الإثنين: 22/04/2024 بتوقيت القدس الشريف

من أرشيف الزمن الرمادي

نشر بتاريخ: 13/09/2015 ( آخر تحديث: 13/09/2015 الساعة: 11:29 )

الكاتب: فتحي فوراني


• الأسماء المستعارة.. في الزمن الأصفر!
كان البعض من الأقلام التي تتمتع بالحسّ الوطني والقومي المبكر.. ينشر في الصحافة الرسمية حرصًا منها على لقمة الخبز واتقاء للجو الإرهابي الذي يفرضه الحكم العسكري وأدواته من مطاردات وملاحقات وتهديد بقطع الأرزاق وإغلاق الأبواب أمام المستقبل..

فقد كانت الذئاب المتناومة تتربص بأبناء شعبنا وتحصي علينا أنفاسنا وتحاول اقتحام عقولنا و"الذود" عن أفكارنا خوفًا من "الرياح الشرقية"!
**
أجواء المدينة يسودها ضباب رمادي داكن!
الحكم العسكري والإرهاب والتهديد ومصادرة لقمة الخبز الشريفة.. من علامات المرحلة!
يحاول بعض الكتاب والشعراء الاحتيال على الواقع البشع.. واللجوء إلى الطرق الالتفافية.. فيبعثون بإبداعاتهم إلى الصحافة اليسارية والشيوعية تحت أسماء مستعارة!
ويتمترس العديد من الكتاب الشرفاء وراء "الأقنعة الأدبية"..
إبن الشعب وبنت الشعب..أبو فراس وأبو نزار وأبو إياس وأبو حاتم.. وأديب قاص وأديب سلام وسمير ماردوابن الشاطئ وشادي الريف وكريم صادق.. وغيرهم..
ويحلو لبعض الأقلام القيادية المعروفة أن تتقنع بأقنعة شفافة.. فيكون أبو سجع (صليبا خميس- أبو سبارتاكوس وجول وعبير).. رفيق شريف (نمر مرقص).. وجابر كرملي (جبرا نقولا).. وابن خلدون (إميل توما).. وجهينة (إميل حبيبي)..إلخ

وتتسع ظاهرة انتشار الأسماء المستعارة لتغطي مساحة واسعة من المشهد الأدبي..
فقد لجأت إليها أقلام كثيرة عُرف بعضها فيما بعد بـ"شعراء المقاومة" وأصبحت هذه الأسماء رموزًا ثقافية..واحتلت مواقع متقدمة في الجبهة النضالية..فامتشقت سيف الكلمة.. وراحت تجاهد خيرالجهاد..وتشهركلمة الحق في وجه السلطان الجائر!
**
• صحيفة السلطان.. ونزيف الكلمات!
النشر في الصحافة الحكومية المقنعة بالقناع "العمّالي" الهستدروتي..حقل مليء بالألغام..والطريق إليها مليء بالحواجز..أي "المحاسيم"..باللغة العربية الفصحى!

يبعث عبد الله بقصيدة مشحونة بالغيظ والرفض وفيها شيء من الوجع الفلسطيني..وفيها احتجاج على مشاهد الموت ودراما المجازر التي يسقط فيها الذين يرفضون الانتساب إلى عالم الموت المجاني!

اللون الأحمر.. والدم المسفوك.. والجرح النازف.. ولون الشفق.. وحتى لون الورد.. من الألوان التي تثير الشبهات وتكاد تستدعي المساءلات وتقف على نقطة التماسّ مع المحرّمات في مثل هذه الصحف!
**
يسأل ألمحرر "الأدبي" الناطق باللغة العربية ومحرر الصحيفة.. وبلطف زائد:
- ماذا تقصد يا عبد الله بكلمة "النزيف"؟! هذه الكلمة توحي بأمور لا تناسب صحيفتنا..فنحن نصبو للسلام!
نريد للأدب الذي ننشره أن لا يوحي بالعنف أو التطرف!
إذا كانت كلمة "نزيف" ليست عنفًا.. فما هو العنف!؟ وما هو التطرف!؟
ولو استبدلَتها بعبارة "الورد الأحمر".. فما أدرانا ماذا تقصد بـ"اللون الأحمر"؟
قد يختبئ وراءها العلم الأحمر..وقد يطلّ الشفق الأحمر..أوالجرح المشهَر.. وقد تثير الخواطر.. وتسمم الأجواء ..وتوحي بالتحريض على القتل وسفك الدماء..
ونحن لا ننشر أدبًا يتعامل مع السياسة!
لنترك السياسة لأصحابها!
وابعد عن الشرّ..وغنّ له !
**
فيبتعد عبد الله عن الشر..ولكنه يرفض أن يغنّي له!
تعود القصيدة إلى قواعدها سالمة غانمة..وقد خسرت "شرف" النشر في صحيفة البلاط!
غير أنها تنطلق ثانية..وتعرف كيف تجد طريقها إلى المنابر التقدمية حاملة الرسالة!

• "النشيد الوطني" للإمبراطورية العظمى!
وعلى الضفة الأخرى..تزدحم السماء بالمفارقات العبثية!
تطفأ الأنوار.. ويفتح الستار..
فيتجلّى أمامنا مشهد مثله ما غنّى المغنّي!
يظهر موكب الدجل الكرنفالي..فيسير مختالًا..ويشقّ طريقه إلى المؤسسات التربوية..
وترفرف الرايات الزرقاء على المؤسسات..وتقام الأعراس والأفراح والليالي الملاح..ويكون عريسنا عنترًا عابسًا.. ويكون عريسنا شيخ الشباب..
ويا شمس غيبي من السما..عالأرض في عنّا عريس
وتظهر "نواعم"..فتهزّ خصرها الحرير..وتترك شعرها الناعم مع الهواء يطير.. فمهرجانات الهزّ واللّز والمزّ والدزّ على أشدّها!
ويصطفّ "العربان" في صف "السحجة".. وحوالو مويا والوم.. وبا حلالي يا مالي.. ونخّ يا جملنا.. والضبع أكلنا!
وينخّ الجمل.. وفيقلبه تتململ قنبلة موقوتة!
ويصدح الطلاب الصغار بـ"النشيد الوطني" للإمبراطورية العظمى!
في عيد استقلال بلادي غرّد الطير الشادي
وعمّت الفرحة البلدان حتى السهل والوادي
**
ينام عمّو مئير حداد ليله الطويل!
وعلى شفتيه ابتسامة ناعمة!
فهذا هو الشعر المطلوب!
زمن!!