الثلاثاء: 29/11/2022

عن "نخبوية" حركة المقاطعة!

نشر بتاريخ: 26/09/2022 ( آخر تحديث: 26/09/2022 الساعة: 16:42 )

الكاتب: حيدر عيد

على الرغم من انسحابها من المشهد الوطني برمته، تقوم بعض الأصوات بتوجيه تهمة "النخبوية" لحركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (BDS)، وكيل بعض الاتهامات جزافا ودون سند في معظم الأحيان للحركة بأسلوب فيه نوع من التعالي والتجني في الوقت ذاته. إلا أن الحركة ترحب بصدور واسعة وعقول منفتحة بكل ما من شأنه أن يوسع دائرة الحوار المجتمعي الفلسطيني حول معايير ومبادئ وإستراتيجيات حركة مقاطعة إسرائيل، والانخراط بها وبفعالياتها المتعددة. وكانت الحملة منذ انطلاقتها قد رحبت بالمشاركة الفاعلة لعدد كبير من المثقفين/ات والفنانين/ات الفلسطينيين/ات في لقاءات عديدة، جرى خلالها تطوير معايير المقاطعة، حيث أدلوا بآرائهم ونقدهم بشكل بنّاء، بدل اللجوء للهجوم الاستثقافي القادم أساسا من أبراج عاجية نفسها نخبوية.

إن المنطق الأساسي لحركة المقاطعة يبقى واحدا، وهو تفعيل وتعزيز كافة أشكال الضغط المتاحة على إسرائيل والمؤسسات والشركات المتواطئة في اضطهادها المركّب لشعبنا، بما يراعي خصوصية السياق في كل موقع ويضمن الاستدامة والفاعلية، من أجل استعادة الحقوق الأساسية لشعبنا وأهمها التحرر، والعودة إلى الديار، وممارسة حقنا غير القابل للتصرف في تقرير مصيرنا على أرضنا. لذا، فإن مقاطعة إسرائيل هي إستراتيجية رئيسية في مقاومتنا للاحتلال والأبارتهايد الإسرائيلي، تهدف إلى عزل إسرائيل دوليا، ومقاومتها داخليا وعربيا، لتعديل موازين القوى لصالح شعبنا ونضالنا من أجل حقوقنا. لا يمكن القيام بذلك دون فك التبعية بأشكاله والتزام مثقفينا، قبل غيرهم، بهذه الحالة من الإجماع غير المسبوق.

قد يتوجب على من يتهم الحركة بالنخبوية أن يراجع بعض الحقائق: لقد تم إطلاق نداء المجتمع المدني الفلسطيني عام 2005 لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها. انبثقت اللجنة الوطنية للمقاطعة عن المؤتمر الوطني الفلسطيني الأول لحركة مقاطعة إسرائيل عام 2007، وأصبحت منذ ذلك الوقت تقود حركة المقاطعة عالميا. تتشكل اللجنة الوطنية للمقاطعة من القوى والاتحادات الشعبية الكبيرة (العمال، المرأة، الكتاب، الفلاحين وغيرها)، وجميع الاتحادات النقابية والائتلاف العالمي لحق العودة (أوسع ائتلاف يدافع عن حقوق اللاجئين)، وشبكات المؤسسات الأهلية، وغيرها من أهم وأكبر الأطر التي تمثل كل قطاعات شعبنا في الوطن والشتات. فأين النخبوية في ذلك التحالف الأوسع فلسطينيا؟

من الواضح أن تهمة "النخبوية" تأتي من بعض الأفراد الذين لا يعلمون أبجديات المقاطعة، وهي شكل ريادي من أشكال المقاومة الشعبية، التي ترى أنه في ظل الاحتلال والاضطهاد الإسرائيلي المركب لشعبنا، وتشتت شعبنا بين أراضي المحتلة عام 1948 و1967 والمنافي، لا يمكن الحكم على شعبيتها من خلال تكتيكات ومناكفات فصائلية، بل من خلال مؤشرات ومقاييس مختلفة تراعي ظرف الاحتلال. فحركات المقاومة في فلسطين وخارجها تتكون بالكامل تقريبا من متطوعين أخذوا على عاتقهم مقاومة الظلم والاستعمار، إما من خلال الكفاح المسلح أو المقاومة الشعبية أو الاثنين معا. إن تواجد واستمرارية المجتمع المدني تحت الاحتلال هو جزء من تواجد الشعب الفلسطيني واستمراره وتمثيل رأيه، وأدوات المقاومة التي يطورها هذا القطاع هي جزء لا يتجزأ من نضال هذا الشعب. لا يسعنا هنا إلا أن نتساءل من هو النخبوي؟ تحالف معظم قوى ومؤسسات ونقابات وأطر المجتمع الفلسطيني في الوطن والشتات أم مثقف فرد؟! وما الذي يمنع هذا المثقف في الانخراط في هذا التحالف الأوسع فلسطينيا وأمميا؟ إن رفض فكرة المبادئ التي يتم التوصل لها جماعيا كمرجعية للجميع في حسم الاختلافات، والإصرار على مرجعية الفرد، أي فرد، هو بمثابة رفض لفكرة المقاومة، كل مقاومة، جماعية للاحتلال والأبارتهايد، ورفض لأسس العمل المجتمعي من أجل التحرر والتقدم سياسيا، واجتماعيا وثقافيا.

