السبت: 15/06/2024 بتوقيت القدس الشريف

لماذا يكرهونك يا فيصل بهذا الشكل وإلى هذا الحد؟

نشر بتاريخ: 02/06/2023 ( آخر تحديث: 02/06/2023 الساعة: 17:58 )

الكاتب: د.رفيق الحسيني

طالعتنا الصحف الفلسطينية بالأمس بخبر يدل على فعل يحمل في طياته سفاهة وانحطاط، بل وشاهدناه مُسجلاً بالصورة والصوت، ألا وهو قيام أفراد من شرطة الاحتلال بنزع صورة فيصل الحسيني، المُستشهد والراحل قبل اثني وعشرين عاماً، عن بوابة بيت الشرق في القدس العربية، وتمزيقها!

وكان بضع عشرات ممن ما زالوا يذكرون نضال فيصل المرير ضد تهويد القدس واستيطان فلسطين، قد قرروا الوقوف على أسوار بيت الشرق والمُغلق، بقرار وزير الأمن الداخلي، بُعيد استشهاد أبو العبد في الكويت في 31 أيار/مايو 2001، وذلك إحياءً لذكرى نضاله من أجل تحرير القدس واستقلال فلسطين.

رغم أن صورة أبو العبد المُعلّقة على بوابة بيت الشرق والتي إلتف حولها بضعة عشرات من الذين إبيّضت شعورهم، لا تهدد الكيان الاسرائيلي، أو تزعزعه، أو تؤثر على الأمن العام في المدينة المحتلة، إلا أن مجرد رؤية أفراد الشرطة الاسرائيلية ينتزعون صورته عن أبواب التاريخ، يجعلنا نتساءل وبحرقة : لماذا، بعد رحيله بـ 22 عاماً، ما زالوا يحقدون عليه، ويهابون صورته؟ والأهم من هذا وذاك ... هل كان لخوفهم وحقدهم على دوره الوطني الكبير هذا دور في غيابه المُبكر عن القدس وفلسطين؟

والأجوبة عن أسباب رحيل أبو العبد عن القدس ليس مؤكدة مئة بالمئة، فليس من دليل مادي على هذا السؤال الذي احترنا في كيفية حصوله في وقت كانت القدس وفلسطين في أشد الحاجة لأميرها ... وقد كانت جنازته من رام الله، لمن يذكرها، بعد أن وصلها جثمانه الطاهر بالطائرة الهيلوكوبتر من عمان قادماً من الكويت، ليُسجى إلى مثواه الأخير في الرواق الغربي التابع للحرم القدسي الشريف ... جنازة فُتحت فيها حواجز الاحتلال فحُررت القدس لساعات، جنازة لم يشهد لها مثيل منذ استشهاد أبيه في العام 1948 وجده في العام 1934، والذين دُفن فيصل فوقهما، وبالقرب من مسجى الشريف الحسين إبن علي، الذي كان قد رفض، في العام 1923، الاعتراف بوعد بلفور والقبول بتهويد فلسطين، فدفع الثمن بالنفي والتشريد إلى حين وفاته عام 1931!

ولكنني أستطيع أن أؤكد لأبي العبد بعد تمزيق صوره امس الأول، وبدون تردد أو تفكير، وبالرغم من أنهم لم يعودوا يهابونه بعد مماته كما كانوا في حياته ...أنهم ما زالوا يمقتونه بشدة، تماماً كما كانوا في حياته. ولذلك فصورته تزعجهم بعد 22 عاماً من الرحيل فيمزقونها. أما بالنسبة لمُحبّيه، فمن المؤكد أن روح فيصل المتواجدة إلى جانب كل الشهداء والصدّيقين لا تأبه أو تتأثر ... فالاستعماريون الجدد، كما كل الاستعماريين القدامى، يخافون كل المناضلين، الصغار منهم والكبار، الأسرى منهم والطلقاء، الشهداء منهم والأحياء.

ولكنني أتساءل ... لربما يمقتون فيصل أكثر من غيره ليس فقط بسبب دوره القيادي في الثمانينيات والتسعينيات، ولكن بسبب الموقف الصلب والمتجذّر من قبل عدد من أفراد عائلته من قبله ... من موقف جده موسى كاظم في وجه وعد بلفور والوطن القومي اليهودي في العشرينيات، والمقاومة الضارية ضد الحركة الصهيونية والاحتلال البريطاني التي قادها عمه الحاج أمين في الثلاثينيات، والدفاع المستميت الذي بذله والده عبد القادر في الذود عن القدس وقراها ضد هجمات الهاجاناه وشتيرن والارغون في الأربعينيات.

