رسالة من هلسنكي الى رام الله

نشر بتاريخ: 17/10/2021 ( آخر تحديث: 17/10/2021 الساعة: 12:50 )

الكاتب: اياد تمام

رسالة من مدينة هلسنكي عاصمة فنلندا عنوانها العدالة الاجتماعية في ظل الرأسمالية الى مدينة رام الله في فلسطين، سوف أحاول الاختصار لكن الموضوع كبير ويهم حياة كل فقير ، فنحن نتحدث كيف اسهم قرار جهة فردية في اختفاء رغيف خبز عن مائدة مئات الاف الفقراء والمواطنين عموماً وكيف اسهم ذلك في تعزيز مبدأ الفقراء يزدادون فقراُ والاغنياء يزدادون غنىً والطبقة الوسطى تتلاشى وتندثر.

قبل حوالي الشهرين تمكنت من زيارة العاصمة الفنلندية هلسنكي ، عاصمة افضل دولة في العالم والتي تتصدر المرتبة الاولى في العديد من المجالات على مدار ال 4 سنوات الماضية والتي تجعل منها مثال لباقي الدول ، الموقف جداً بسيط لكن تأثيره جداً عميق على العدالة الاجتماعية ، فقد حصل اثناء الزيارة انني ذهبت لشراء بعض الحمضيات من السوق المجاور للفندق ، وعند مغادرة المحل تفاجئت ان البائع ينادي علي بصوت مرتفع ، ولا اخفي عليكم لقد شعرت بنوع من الرهبة مثل ان اكون نسيت شيء مهم ، رجعت اليه وسألته عن سبب النداء ؟ فأجابني لقد نسيت باقي الحساب ! هنا صدمت لأني اعرف اني دفعت له 8 يورو و 40 سنتا وكان الثمن 8 يورو و 35 سنت ، فقال لي باقي لك 5 سنتات !!! فقلت في نفسي عجبا ينادي علي من بعيد من أجل إرجاع 5 سنتات وهي تعادل نصف اغورة من عملة الشيكل التي لا يتداول منها سوى فئة النصف شيكل والشيكل ( 50 اغورة و 100 اغورة ) في فلسطين، وعندما استفسرت لماذا أصر البائع على إرجاع ال 5 سنتات كان الجواب ان هذا حقك ولا يمكنك التصرف هكذا في فنلندا .

هنا ولوهلة عادة موضوع ال 10 اغورات الى الضوء بعد ان قررت نهاية 2019 وقف متابعة الموضوع بسبب الردود السلبية من الحكومة الفلسطينية ، وتبادر الى ذهني السؤال التالي:

لماذا لا تزال فئة السنت متداولة في أغنى دول العالم مثل أوروبا وامريكا وال 10 اغورات متداولة في إسرائيل ، ولكن في فلسطين متداول فقط فئة ال 50 اغورة وال 100 اغورة ( نصف شيكل و 1 شيكل ) ؟

الجواب لان هذه الدول تضع مصلحة الفقراء قبل مصلحة الأغنياء عند اتخاذ القرارات وتسير على نهج تحقيق العدالة في مجتمعاتها لكي تستمر وتزدهر ، وهنا اقتبس مقولة شيخ الإسلام ابن تيمية : " اللَّهُ يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الْعَادِلَةَ وَإِنْ كَانَتْ كَافِرَةً وَلَا يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الظَّالِمَةَ وَإِنْ كَانَتْ مُؤْمِنَةً " .

لماذا هذا الموقف مهم لنا كفلسطينيين نعيش في وضع اقتصادي مزري وفقر يمس غالبية الشعب الفلسطيني ؟

اعتقد ان الموقف إن حصل معي فإنما حصل لكي يذكرني بأنه هناك مهمة يجب إكمالها فأنا أؤمن ان الأشياء انما تحدث لأسباب وجيهة وجيدة ،

“ Things Happen for Good Reasons “ وكما قال الفيلسوف الصيني " لأن تضيء شمعة خير من ان تلعن الظلام " وأقول هنا: " لأن توفر رغيف خبز على مائدة الفقراء خير من ان تلعن الفقر مليون مرة " وخير من كل الشعارات الطنانة والرنانة.

