غزة ! وما أدراك..

نشر بتاريخ: 23/02/2015 ( آخر تحديث: 24/02/2015 الساعة: 13:52 )
غزة ! وما أدراك..
الكاتب: المتوكل طه
غزة الأسطورة الفذّة التي أثبتت بجدارة وجسارة أن الإحتلال يصلح للهزيمة ، هي ليست غزة الإقتتال الأخوي والضلالات بين الأشقاء والتمترس خلف المصالح الحزبية الضيقة. وغزة الأصل لاعلاقة لها بمرافعات الخيبة التي تعطّل المصالحة وتُلاحق الأخوة . وغزة البطولة المُضرّجة بالحنّاء والأغاني الصعبة لا تعرف غزة المنكفئة على سلاحها المعدّ لقنص الشقيق ومنعه من الحراك والتعبير. وغزة مثالنا المبهج المتوالد كالموج والمناديل والأيدي المتحاضنة هي غزة ياسر عرفات وأحمد ياسين وليست غزة عناوين الخلاف والاختلاف وتصادم الأكتاف. إن غزة اليوم تحت مقصلة الحصار والبرد والغرق والجوع والاختناق .. وإن مَن يعترض المصالحة الحقيقية هو المجرم وشريك الاحتلال . ونذكّر : إن الأكثر إيماناً هو الأكثر تنازلاً لأخيه وللمصلحة الوطنية . وإن الأكثر وطنية هو الأقل تشدّداً مع أخيه. والحل أن نتجاوز هذه اللعنة. ألا يكفي غزة مما هي فيه ؟ أصرخ أخي في غزة .. وضع حدّاً لهذا العبث . إن ترك الأمور على حالها هو دفع غزة إلى العدمية والانكسار.ولا ينبغي لأحد أن يستسيغ طعم المعدن في فمه ! إنها ماسورة البندقية القاتلة!

***
غزة المسيّجة، حلبةُ المصارعة التي أعدّها المحيطون.

وغزةُ ورشةُ الشيطان التي دمّرت النموذج، وشرّعت ذرائع التغريب، ذلك أنّ ما حدث كان في تاريخنا وفي غير أرض عربية، ما يعني أن النصّ سيتعرّض للأذى والحرق، وأنّ ما كان هو صناعة فلسطينية بامتياز تستحق الإدانة، وليس منُتجاً إقليمياً أنضجه الحصار وعقود الاحتلال والمداخلات والمصالح فحسب! وأن التمرّد الذي تفوّق على مشرّعيه هو نفسه دليل تقمصّ القاتل الهشّ الضحيّة للقاتل الأصل، ما يعني، أيضاً، أن فلسطين، التي كل شيء فيها شهيد، قد دخلت إلى "الكوما" لأنّ مَنْ ماتوا لها كانوا شهداء، أما مَنْ ماتوا في الخلاف الداخلي بغزة، فهم قتلى.. وبالمجان.

وغزةُ صحنُ الجمر الريّان، هي قصيدتنا الرديئة، الآن، والتي لا تستقيم معها أي نظرية، سوى ما تناسل من زجاج تكسّر في الأصابع والشفاه.

والقتيلُ في غزة هي غزةُ وأخواتها، ولا أعني القدس أو جنين، بقدر ما هي العواصم التي أصبح وعيها الكوميدي أكثر تراجيدية لمعرفتها بالكارثة، وعجزها عن الحراك أو الكلام.

والقتيلُ في غزة هو الوحي والموج والصغار، والكوشان الذي احترق بحليب امرأة كفرت بالنار المُرابية التي أخذت كل شيء.

