الإثنين: 15/07/2024 بتوقيت القدس الشريف

هناك من يأكلني

نشر بتاريخ: 09/07/2024 ( آخر تحديث: 09/07/2024 الساعة: 08:41 )

الكاتب: عيسى قراقع




عندما سألت صديقي الذي افرج عنه مؤخرا من سجون الاحتلال الصهيوني عن أحوال السجن، صمت قليلا ثم قال: كان هناك من يأكلني، يقضم لحمي، ويقشر جسمي شيئا فشيئا، يسلخني، يفتت لحمي وعظمي ويسيل الدم والقيح، دمامل تهاجمني ليل نهار، لا اعرف طعم النوم، آلام شديدة واوجاع وحمى، انه مرض الجرب الصهيوني الذي انتشر في سجون ومعسكرات الاحتلال بسبب قلة النظافة والمنظفات وانعدام الماء والهواء والعلاج والملابس وقلة الغذاء، وقال صديقي هذا هو السجن، الجرب اشد خطرا من الجوع والضرب، هناك من يأكلك وانت تأكل نفسك.
مرض الجرب اصبح أداة تعذيب، يغزو الاسرى ويأكل جلودهم ويسبب لهم تقرحات دموية وتزداد شراسة والتهاما طالما لا يوجد علاج، حكة شديدة، طفح جلدي، حساسية، وهو مرض قد يؤدي الى تسمم الدم، وامراض القلب، ومشاكل في الكلى، وامراض الجدري، وينتشر بسرعة وله مضاعفات خطيرة، استهتار متعمد بحياة وصحة الاسرى، سجانون وأطباء يعملون في دولة مريضة مصابة بالجذام، تنشر السموم والاوبئة في صفوف الاسرى، ديدان وحشرات تأكل اللحم البشري، صمت مذل وتقاعس دولي شبه كامل ينذر حقا بمرض خطير فكري وانساني على مستوى الكون، انه الميكروب الذي يأكل العقل واللسان ويمحو الكلام.
هناك من يأكلني، وحش ينشب اظافره في داخلي، ينهشني، ليس فقط القنابل والصواريخ المصبوبة نارا وجحيما فوق رؤوس الناس في غزة، وليس فقط التجويع والتعذيب والضرب والتنكيل والاهانات والاغتصاب والاعدامات، ليس فقط هذه السياسة الممنهجة الهادفة الى تجريد الانسان من انسانيته وحرمانه من كل مقومات الحياة، ليس فقط تحويل قطاع غزة الى مستنقع للجثث والامراض بعد تدمير معظم المنظومة الصحية في القطاع، ليس فقط التشرد والنزوح والرعب والبؤس، انها حرب الجرب الصهيونية التي تشنها دولة جرباء على الشعب الفلسطيني، جراثيم صهيونية تضع بيوضها القاتلة في انحاء الأرض كلها شمالا وجنوبا، شرقا وغربا، قبر هائل ونوع اخر من الموت، الموت الحي، اليقظ، الموت بالجرب.
يقول صديقي الأسير المحرر: كان هناك من يأكلني يخترق طبقة جلدي، يحفر في جسمي فيحدث جحورا وخنادق صغيرة، ينهار الجلد ويحترق، شعرت اني التهب الما في كل منطقة في جسدي، بثور وتقرحات في اليدين والخاصرة، في الوجه، حول الأعضاء التناسلية، وفي الرقبة، في فروة الرأس وتحت الابطين، في الصدر وحول الحلمات والسرة، بين أصابع اليدين والقدمين، هناك سوس يعمل انفاقا في جسمي فتظهر قشور وحراشف حمراء، يتغذى هذا السوس على دمي وجروحي، يزداد عربدة ووخزا، يلسعني، ما أطول الليل وانا امزع جلدي عن بدني، واسأل عندها جسمي: من يحتلك ومن يحتلني؟ لا يرد ولا يصغي.