قبل 9 سنوات وتحديدا في العام 2012 قمت بعمل بحث علمي تحت عنوان : " النتائج المترتبة على عدم تداول فئة ال ١٠ أغورات من عملة الشيقل الإسرائيلي في الضفة الغربية من فلسطين المحتلة " وقد تم نشره في مجلة جامعة النجاح للعلوم الانسانية ، وبعد ذلك حاولت التواصل مع عدة جهات رسمية وحكومية ولم يتم اتخاذ اي اجراء من اجل ارجاع تداولها او الإفصاح عن سبب اختفائها، واخرها كانت مراسلة حكومة د. محمد اشتية في شهر 12-2019 ولم يتم تزويدي او تزويدي المجتمع باي رد او بيان اوتصريح ، باستثناء الرد عبر الهاتف بتاريخ 24-12-2019 وأورد لكم ملخص 20 دقيقة حوار مع الموظف المفوض بالتواصل ( م . ن ) لا تسمن ولا تغني من جوع :

الموضوع مُلك لمجلس الوزراء ولا يمكن الإفصاح عنه.

تم تشكيل لجنة لمتابعة الموضوع. ( من شهر 12-2019 ولغاية اليوم 17-10-2021 لم يصدر شيء )

اتفاقية باريس ، قيمة الدولار ، الموضوع جزء من منظومة متكاملة ، العناقيد ، لدينا المؤهلات لنصدر عملة الكترونية !.

من الاخر ، رَكبني في الدويخة ومَرجَحني على المُرجيحة وفسَّر الماء بالماء.

ما علينا ،،،،

نذكر لكم أهم الأثار السلبية المترتبة على عدم تداول فئة ال 10 اغورات والتي سوف تنعكس الى إيجابيات في حال السماح بإعادة تداولها:

خلل في وظيفة النقود الاساسية الا وهي القياس، اي قياس وتقييم السلع والخدمات ، بحيث تصبح وحدات النقود المتداولة في السوق غير ملائمة للقياس بموضوعية وبشكل دقيق.

نزع البركة من الرزق.

عجز في التحكم وضبط الاسعار، وتسعير بعض السلع والخدمات الأساسية بأسعار غير عادلة وأحيانا مجحفة في حق المستهلك بحيث لا نستطيع مشاهدة انعكاس الانخفاض في الاسعار العالمية على اسعار السلع والخدمات محليا.

إضعاف المنافسة بين المنتجين داخل الضفة الغربية وتقييد المنتجين بحيث تصبح عملية التسعير محصورة بالشيكل والنصف شيكل، ما يؤدي الى التواطؤ على بيع السلع والخدمات باسعار شبه موحدة لعدم توفر وحدات نقدية اصغر تمنحهم المرونة في التسعير.

إضعاف قدرة المنتج الفلسطيني على المنافسة مع المنتج الاسرائيلي، وتمكين المنتج الاسرائيلي من تنفيذ سياسة الإغراق السعري حيث تتوفر لديه فئة ال 10 اغورات في إسرائيل (ميزة) ما يمكنه من تعويض خسائره من السوق الفلسطيني دون الضغط على المستهلك الإسرائيلي، وفي هذه الحالة إما أن يخرج المنتج الفلسطيني من السوق او يبقى مع هامش ربح بسيط او خسارة في بعض الاحيان.

زيادة التضخم بمستويات قياسية وبمعدلات متسارعة مقارنة مع النسب الطبيعية او العالمية ( التضخم الاضافي الغير مبرر ).

الفئات المتضررة هم الفقراء وذوي الدخل المحدود ويشمل ذلك الموظفين وطلاب المدارس والجامعات بصفتهم من اصحاب الدخل المحدود.

وهنا لا بد من طرح بعض الاسئلة المهمة !

هل نحن بوضع اقتصادي افضل من اسرائيل وباقي دول العالم المتقدم لنعكف عن التعامل بأصغر وحدات النقود ومنها ال 10 اغورات بينما هي متداولة في اسرائيل ؟

يبلغ مجموع خسائر الاسر الفلسطينية التقديرية في الحد الادنى كنتيجة لعدم تداول ال 10 اغورات ما لا يقل عن 365 مليون شيكل سنوياً ( 2 شيكل يوميا X 365 يوم X 500 الف اسرة ). اضرب ب 10 سنين مضت الناتج 3,650 مليون شيكل ، مع العلم ال 10 اغورات مختفية من بداية 2000 ، لو حسبنا ل 20 سنة مقبلة الخسارة المستقبلية بتطلع 7,300 مليون شيكل.

لو أمكن تمكين الاسر من استغلال هذه الخسارة الضائعة فسوف يقوموا بإعادة إنفاقها على المجالات المختلفة مثل: التعليم ، الصحة ، الاستهلاك ، الخدمات ، الاستثمار ، .... الخ ) مما سوف يزيد حجم الطلب على السلع والخدمات ويدفع عجلة الاقتصاد الى الامام ، بدلا من تكدس الفرق في الحسابات البنكية لفئة معينة وزيادة الفجوة بين الاغنياء والفقراء في المجتمع.

