الجمعة: 02/12/2022

العنف في المجتمع الفلسطيني – هل تحول الى ظاهرة وثقافة عامة ؟

نشر بتاريخ: 28/07/2015 ( آخر تحديث: 28/07/2015 الساعة: 09:59 )

الكاتب: اكرم عطالله العيسة

تعرف الظاهرة الاجتماعية في العلوم الاجتماعية، بأنها فعل اجتماعي يمارسه جموع من البشر، أو يتعرضون له أو يعانون منه ومن نتائجه‏. ‏فإذا كانت الظاهرة سلبية فهي تتحول لمشكلة بحد ذاتها ومن ثم تقود لمشكلات اجتماعية مما يؤدي الى وجود خلل في كل أو بعض مجالات المجتمع.
أما الثقافة فقد عرفها علماء الاجتماع بأنها نتاج التجربة التاريخية للبشر من المعلومات والمعتقدات والفنون والأحكام الخلقية والقوانين والعادات والرموز والأفكار والقيم والمعايير الاجتماعية والثقافة المادية التي يكتسبها الإنسان كفرد في المجتمع من خلال التعلم التنشئة الاجتماعية أو ما يعرف " التطبيع الاجتماعي". كما ويعرفها بعض علماء الاجتماع بأنها كل ما ابتدعه الإنسان فهي "عالم الإنسان". أما ثقافة الفرد فتشير إلى المعيار الذي يستند إليه في حكمه على ذاته وعلى ومجتمعه، وهي التي تعبر عن انتمائه إلى جماعته ومجتمعه وتراثه وهويته القومية والوطنية، وبالتالي يمكننا القول أن مجموع ثقافات الأفراد تشير إلى ثقافة المجتمع ككل.

في المجتمع الفلسطيني، وحتى وقت قريب كانت الصراعات والشجارات العائلية " الطوش" تعتبر أحداثا استثنائية وقليلة الحدوث، ولم تكن تشكل ظاهرة عامة أو ثقافة مجتمعية، صحيح انه ليس هنالك ابحاثا ودراسات موسعة حول الموضوع تسعى لإجراء مقارنات بين نسب انتشارها عبر ألازمنه المختلفة . إلا انه ومن خلال متابعة التقارير ونشرات الانباء المحلية يلاحظ في الآونة الأخيرة أنها أصبحت تتحول إلى ظاهرة يومية، فلا يكاد يمر يوما الا وتحمل الاخبار وتنقل وسائل الاعلام خبرا عن خلاف عائلي حاد " طوشة" ادت الى اصابة او قتل شخص او اشخاص. ومن المعلوم تماما ان وسائل الاعلام لا تتناقل كل الاحداث انما الاكثر لفتا للأنتباه وربما الاكثر قسوة ودموية، او تلك التي تستدعي وصول الشرطة، اما الاحداث الاخرى والتي ربما يكون عددها اكبر بكثير فيتم تداركها ومعالجتها او ربما طبطبتها من قبل الجيران والمحيطين .

وبالاستناد إلى بعض الإحصائيات الصادرة عن الشرطة الفلسطينية في تقريرها الأخير والذي يفيد بأنها- أي الشرطة- قد تعاملت مع 974 شجار منذ بداية شهر رمضان الماضي وحتى نهايته في مختلف مدن الضفة الغربية " اي ان الشجارات التي حدثت في قطاع غزة لم يتم تدوينها بسبب الانقسام" مما يعني ان هنالك 974 عائلة قد تشاجرت مع 974 عائلة اخرى على الاقل، علما انه وفي الكثير من الشجارات تتداخل الامور وتصبح أكثر من عائلة جزء من الشجار. ومن المهم الاشارة هنا وبسبب الطابع القبلي والعشائري للمجتمع الفلسطيني فان الشجار يمتد في كثير من الاحيان إلى العشيرة " الحمولة" ولا يقتصر فقط على الأسرة القريبة ذات الستة أو العشر أفراد. مما يدل إلى أن الرقم الوارد أعلاه حول عدد الشجارات هو رقم مرتفع جدا ويشير إلى ارتفاع في معدلات العنف داخل المجتمع الفلسطيني بشكل عام. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى، فقد اتخذت العديد من الشجارات وخاصة في الآونة الأخيرة، منحى عنيف وقد تبين ذلك من خلال ما نتج عنها من أعداد " القتلى والجرحى" ومن خلال الأدوات المستخدمة فيها فلم تعد تقتصر على الايدي والقبضات، انما وصلت الى استخدام الأسلحة البيضاء أحيانا والأسلحة النارية أحيانا أخرى مما يشير إلى أن العنف لم يعد يقتصر على ممارسات فردية شاذة وخارجة عن المعايير المجتمعية أنما تحول إلى ظاهرة آخذة في الانتشار.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، ما الذي يجعل العنف يتحول من ظاهرة فردية منبوذة وشاذة إلى ظاهرة مجتمعية والى ثقافة عامة ؟
انها تتحول الى ثقافة عامة عندما تبدأ الاسرة بتقبلها، وتعليمها لابنائها وكأنها سلوك ايجابي وسليم يجب العمل به وتبنيه، كأن يقول الاب لابنه الصغير الذي يعود للبيت بعد ان اعتدى عليه ابن الجيران في الحاره، خذ عصا واذهب وكسر راس ابن الجيران، او ان يوبخه ويمكن ان يضربه لانه لم يرد الصاع صاعين لابن الجيران. ليس ذلك فقط بل يتعد الامر ذلك بكثير كأن يحصل شجار ما بين شابين او اكثر مما يؤدي الى اصابه بليغة لدى احد الطرفين فيسمع افراد عائلة الشخص المصاب بالامر ويبدأ التحشيد واثارة العواطف، كأن يقول بعض افراد العائلة كيف يمكن لأحد ان يعتدي علينا ونحن العائلة او القبيلة الكبيرة ذات الشأن الكبير، ويجب ان نربي به البلد او الحارة او القرية، وهذا ما يؤسس ويؤصل لتربية وثقافة مجتمعية تتبنى العنف وتدافع عنه بل وتعتبره مقوما أساسيا من مقومات وجودها .