هذا الحقد على فيصل وعائلته كان بسبب أنهم، بما كانوا يقولون وما كانوا يفعلون، قد حرّكوا مشاعر الوطنيين من أبناء البلاد منذ بداية الانتداب البريطاني عام 1920، فوقفوا معهم وناضلوا إلى جانبهم وتحمّلوا مثلهم المشاق والصعاب، والقمع والارهاب، والنفي والتشريد، والسجن والاعتقال.

لقد تحوّل التخوّف الصهيوني من نضال أبو العبد إلى كراهية، فحاولوا شيطنة نضاله، مُتهمين إياه وكل من وقف معه ضد مشروعهم الاستيطاني بالارهاب ومعاداة السامية، وسجنوه "إدارياً" لعدة فترات ونفوه من القدس لعدة سنوات، وكتبوا عبارات "الموت للحسيني" على حيطان بيته في القدس، وهددوه بالقتل بأشكال مختلفة رسمية وغير رسمية ... وكأن قدر الشعب الفلسطيني الذي رسموه له، ولكل فلسطيني شريف، إما أن يقبل بالاستعباد، أو يهاجر من وطنه إلى أي بلد آخر، أو يموت ... ولكن فيصل، ومن قبله موسى كاظم والحاج أمين وعبد القادر، لم يقبلوا بذلك القدر المرسوم فقاوموا إلى آخر يوم في حياتهم.

لم يسلم هؤلاء المناضلين من حقد الصهاينة حتى بعد وفاتهم، ولا من محاولاتهم المستمرة لتشويه السمعة. فقد إدّعى بعض "المؤرخين" الصهاينة أن موسى كاظم الحسيني، الرئيس المنتخب للمؤتمرات الفلسطينية المتعاقبة ما بين 1920 وإلى حين وفاته عام 1934 إثر تلقيه ضربة من هراوة على الرأس، قد أخذ رشوة بقيمة مائتي جنيه فلسطيني (على دفعتين) من قبل شخص صهيوني يُدعى كلفرسكي كان معروفاً بالكذب والرشوة وشراء الضمائر... مع أن أدعاء كلفرسكي لا يستند على أي دليل إلا ما كتبه في دفتر مصاريفه! كما إدعى آخرون أن موسى كاظم، بحسب السجلات الصهيونية، قد باع أرضاً لليهود، فنشرت مجلة "فصل المقال" الخبر في العام 1997 ... ولكن عندما طُلب من المُدّعين ابراز الوثائق، أصبح الادعاء أن الذي باع الأرض هم ابناؤه وليس هو!

أما الحاج أمين، وغير التهمة الكبرى بانتمائه للنازية، فقد إدعى "باحثون" صهاينة أنه، في العام 1919، استلم 150 جنيه من الأمير فيصل بن الحسين لتغطية مصاريف الوفد الفلسطيني إلى المؤتمر السوري العام، ولكنه قام بسرقة المبلغ. ثم ادعوا أنه حصل على منصب الإفتاء عام 1921 بسبب "علاقته اللوطية الحميمة" مع البريطاني ارنست ريتشموند أحد مستشاري المندوب السامي هربرت صامويل. ثم أفادوا أن البروفسور الكساندر دوشكين، المتوفي في العام 1974، أخبر أحد الباحثين أن الحاج أمين كان يستخدم مستشفى هداسا في القدس باستمرار للعلاج وهناك كان "يرمق المُمرضات اليهوديات بنظرات غرامية". وفي آخر المطاف، اتهم نتاياهو، من خلال فيديو خاطب به مؤتمر للصهاينة في الولايات المتحدة عام 2015، الحاج أمين بأنه، بعد لجوئه إلى ألمانيا في أواخر العام 1941، أشار على هتلر أن يحرق اليهود، مع أن هتلر كان يريد ترحيلهم فقط، الأمر الذي أثار ضجة عالمية آنذاك مما اضطر المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بنفسها إلى نفي كلام نتانياهو جملة وتفصيلاً!

أما عبد القادر الحسيني، فلابد أنهم كانوا يمقتونه أكثر من غيره بسبب فرضه حصاراً على يهود القدس، وقطعه للطريق بين القدس وتل أبيب، وقيادة المعارك حول المدينة التي أنزلت بهم خسائر فادحة في المعدات والأرواح، بالاضافة إلى التفجيرات الكبيرة في شارع بن يهودا وبنايات الوكالة اليهودية والبالستاين بوست في القدس، والتي رد العرب فيها على تفجيرات الصهاينة في القدس ويافا وحيفا وغيرها من الهجمات الوحشية على المدنيين الفلسطينين في نهاية العام 1947 وبداية العام 1948. فلما سقط عبد القادر جريحاً في القسطل في 7 نيسان/أبريل 1948، وكان قد تقدّم الصفوف مع ثلة من رجاله بعد أن تُركوا "بدون عون أو سلاح" كما كتب عبد القادر للجنة العسكرية التابعة لجامعة الدول العربية، صرّح أحد الجنود الصهاينة أنه رأى عبد القادر على الأرض يئن من جراحه، ولكن أحداً – عن قصد أو غير قصد - لم يسعفه، بل تركوه مسجياً ينزف على أرض المعركة إلى أن وصلت "فزعة" من أهل القدس والخليل في صباح اليوم التالي، فوجدوه مُستشهداً في ساحة القتال، مثله مثل الشيخ عز الدين القسام في يعبد (جنين) في تشرين الثاني/نوفمبر 1935 وسعيد العاص في الخضر (بيت لحم) في أيلول/سبتمبر 1936، وعبد الرحيم الحاج محمد في صانور (جنين) في شباط/فبراير 1939، وحسن سلامة في رأس العين (اللد) في حزيران/يونيه 1948، وعبد الرحيم محمود في قرية الشجرة (طبريا) في تموز/يوليه 1948، وغيرهما مئات من القادة وآلاف من المناضلين خلال الدفاع عن الوطن قبل وبعد العام 1948.