وإن غياب المجلس التشريعي لا يعني حصر متابعة أداء الحكومة من خلال المؤسسات التابعة لها فقط كونها تفتقد عنصر الاستقلالية ، وانما يحق لنا كأفراد اخذ زمام المبادرة والتصرف بمسؤولية اتجاه قضايانا المجتمعية من خلال اتباع الطرق الحضارية وبما يتوافق مع احكام المادة 10 ، والمادة 56 من دستور دولة فلسطين والتي تنص على الاتي: " لكل مواطن الحق في مخاطبة السلطات العامة وتقديم العرائض والشكاوى كتابة وبتوقیعه" .

وعليه يتوقع من الحكومة الرد على المواطنين بشكل خطي ومكتوب لا إغلاق الأبواب والردود المبهمة عبر الهاتف ، فالشعب هو مصدر السلطات والحكومة بكل كوادرها مع كامل الاحترام والتقدير لهم ، انما هي تعمل لدى الشعب ولخدمته والحفاظ على مصالحه.

وهنا لابد من تسليط الضوء مرة أخرى على بعض النقاط والمحاور الرئيسية وارجو من المؤسسات الحكومية في مدينة رام الله مركز اتخاذ القرارات للشعب الفلسطيني والتي تؤثر على حياتنا اليومية ان توسع صدرها وتنصت الى رسالة مدينة هلسنكي من اجل تحقيق جزء من العدالة الاجتماعية الضائعة وان تنظر بعين العطف على الفقراء والأوضاع المعيشية السيئة السائدة ، وايضاً ، اطلب من كل مسؤول قبل اتخاذ القرارات وارتجالها أن يلبس ثوب الفقر ويتخيل كيف يمكن ان يعيش هو وعائلته اذا ما انخفض دخله من 10 الاف شيكل شهريا واكثر الى درجة الفقر الشديد والعوز ل 388 شيكل كمساعدة شهرية كما هو الحال مع اكثر من 115 الف اسرة تقع تحت خط الفقر الشديد حسب وزارة الشؤون الاجتماعية " الفئات المستهدفة من برنامج التحويلات النقدية" ، او ان تكون عامل تنحت الصخر لتتقاضى الحد الأدنى للاجور( 1450- 1880 ) شيكل شهريا ولديك اسرة من 4 افراد وأحدهم طالب جامعي على سبيل المثال لا الحصر.

يعني عزيزي المسؤول اذا لقيت بجيبتك 20 شيكل اغورات ووزنهم ثقيل على البنطلون مش ضروري تلغيهم عشان راحة بنطلونك ، فكر بغيرك ، لا تنسى قوت الحمام ( الشاعر محمود درويش ).

بعد البحث والتحري والمتابعة مع العديد من الجهات فان وقف تداول ال 10 اغورات تم بدون إفصاح من الجهات المعنية وهذا يشكل فجوة بين الحكومة والشعب ، حيث يتوقع من الحكومة التواصل مع الشعب والافصاح بكل شفافية عن الإجراءات التي تتخذها وسرد الإجراءات ونشرها في الصحف الرسمية.

ويتضح ان الموضوع تم بدون تغطية قانونية، حيث ان قانون النقد والتسليف الذي كان من المفروض ان ينظم تداول النقود في فلسطين لم يصدر لغاية الان.

وحتى لو كان هناك تكلفة على الحكومة لاستبدال ال 10 اغورات المتراكمة من البنك المركزي الاسرائيلي، هل يا ترى تتجاوز التكلفة المنفعة وهي 365 مليون شيكل خسارة سنوية واكثر ؟

وما المانع ان تتقاسم الحكومة مع المؤسسات المالية ذات العلاقة هذه التكلفة ؟

هل الحكومة شركة ربحية ام خدمية غير ربحية ؟

لماذا لا تعتبر تكلفة تبديل ال اغورات من ضمن نفقات الحكومة الطبيعية ، يعني لو فرضنا جدلا ان التكلفة 10 مليون شيكل وهذا رقم مبالغ فيه ، لكن لو حصل ، ما تاثيره على موازنة الحكومة التي تصل الى 19 مليار شيكل ؟

اذا كان عجز الموازنة العامة يتجاوز 1700 مليون شيكل ، مشكلة كبيرة نزيد 10 مليون شيكل عشان نوفر 3 ارغفة خبز على مائدة كل مواطن ونوفر 365 مليون شيكل خسارة اقتصادية على الشعب ؟.