الأحد: 25/09/2022

فلسطين الخاسر الأكبر أمام الفوائد المصرية والإسرائيلية من اتفاقية الغاز الثلاثية

نشر بتاريخ: 18/06/2022 ( آخر تحديث: 18/06/2022 الساعة: 17:14 )

الكاتب: ناصر دمج

تعد اتفاقية الغاز ثلاثية الأطراف، التي وقعت في القاهرة بتاريخ 15 حزيران 2022م، بين مصر و(إسرائيل) والاتحاد الأوروبي، واحدة من التبعات الجلية للحرب في أوكرانيا، ويظن معدوا الاتفاقية الصالحة لثلاث سنوات قابلة للتجديد تلقائياً لمدة عامين، بأنها قد تنقذ أوروبا اقتصادياً من تداعيات تراجع تدفق الغاز الروسي إلى أوروبا، على الرغم من إنها لن تتمكن إلا من تعويض أوروبا بما نسبته 10% فقط، من إجمالي إمدادات الغاز الروسي المناهز لــ 144 مليار متر مكعب سنوياً من الغاز المسال.

وهي بلا شك استثمار إسرائيلي ذكي في تبعات الحرب وما نتج عنها لغاية الآن، ومن المقرر وفقاً للاتفاقية، نقل الغاز المستخرج من الأراضي الفلسطينية المحتلة من قبل دولة الاحتلال الإسرائيلي، عبر خط أنابيب موجود سابقاً إلى مصر، التي ستقوم بتحويله لسائل عبر محطتين هما:-

1- محطة "إدكو" الكائنة في محافظة البحيرة، وتعمل بطاقة 10 مليارات متر مكعب، وتضم وحدتين للإسالة، تساهم الحكومة المصرية بنحو 24% فيها، والهيئة المصرية للبترول 12%، والمصرية القابضة للغاز "إيجاس" 12 %، وتملك شركتا "شل" الإنجليزية، و"بتروناس" الماليزية، نسبة 35.5 %، لكل منهما.

2- ومحطة "دمياط"، وتديرها شركة "يونيون فينوسا" الإسبانية بالشراكة مع "إيني" الإيطالية، وحصة مصر فيها نحو 20% مقسمة بين الهيئة المصرية للبترول وشركة "إيجاس" وتنتج 7 مليارات متر مكعب مسال.

وتعد هذه الاتفاقية امتداد أو تطبيق للاتفاقية الثلاثية الموقعة بين الاتحاد الأوروبي و (إسرائيل) ومصر، بتاريخ 18 شباط 2018م، بين مجموعة "ديلك – דלק" الإسرائيلية وشركة "دولفينوس" المصرية بقيمة 15 مليار دولار لبيع 7 ملايين متر مكعب من الغاز الطبيعي سنوياً، لمدة 15 عاماً.

الفوائد الإسرائيلية:-

1- حصلت (إسرائيل) على تعهد أوروبي، مؤيد أمريكياً بصرف النظر عن الملفات الفلسطينية المقدمة للجنايات الدولية، ومنها ملف "شرين أبو عاقلة"، بالمقابل طلب الأوروبيين استئناف دعمهم للسلطة الفلسطينية، لشراء صمتها تجاه الاتفاق نفسه وضمان عدم تعقيبها عليه.

2- تفويض الحكومة الإسرائيلية بالملف السوري، بما في ذلك مواصلة الغارات على القوافل والمراكز الإيرانية في سوريا.

الفوائد المصرية:-

1- ستجني الخزينة المصرية مليار يورو سنوياً، نظير عمولتها لتسيل الغاز من محطتي إدكو ودمياط باتجاه أوروبا.

2- أعلن الاتحاد الأوروبي على لسان رئيسة المفوضية الأوروبية "فون دير لاين"، عن توفير 100 مليون يورو للقاهرة لمواجهة أزمة الغذاء والأسعار، مؤكدة أن "لديهم التزاماً قوياً بالشراكة مع مصر.