ماذا سيكتب العلماء والجيولوجيون والمؤرخون عن عصر الدولة الصهيونية الجرباء التي حلت في منطقة الشرق الأوسط، واغتصبت المكان والزمان والتاريخ ومسحت الحضارات الإنسانية من الوريد الى الوريد؟ واعدمت كل تطور وتقدم وثقافة، هدمت الأرض والانسان ومقومات العدالة الكونية، ربما سيعودون الى الوراء ليكتشفوا ان الأوبئة غيرت مسار البشرية على مدار التاريخ، وان وباء الحرب الصهيوني المستفحل هو الموت الأسود الذي يهدد العالم الآن، ليس الطاعون ولا الانفلونزا ولا الايدز ولا الكورونا، وانما وباء الجرب الصهيوني الذي يحمل في داخله كل الآفات والامراض، مرض الإبادة والفاشية والعنصرية، مرض الكراهية والشرور، وقد اصبح الجرب مرض أيديولوجي أصاب الدولة الصهيونية، فتتهيج سلوكيا ونفسيا وعسكريا وتتصرف بأشكال عديدة من الإرهاب المنظم، تدافع عن الشذوذ الأخلاقي والمحرم دوليا وتسوغ ممارسته وتتعامل معه كعقيدة وفلسفة.
انها لحظة التحول في كل النظريات العلمية السياسية، انهيار النظم والاخلاقيات والثقافات، مرض مركب نفسي وعقلي يجدر بعلماء النفس ان يجدوا له اسما خاصا وعلاجا خاصا، ان توضع الدولة الجرباء في مستشفى المجانين وفي مصحات المنبوذين، ان تقاطع وتحجر صحيا وتنزع عنها صفة عضو في الأمم المتحدة، انه مرض العار العالمي وولادة التوحش الحديث.
يتابع صديقي الأسير المحرر: هناك من يأكلني، تارة يستخدمونني درعا بشريا امام المجنزرة العسكرية خلال الاقتحامات في قطاع غزة، وتارة تسري الكهرباء والصدمات اللاسعة في جسدي وانا اجلس على كرسي التعذيب، ارتعش وارتجف حتى يغمى علي، وتارة يعلقونني في ماسورة بالمقلوب، كل بساطيرهم المدببة تركت اثارا على وجهي وصدري، اضلاعي مكسورة، غرغرينا في جروحي التي تنزف بين الاصفاد الحادة، اجبروني على الزحف والنباح وتقليد أصوات الحيوانات، مربوط على مدار الساعة عاريا حافيا جائعا مريضاـ وهناك سجان اجرب يأمر بإطلاق النار على رأسي، واخر يقرأ من التلمود آيات الذبح المقدسة ويأمر بسلخي واغتصابي، الكلاب الجرباء تعضني وتخمشني، ولازال الدود ينخر عظمي، كابوس طويل، المكان مليء بالغربان، اظافري تحك جسدي الذي اصبح عبئا على نفسي، انا حي لكني اشم رائحة جثتي.
هل للجحيم دولة تشبه دولة إسرائيل؟ الهستيريا والحقد، دولة تفقس كل امراض الدنيا في جسم العالم، امراض السفالة والوساخة والفاشية والانحطاط والعفونة والطغيان، دولة جمدت المشاعر الإنسانية على مدار تسعة شهور من هذه الحرب الدموية، ما هذا الحياد المرعب الذي أصاب عقل العالم؟ البرودة التي تتم فيها الفظائع الصهيونية، انهم رجال الدولة الجرباء، رجال الدولة الصهيونية الدينية الغوغائية الذين تعلموا وتحولوا ليكونوا وحوشا ومرضا فتاكا وجاهزين للتدمير والتخريب والقتل، نسمعهم يقولون: يجب ان لا يموت الفلسطينيون فقط بل يجب ان ينقرضوا.
أيها الطبيب: هناك من يأكلني.