بعد أن استطاعت الانتفاضة الأولى هزّ ضمير العالم في أواخر الثمانينيات، وبعد أن سجنوا فيصل بتهمة قيادة تلك الانتفاضة، اضطر الاحتلال إلى الافراج عنه، كما فعل النظام العنصري الآخر مع نيلسون مانديلا في التسعينيات، فزاره الوزراء وممثلي الدول للاستماع إلى ما تقترح القيادة الفلسطينية في الداخل من حلول. وقد رفض أبو العبد إلا أن يستقبلهم في بيت الشرق، ليفهمهم أن م.ت.ف. هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني من ناحية، وكم هي القدس مُهمة بالنسبة للشعب الفلسطيني وبدونها لا يكون هناك حل. ولكن بعد تبؤ نتانياهو رئاسة أولى حكوماته في العام 1996، ومحاولاته الفاشلة اغلاق بيت الشرق في العام 1997، قررت الحركة الصهيونية التخلص من فيصل بأي وسيلة كانت.

وبينما أخذ اليمين الصهيوني الذي سيطر على الحكم بالتخطيط للتخلص من ياسر عرفات بعد اندلاع الانتفاضة الثانية في أواخر العام 2000 إثر اقتحام شارون للحرم القدسي الشريف، واتهام ياسر عرفات بتأجيج تلك الانتفاضة وتسليحها من جهة، ومروان البرغوثي بعسكرتها واستهداف الجيش والمستوطنين من جهة أخرى، كان على المخطط الاسرائيلي التخلص من فيصل أولاً خوفاً من أن يصبح قائداً للشعب الفلسطيني عندما يتم التخلص من أبي عمار.

وقد سمع البعض، بعيد وفاة أبو العبد، رواية تقول بأن فيصل كان قد قابل بعض من ادعوا أنهم من المُخلصين العرب (أو المُستعربين!) في بهو الفندق خلال زيارته الهامة إلى الكويت، والذين طلبا لقائه في غرفته على انفراد في ساعة متأخرة من الليل، حيث أنهما يريدان التبرع "سراً" بأموال طائلة لصالح بعض مشاريع "اشتر زمناً في في القدس". وفي اليوم التالي، كما تكمل الرواية، وُجد فيصل متوفياً في غرفته ... تماماً كما وُجد محمود المبحوح، بعده بعشر سنوات، في غرفته بفندق في دبي. ولولا كاميرات المراقبة التي كانت منتشرة في الفندق بدبي لما عُرف لاحقاً أن المبحوح كان قد قُتل بواسطة مجموعة من عملاء الموساد، حقنوه بإبرة مسمومة.

نعم يا أبا العبد ... فقد كان أعداؤك يمقتونك وما يزالون ... كما مقتوا كل الثوار الأشراف من قبلك ... وسيمقتون كل من يتصّدى لمشروعهم الاستعماري الاستيطاني أو يكشف زيف ادعاءاتهم أو كذب رواياتهم ... ولكن مقابل كل ذلك الألم الذي سببوه لك، ولكل مناضل مهما كبر شأنه أو صغر، فإن شعبك الوفي يعرف الابطال الحقيقيين، والشجعان الأشاوس، ويعرف من قاد فصيل من فصائل الثوار فاستشهد، ومن قاد فصيلاً من فصائل السلام فأُغتيل، ومن انضم للمشروع التحرري الوطني المتمثل في منظمة التحرير الفلسطينية ومن دخل طوعاً في روابط القرى، ومن نصب خيمة في جبل أبو غنيم للدفاع عن أراضي العرب ومن عمل سمساراً لبيع أراضي وعقارات القدس.

نعم يا ابا العبد ... فأنت - وبكل جدارة واستحقاق - آخر أمراء القدس ... وسيأتي، قريبا يإذن الله وبكل تأكيد، من يرفع راية القدس عالياً، ولو كره الكارهون.