3- كما أعلنت المسؤولة نفسها "بأن تكون مصر على رأس التحول التكنولوجي، معلنة أيضا عن تخصيص 3 مليارات يورو، لبرامج الزراعة والري"، مشددة على دعم الاتحاد الأوروبي تحول مصر إلى مقر إقليمي لتداول الطاقة.

4- توفر فرصة ثمينة للجانب المصري، لتشغيل محطات تسييل الغاز بكامل طاقتها، وتشغيل موانئها بنقل الغاز إلى أوروبا، وزيادة الصادرات المصرية من الغاز ومشتقاته إلى أوروبا، وإنعاش الموانئ المصرية، وزيادة الاستثمار في تشييد محطات الإسالة في القطر المصري، الأمر الذي يحاكي أملها في التحول لقوة إقليمية يعتد بها في سوق الطاقة الإقليمي.

5- حصلت مصر على تعهد أوروبي بعدم إثارة ملف حقوق الإنسان المصري، وعدم إثارة أي قضية تتعلق بالانتهاكات المصرية لحقوق المعتقلين السياسيين.

6- منح الحكومة المصرية صلاحية التدخل في الملف الليبي.

3- حصلت الحكومة المصرية على تعهد أوروبي بدعم الرأي المصري من موضوع سد النهضة.

استنتاج أول

يمكن وصف الفوائد الإسرائيلية من الاتفاق، بأنها فوائد سياسية ودبلوماسية، ليس في مضمار التطبيع، وإعادة الروح لاتفاقيات التطبيع الباردة؛ بل في تحولها للاعب إقليمي وعالمي في سوق الطاقة، وهو ما يحسن وظيفتها ضمن المنظومة الرأسمالية، على نحو يضاهي الطفرة التاريخية في طبيعة دورها ومكانتها وشرعية وجودها.

مخاطر الاتفاق على مصر

يمكن اعتبار الرغبة الإسرائيلية الجامحة في الاستثمار في المزايا الناتجة عن ولادة أي تحول يشهده العالم والمنطقة العربية، بما في ذلك اتفاقيات السلام، كمستفيد وحيد منها، وحرمان نظرائها من المحاسن والمزايا نفسها، وهو ما يشكل خطر على مصر وعلى كل دولة تتعالق معها بعلاقة ما؛ وتحقيق المزيد من المكاسب على حسابهم.

لهذا من المشكوك فيه أن تجني مصر أي مكاسب مستدامة من هذه الاتفاقية، بدلالة إنه وبعد مرور 4 أعوام على توقيع الاتفاق المؤسس للشراكة، والموقع بتاريخ 18 شباط 2018م، فإن مصر لم تحقق أيا من مآربها وآمالها في التحول للاعب إقليمي في مجال الطاقة الأحفورية، رغم اكتشافها للعديد من حقول الغاز بعد ذلك التاريخ وقبله، ومنها حقل ظهر عام 2015م، وهو أكبر حقل للغاز في البحر المتوسط لغاية الآن.

مضاف لذلك أن القاهرة لم تجني ما كانت تتوقعه من تأسيس "منتدى غاز شرق المتوسط"، في كانون الثاني 2019م، الذي كان يتطلع لإنشاء سوق غاز إقليمي، وتأمين العرض والطلب بين الدول الأعضاء،لأن شركائها في المنتدى سيما (اليونان وقبرص وإسرائيل وإيطاليا وفرنسا) استثنوها من اتفاق خط أنابيب شرق المتوسط "إيست ميد" لمد أوروبا بالغاز المتفق على تشغيله بتاريخ 30 كانون الثاني 2020م.

الأمر الذي يثير الشكوك حول مكانة مصر القانونية في الاتفاق الأخير؛ هل هي شريكاً أصيلاً ؟ أم مجرد وسيط لنقل الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا ؟ وهل الدور المصري سيقتصر على تحولها لمعبر للغاز الإسرائيلي إلى أوروبا ؟ أم ستستورد الغاز الإسرائيلي ثم تعيد تصنيعه وإسالته وبيعه كمنتج مصري المنشأ ؟ وتحصل على قيمة الصادرات بالكامل؟ بعد خصم قيمة الغاز الإسرائيلي المستورد ؟.