المقاطعة كأي أداة مقاومة أخرى تحتاج إلى الوقت والجهد والحوار والإقناع والتصحيح من حين إلى آخر، والتطوير المستمر لترسيخ جذورها في الأرض ولخلق تراكم فعلي في نتائجها الملموسة، خصوصًا أنها تستهدف محليا تفكيك علاقة اقتصادية وثقافية عملت إسرائيل جاهدة على مدى عقود على نسجها بشكل محكم. إن التأييد الشعبي لمقاطعة إسرائيل يتجلى لا في التأييد العلني للغالبية الساحقة من أطر شعبنا لهذه المقاطعة فحسب، بل في انحسار ظاهرة التطبيع في فئة صغيرة للغاية، تكاد تكون معزولة جماهيريا. كما تتجلى في انخراط عدد متنام بتسارع من شعبنا في مطالبة العالم بمقاطعة إسرائيل في شتى المجالات، وفي فرحة قطاعات واسعة من شعبنا، بالذات المُعبّر عنها في وسائل "الإعلام الاجتماعي"، كلما نجحت الحركة في إفشال نشاط إسرائيلي أو في امتناع كاتبة عالمية، مثلا، عن طباعة كتابها من قبل دار نشر إسرائيلية، أو في إلغاء مخرج عالمي مشاركته في مهرجان سينمائي إسرائيلي وغيرها. وفي ظني أن هذه وسائل لا يمكن وصمها بالنخبوية!

والحقيقة هي أن هذه التهمة تعكس ضحالة فهم آليات عمل المقاطعة على أرض الواقع، وإهمال كم هائل من الدلائل التي تثبت زيف هذا الادعاء، بل وتثبت أن المقصود من توجيهه هو التبرير للخروج عن مبادئ المقاطعة المقرة من قبل غالبية أطر مجتمعنا، أو إسقاط نفسي من قبل أشخاص "مستثقفين". إن أي باحث في مسيرة حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات منذ 2005، يستطيع بسهولة أن يفهم الطبيعة الجماعية المميزة في آلية عمل الحركة، وأن القوة الوحيدة التي تمتلكها لفرض العزلة على منظومة الأبارتهايد والاحتلال والاستعمار، هي القوة الأخلاقية التي تنبع من قناعة بفك الارتباط معها ومع مؤسساتها.

إن أعضاء الحركة هم متطوعون ونشطاء في هذا الشكل من أشكال المقاومة، لا أكثر من ذلك. وقد جرى التوافق بين أكبر أطر ومؤسسات المجتمع المدني على تفعيل المقاطعة من خلال مجموعة من المعايير، التي تهدف إلى خلق قاسم مشترك مقبول وواقعي يلتزم به الفلسطينيون كوسيلة للضغط على إسرائيل. وترى حركة المقاطعة أن من دورها نشر هذه المعايير والرد على استفسارات الجمهور والشركاء العالميين بخصوصها، ومواجهة محاولات خرقها، سواء من قبل فلسطينيين أو عرب أو دوليين، بأسلوب أخلاقي يستند دائما إلى المعايير الجماعية المنشورة، لا على الآراء والمشاعر الفردية لهذا الناشط أو ذاك. كثيرا ما تتلقى الحركة عددا من الاستفسارات من قبل الفنانين والمثقفين والأكاديميين والطلبة، وحتى العاملين في قطاع الأعمال، كما من المؤسسات المختلفة حول معايير المقاطعة وتفسيراتها في سياق مشاريع عينية، ما يعكس احترام عدد كبير جداً لهذه المعايير ولمرجعية اللجنة الوطنية للمقاطعة، ومن ضمنها حملة المقاطعة الأكاديمية والثقافية.

تناضل حركة المقاطعة من أجل توسيع دائرة التأييد الفلسطيني والعربي والدولي لمقاطعة إسرائيل، في كافة المجالات، وللمساهمة في الوصول إلى حقوقنا دون انتقاص. وتقف في صف هذه الحركة الغالبية العظمى من الأدباء والفنانين والأكاديميين وكافة أبناء شعبنا. وهذا، للأسف، يثير غيرة البعض في بعض الأحيان! في هذا السياق، وبدلاً من توجيه التهم غير المجدية بالنخبوية، تتنامى الحاجة لتعزيز الالتفاف الجماهيري الفلسطينية والعربي الواسع لمقاطعة إسرائيل، ومعايير هذه المقاطعة، كما تزداد الحاجة لمشاركة كل مثقفينا، لا في نشر ثقافة المقاطعة فحسب، بل والمساهمة الفاعلة والإيجابية في تطوير المقاطعة باستمرار، لتتناسب مع ضرورات النضال من أجل الحرية، والعدالة، والمساواة.