ايها الاحرار.. وصلت رسائلكم

نشر بتاريخ: 19/09/2021 ( آخر تحديث: 19/09/2021 الساعة: 16:52 )

الكاتب:

م. هاشم البدارين

مع الساعات الاولى لفجر الاحد التاسع عشر من ايلول انتهت رحلة الحرية التي امتدت عبر نفق طوله تجاوز مسافات الحرية المختطفة من عواصم العالم المدعية للإنسانية والتحضر، وأما توقيته الزمني فكان بفارق كبير يختلف عن حسابات الزمن الذي يعيد تعريفه عمالقة الصبر بمفاهيمهم للحياة وحساب الوقت الذي توقف عند حدود زنازين البشرية الحمقاء التي تسلب اجمل هدية وهبها الخالق لكل من هو حي فوق الطبيعة وفي مقدمتها الكائن البشري. ليأتي كائن اخر من بلاد بعيدة و ينتزع تلك الحرية من الارض التي تضرب جذور أصحابها عمق التاريخ والجغرافيا لتعبّر بشكل جلي عن ذاك الارتباط الوثيق ما بين مكوناتها الطبيعية التي يشكل الفلسطيني جزءاً من تاريخها واصالتها.

ستة اقمار جسّدت اسطورة النور الساطع من نهاية النفق الضيق المفضي الى رحابة الوطن الممتد من الماء الى الماء، مدركين ان وقع خطاهم سيكون فوق ترابها الذي يعشقون و لأجله بذلوا ارواحهم وسني عمرهم ثمنا لكرامته، وانطلقوا وهم مدركون في قرارة انفسهم انه الرحلة لن تطول وانما هدفوا الى حمل رسائل كبيرة عجزت عن حملها مكونات رسمية وشعبية عبر عقود طويلة غابوا فيها وراء القضبان المظلمة والبعيدة عن نور الشمس، فأرادوا ان يعبروا الاغلال والاسوار والمنظومة المصطنعة والتي تهاوت بكل جبروتها امام ارادتهم في الحياة ونقل اوجاعهم ورفاقهم للعالم المنعدم الضمير ليعلنوا للقاصي والداني انهم طلاب حرية وكرامة وليسوا مجرمين، انهم اسرى حرب فرضها الكيان الاسرائيلي الغاصب للأرض و لكل مكونات الحياة.

انطلق الابطال الستة وكانت وجهتهم الى مسقط رأسهم وتاريخ اجدادهم في رسالة واضحة بأن حق العودة راسخ في ضمائرهم ولن يسقط بالتقادم ولا يمكن ان يُمحى من ذاكرة الاجيال التي تتابعت بعد النكبة، فقصد يعقوب القادري جبال الكرمل ليطل على انقاض قرية ( المنسي) التي هجرت العصابات الصهيونية اهله منها وبرفقته رفيق قيده محمود العارضة قائد و مهندس نفق الحرية العظيم. وخلال رحلة الحرية اطلق الاحرار مزيدا من الرسائل الانسانية للعالم ولعل أهمها أنهم مقاتلون لأجل السلام وحياة حرة كريمة لشعبهم، إذ ان ايامهم الخمسة المعدودة في فضاء الحرية تفوق سنوات الغياب وراء الزنازين المعتمة وذلك هي فلسفتهم في احتساب الزمن كما رواها القادري لمحاميته، فيما رسّخ العارضة مفهوم التضحية الكبيرة بالنفس على أن يصاب غيرهم بسوء ففضلوا قوت يومهم من خيرات وطنهم المحتل حتى قبل نضوجه لضمان بقائهم على قيد الحرية دون المساس بأمن غيرهم من عبث الاحتلال.

وفي لوحة مشهدية اخرى سطّر القائدان محمد العارضة و زكريا الزبيدي اسطورة جديدة في الصبر والتحدي، وبرغم الصبر الذي تحلى به محمد العارضة طول اثنان وعشرون عاما إلا انه تذوق حلاوة صبر وطنه الذي حرمه الاحتلال نكهته ومذاقه الحقيقي فسجلها علامة فارقة في رحلته نحو الحرية.

واصل القادة ايهم كممجي ومناضل نفيعات رفاق النفق مسيرتهم في دروب الحرية المنتزعة من انياب الاحتلال الغاشم، قاصدين عرينهم جنين، قلعة التحدي والمقاومة، ليعيدوا ترتيب رسائلهم من جديد بأن حاضنتهم الشعبية لن تخذلهم وستشكل لهم الملاذ الآمن ليس بالتفاوض والمساومة وانما بقوة السلاح الذي يفهمه المحتل ولا شيء سواه، ذلك الذي يتنكر لحقوق شعبنا واسراه على مرآى العالم وحقوقه الإنسانية المزيفة التي كفلت لكل اسرى العالم حققوهم وعجزت امام " اسرائيل" ، الا أن ذيول الخيانة كانت اقرب الى انهاء مشوارهم البطولي، وكان قرارهم البطولي الذاتي بانهاء المعركة بهذا الشكل نابعا من حرص هؤلاء الابطال على اهلهم و من احتضنهم بعد ان اوصلوا رسائلهم الى العالم اجمع، و حتى يفوتوا على المحتل فرصة التلذذ بالدم الفلسطيني المسفوح، واثقين بقوة رفاقهم في المقاومة على كسر هيبة المحتل المدّعاة والتي اسقطتها ادواتهم البسيطة عندما شقوا زنازينهم وعبروا نحوا فلسطين الوطن والقضية.

لقد سجل التاريخ في صفحة هؤلاء العمالقة نصرا جليا واضحا منذ اللحظة الاولى التي استنشقوا فيها نسائم الحرية من فوهة النفق العظيم يوم السادس من ايلول الذي يجدر به أن يكون عيدا عالميا للحرية والفداء والارادة، وان هذا النصر لم يكن شخصيا لكل منهم فحسب، بل لكل شهيد ولكل اسير ومصاب ومضحي لأجل أن تنعم فلسطين بأكملها بالحرية. ومثلما اقتلع هؤلاء الثوار بذور الفتنة وضرب العلاقة الجذرية ما بين داخل الوطن المحتل و ما بين دعم المقاومة ، استطاع الاحرار ان يفشلوا الرواية الاسرائيلية في تسويق نصر مزيف على شباب عُزّل من كل شيء سوى الارادة والايمان بالنصر.

لقد استطاع هؤلاء الشباب فتح ملف الاسرى بامتياز واقتدار بعد ان طُوي ملفهم في ادراج الحكومات المطبعة و اللاهفة وراء سراب السلام مع الكيان المعادي والمتنكر لأبسط حقوق الشعوب في تقرير مصيرها، فكان ذلك امتداد لنضالات الاسيرات والاسرى الذين يحاربون بأمعائهم وصبرهم السجان للخلاص من القيد.
إن أبسط ما يمكن تقديمه لهؤلاء الابطال الوقوف الى جنبهم ودعمهم واسرهم بكل السبل، وعلى المؤسسة الرسمية ان تولي اهتماما اكبر بقضيتهم وفي كل المحافل، إذ لا توجد قضية امام الدبلوماسية الفلسطينية وشبكة السفارات الممتدة حول العالم أهم من تسليط الضوء على معاناتهم وما يكابدون من اجل حريتهم وكرامتهم والحصول على حقوقهم كأسرى حرب.