الإجابات على هذه الأسئلة، لا يمكن معرفتها الآن عل نحو حرفي، لكن يمكن التنبؤ بها وفقاً لتاريخ خبرة العلاقات الإسرائيلية المصرية والعربية والفلسطينية، المحفوفة بالغدر والخذلان.

استنتاج ثاني

لكن، الأهم من كل ذلك، هو استبعاد فلسطين من أية شراكة في الاتفاقيات الإقليمية المتعلقة بغاز المتوسط، رغم إنها الموطن الأصلي للغاز الذي يدور الحديث حوله، والذي تتم سرقته، ورغم وجود فلسطين في منتدى غاز المتوسط، وأن ما تستخرجه (إسرائيل) من حقلي غاز "تمار" و"ليفياثان" في شرق البحر المتوسط، هو بالأساس ملك للشعب الفلسطيني.

وما يزيد من كارثية الاستلاب الإسرائيلي الأوروبي المصري للغاز الفلسطيني، هو صمت السلطة وتواريها عن الأنظار أمام ما يحدث؛ في الوقت الذي يمكنها التقدم بالعديد من الشكاوي والاعتراض أمام الجهات الإقليمة والدولية، ذات الاختصاص، والطلب من الشقيقة مصر، الامتناع عن المشاركة في تلك السرقة للحقوق والمقدرات الفلسطينية.

لأن (إسرائيل)، بما حققته بمساعدة الأشقاء المصريين والأصدقاء الأوربيين، مكنها من حيازة فوزاً كبيراً على حساب القضية الفلسطينة، وعلى حساب مكانة مصر التاريخية أيضاً؛ لأنه أسهم في نسف آخر مداميك الدور القومي المصري في الدفاع عن قضايا الأمة وحمايتها، وتحولها من مدافع تاريخي عن القضية الفلسطينية، إلى متلاعب بها ومستثمراً بخيراتها، ونقل السلام المصري الإسرائيلي البارد إلى طور السخونة المتصاعدة على لهيب ألسنة نيران الغاز الفلسطيني؛ الأمر الذي شكل انتصاراً للدبلوماسية الإسرائيلية في إقصاء الفلسطينيين وحذفهم من كل معادلة.

استنتاج ثالث

حظيت دولة الاحتلال الإسرائيلي، بفوزاً سياسياً ودبلوماسياً كبيران، ليس في مضمار التطبيع فقط، بل في التحول التاريخي الذي استجد على مكانتها ودورها الإقليمي والدولي، ووفر الاتفاق نفسه فرصة لمصر للحصول على بعض المعونات الغربية، والفوائد الاقتصادية المحفوفة بعدم اليقين السياسي، وذلك بالنظر لميراث الغدر والخذلان الذي تتسم به السياسات الإسرائيلية والغربية على حد سواء.

لهذا، على السلطة الوطنية الفلسطينية، ان لا تكتفي بالمقابل السياسي الوهمي أو الاقتصادي غير المستدام، نظير بيع مواقفها لمن يلوح لها ببرامج الدعم المشروطة، والمهددة بالتوقف في أي لحظة، في حال لم تستجب لمطالب لشروط المانحين المجحفة.

بينما يمكنها الاستثمار في الموقف الشعبي العنيد؛ القادر على دعمها بما يمكنها من تحصيل ما يحق لها من حقوق، كفيلة عند تحصيلها بتوفير موارد اقتصادية سيادية مستدامة ومستقرة المنفعة والفائدة، وهذا يحتاج لإرادة سياسية مستعدة للمطالبة بالحقوق الفلسطينية، ويمكن البدء باستراتيجية تصدي فلسطينية جديدة، بدءاً من زيارة بايدن لرام الله، واسماعه ما يجب اسماعه إياه دون تردد أو تلعثم.