***
الموت هو الطريقُ إلى الرهبة، وعندما يسقط الشهيد يصيح: لقد اكتَمَلْتُ، إنهم يحيطونني من كل صَوْبٍ وَجِهَة، ومهما كان الظلامُ المُسلّحُ شديداً، فإنَّ الفجر يقفُ له بالمرصاد، وها إنني قد وصلتُ إلى ذلك المكان المخبَّأ الذي أقاموه على منتصف الكرة الأرضيّة، فانظروا؛ أنا تلك الشجرة الخاصة التي نبتت من بذرتي الحمراء، وكل مَنْ يشرب من عصارتها سيعيش إلى الأبد. أنا شجرة الحياة التي ستبقيكم خالدين، ولآدم وأبنائه شجرةُ المعرفة التي أخرجتهم من الجنّة، أنا الجنّة والبقاء إذا وصلتموني، ولكم اللّحد والدود واليباب إذا بقيتم تنتظرون غودو الذي لن يجيء.

***
لم تتوقف قبائل الغبار عن إسدال ستائر السواد، حتى لا نرى الوجوه المحفورة في القلب.

ولم تتوقّف عن إغلاق كل الدروب بالحديد الطائش الغليظ المجنون، لكن الفرس مطهمة، وتُسابق الأشجار، وتقفز فوق حواجز الدم والنار، ولا تلتَفّ على الطريق المعبّد منذ آدم والطوفان.

***
أنا لست وادياً لأحمل دمع الغيم اليتيم أو أسمال من قدّمتهم الأكواخ إلى منتهاهم العاجل. ولستُ صخرة كبيرة للنبي الشاب الأثير أو لمعاقبة ابن الآلهة الضال. أنا ذلك الصعود النافر كجرَّة فلاحةٍ شابةٍ تمضي إلى نبعها الثر، أو سهمٍ رمى قلب الفراغ الكثيف فأصابه فاطمأن إلى هذا الرمش الحديديّ، وأبقاه ليظل شاهداً على عشقٍ مبهَمٍ مستحيل.

أنا لعبةُ التراب الشاهق مع غبش السماء، أو حنينُ الأرض الأبديُّ إلى أُمِّها التي انسلخت عنها لترقُبَها وتعبدَها إلىِ أبد الداهرين.

***
إنني أعلن غزة مدينة الآس وبلد النجم.. أنا ابنها وهي سيدتي الجميلة، ولن يدخلها إلا من أقال السوء نفسه أو التبعيـّة أو الانبهار، ولنا النار والقلب وما يكتبون.

وهذا إعلان الخروج الحرّ الوجوديّ من المظلمة والاستلاب والاقتتال والتشظّي المشبوه والانقلاب والتبرير الخائر، واستنكارٌ ساخطٌ ضد من عبثوا في الروح والمدارك، ولعنةٌ على من تعبوا وارتخوا واستسهلوا الزهر الذاوي.

وإنه بدايةٌ على هذه البسيطة لتشهدَ صوتاً آخر غيرَ الصدى المهزوم الذي يخيط أكفانه بيديه، وهو خريرُ الدمِ اليافع في الأضلاع لتسديد عافية الفهد وأنفاس الندى وعناد الجُلِّنـار، وإنه انبعاث من الانكسار والتشظـّي والركونِ إلى الخواء الفاسد.

وهذا ميلادُ طائرِ الساحلِ الأسطوريّ.. الذي أضرم عزيمته وإصراره لينطلق من فضاءات البراري والرياح، وهو صوتُ الأبد والبصيرة، وهيكلُ الحلم المحروس والحقوق الأولى، وهو قرارُ النصر قبل المعركة، وميدانُ الحياة لأبناء الموج والحصاد والأهازيج المستحيلة المجروحة بالمناديل أو الحنين الذابح.

***
أسوار مدينتنا من ذهب القـُلوب، وهالةُ نجمها الساطع من عروق ثوبنا، سنربّي الغابات والأنهار، ونعشق النحل والسنابل، ونفيض بالحليب والنبض، وننقش على مداخلها جداريةَ الحياة، ونرفل بأزهارها، ونحكي للأيقونةِ الغضـّةِ ما ينبغي أن يكون. ونغنّي : غزة .. غزة .. غزة ..