرآن أو يسمعه بأن ينصت إليه ويقبل عليه، إذ الإنصات لقارئه زيادة في الفهم من خلال التلذذ بالاستماع وتجاوز ذلك إلى الفهم باستمتاعْ، ومن ثم تفسير وتحليل لما وردك من كل البقاع، لينتج عنه فعل أو قول بتأن وتلطف بإقناع.

والمنصت يحبه الناس لأنه الذي يجذبهم فتراهم يقبلون عليه لتفريغ الهموم والشكوى، ويلجأون إليه حتى ليشاركهم أفراحهم وأحزانهم وليكون بذلك من أسباب سعادتهم.

وهو أي المنصت من يشعر غيره أنه يقدره بإنصاته، ويحتضنه بإمعانه، ويحب الناس المنصت كذلك لقلة عثرات لسانه مقارنة بعشاق التحدث، وهو بذلك أقل عرضة لزلات اللسان وفلتاته وأقل تصادماً مع الآخرين في الاختلافات اللفظية والتجاذبات الكلامية.

ويقال بشأن ذلك: إذا جالست الجهال فأنصت إليهم وإذا جالست العلماء فأنصت إليهم فإن في إنصاتك للجهال زيادة في الحلم وفي إنصاتك للعلماء زيادة في العلم.

وقد" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل بوجهه وحديثه على شر القوم يتألفه بذلك، وكان يقبل بوجهه حديثه عليّ حتى ظننت أني خير القوم" كما روي عن عمرو بن العاص.

وينصح بعضهم محدث غيره والراغب في إيجاد السعادة لمحاوره من الناس فيقول: تعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الكلام.

ويتميز الإنصات الناجح باستشعار أدب جم وحكمة بالغة يجدر بالمحاور أن يلتفت إليها ويعي حقيقتها ويلتزم أبعادها ليوفق ويؤثر في غيره بأقل كلفة وأكثر فطنة، بطول تأمل وزيادة تحمل.

ومن الحكمة ابتعاد المنصت عن مقاطعة محدثه في الكلام وانتظاره حتى ينتهي من حديثه بأمان وسلام، فذلك من شأنه تعويد المستمع على الأسلوب الذي سيكون سبباً في الارتياح إليك وحصول المطلوب.

ويجدر بالمنصت ملاحظة أن الإنصات بالعينين متمم للإنصات بالأذنين لأن استجماع الجوارح في المخاطبة دلالة على الرعاية الطيبة، فأنت بإنصاتك بالاستجماع تتسبب لمحدثك بالاستمتاع، وبأنك أهل للاستماع، وكلما زاد إنصات المرء زادت معلوماته وظهر احتياج الناس إليه والأنس بوجوده. والمنصت المؤثر من كان حاضر القلب قليل الالتفات إلى الجوانب مصغ إلى ما يقوله القائل متحفظ عن التنحنح والتثاؤب مشتغل بنفسه ومراعاة قلبه ومراقبة ما يفتح الله له من رحمته في سره متحرز عن النظر إلى وجوه المستمعين وما يظهر عليهم من أحوال الوجد يجلس مطرقاً رأسه كجلوسه في فكر يدعو إلى الحذر من التصنع والتكلف.

فيا أيها المحاور والمقبل على الحق بعمله وسلوكه وقوله كن كالشجر إذا قذف بالحجر ليعطيك الخير ويرميك بالثمر، ولا ترد من جاء إليك مقبلاً حتى لا تجعله عنك مدبراً، وكن أنت السبب في حصول راحته من خلال إنصاتك واستماعك واحتمالك فهو سر نجاحك في فكرتك وسبب صحيح لتقبلها وتقدمها وزيادة محبيك فيها ولأجلها.