بالمقابل ما الذي يدفع الافراد الى الميل اكثر باتجاه تبني العنف وزيادة عدد وأشكال الشجارات الأسرية؟  
وهنا نشير الى أن بعض الدراسات المختصة بسلوك الأشخاص اللذين يلجئون للعنف في حل مشكلاتهم انهم أنفسهم ينحدرون من أسر مفككة، او فقيرة ومهمشة، أو من أسر تعاني من التمييز، كما وتلعب البطالة دورا كبير كمسبب في ممارسة للعنف . نعم المجتمع الفلسطيني ليس خارجا عن تلك الحالة العامة، ولكن هنالك أسباب أضافية تتسبب في زيادة الاحتقان وتنامي العنف، وبدء تحوله الى ثقافة عامة قد تستشري في المجتمع وبدرجة أكبر مما هي عليه. فانعدام الاستقرار والاستقلال السياسي واستمرار الاحتلال لفترة تزيد عن 67 عاما بسياساته التي تسعى لحرمان الشعب الفلسطيني من ابسط الحقوق الإنسانية ومن تلبية الاحتياجات الأساسية مما يسهم في رفع مستوى الشعور بالإحباط الذي يتحول وبسبب تراكمه إلى عنف إما اتجاه الآخرين أو اتجاه الذات ، هذا من جهة ومن جهة أخرى، فالاحتلال الإسرائيلي يمارس وبشكل منظم وممنهج سياسات تقود الى تشجيع وتأجيج العنف المجتمعي، وتأصيل ثقافة الانتماء للعشيرة والقبيلة وإثارة النزعات العصبية.

اما السلطة الفلسطينيه فهي ايضا تتحمل جزء كبيرا من عوامل زيادة حجم العنف المجتمعي، وخاصة فيما يتعلق بالصلاحية السياسية المنقوصة جدا على الارض الفلسطينية، فهي غير كاملة السيادة على الارض الفلسطينية، فان حصل شجار بين عائلتين في احدى القرى او البلدات الفلسطينية المسماة المناطق سي " تلك الخاضعة للسلطة الكاملة للاحتلال حسب اتفاقية اوسلو" فان الجهاز الشرطي الفلسطيني بحاجة الى تنسيق مع قوات الاحتلال حتى تتمكن من الدخول الى تلك المناطق وفض الشجار، وهذا يعني التأخر وعدم الوصول في الوقت المناسب من جهة، ومن جهة ثانية وهي الاهم ان المواطن يدرك هذه الحقيقة وان سيادة القانون ليس متاحة بسهولة وبالتالي يجب ان يعتمد على طرقه الخاصة في حل صراعاته وشجاراته، وهذا يساهم في نشر ثقافة العنف وتقبلها.

اما الآلية التي يتم التعاطي بها من الناحية الامنية والقضائية مع نتائج الشجارات فربما تتحمل وزرا كبيرا في نشر وتأصيل لجوء المواطن لأستخدام العنف كوسيلة اساسية في حل اشكالاته، بعد ان يحدث الشجار وتصل قوات الشرطة، قد تتمكن من فض الشجار واعتقال بعضا ممن شاركوا به، والبعض الاخر يختفي عن الانظار، ويبدأ التدخل العشائري من اجل الوصول الى عطوة او هدنة، قد لا يقبل احد الطرفين في الوصول الى اتفاق اعتقادا منه ان الحق الى جانبه، وتقوم الشرطة باعتقال الطرفين كوسيلة للضغط عليهما من اجل الوصول الى اتفاق عشائري، وبعد الاتفاق غالبا ما يتم الافراج عن الطرفين دون مراعاة من هو الطرف المعتدي، ودون تحويله للقضاء ومحاسبته سواء على الحق العام او الحق الشخصي، فان سيادة القانون لا يمكن لها ان تتجذر الا بايفاء الناس حقوقهم وليس عبر انصاف الحلول و تقبيل الرأس وشرب فنجانا من القهوة العربية.

بكل تأكيد هنالك العديد من القضايا والاسباب التي تساهم في نشر ثقافة العنف، وهي تحتاج الى مساحة اكبر حجما واتساعا من مقالة، ربما نحن بحاجة لإجراء دراسات ميدانية معمقة من أجل التزود بالبيانات الموضوعية التي تسهم في إلقاء مزيدا من الضوء على هذه الظاهرة ومدى انتشارها وأسبابها وطرق علاجها. ونحتاج إلى مزيد من العمل على مستوى الوعي المجتمعي اتجاه تحول العنف في المجتمع الفلسطيني إلى ظاهرة وثقافة عامة وعدم تحول المجتمع الى قبول ثقافة أمل دنقل في قصيدته لا تصالح.