الأحد: 20/09/2020

كرسي وناصية وشارع

نشر بتاريخ: 09/03/2019 ( آخر تحديث: 09/03/2019 الساعة: 09:27 )
كرسي وناصية وشارع
الكاتب: رشيد حمدان
لم يكن يوما كباقي أيام ذلك الشهر، فقد إختلطت به ذرات غبار الرياح الخماسينية مع الغيوم التي كادت أن تلامس سطح الأرض، لم يعتد الناس على مثل هذا المشهد في شهر أكتوبر بمدينة أميرام، كان خيط من لهيب الشمس يخترق غيمة لم تستطع المقاومة فسمحت له بالمرور.
على ناصية الشارع وعلى كرسي قديم بمقهى يحمل اسما جميلا وعلى جدرانه صور الأصالة والزمن الأجمل واحدة لأم كلثوم وأخرى لوردة الجزائرية وواحدة لمحمد عبد الوهاب..
هناك ومن بعيد رأيت لوحة أو مجسم لشخص لم أعرفه يحدق ويبتسم لصورةٍ بدا وكأنها لم تعجبه، لم يكن معلقا على جدار كما باقي الصور ولا كمجسم في زاوية المكان او في الوسط. بل كان يعتلي مقعدا وضع بجانب الطاولة على تلك الناصية.
اقتربت منه فضولا معتقدا أن متحف الشمع قد ارسلها هنا كهدية من لندن أو لوحة فنية سافرت من الضفة الشمالية لنهر السين بعاصمة فرنسا باريس او صنم كان يحتمي بهبل عندما حطمه المسلمون بعد فتح مكة وهرب الى هذا المكان معتقدا انها النجاة.
رددت عليه التحية بلغتي ولم يكترث بي ارسلت أخرى بلغة أخرى ولم يرد ولانني مجبرُ على التحدث بأكثر من لغة في أميرام وعلى تلك الناصية حاولت تذكر تحية بلغة ثالثة ولم أنجح بجعله موجود.
كان وكأنه في حلم طويل وكأنه لا يدرك رائحة شجرة فاكهة الجوافة القادمة من بعيد. جلست الى جانبه ولكنه ليس موجود، كأنه اصم يعيش في قاع البحر أو ضرير يعيش في عتمة الدنيا، كان كجسد بلا روح أو جسد يبحث عن روح.
بفضول رفعت اصبعي الشاهد ووضعته على كتفه للتأكد إن كان بشر او صنم أو قطعة من الشمع وهنا ذهبت تلك الإبتسامة الحزينة وعقد الرجل حاجبيه..
نظر إلي كمن يريد أن يتخلص من ذنوبه وأن يرجع الى الطفولة.. كأنه بالمكان الذي تغيرت به حياته، رأيته كمن يقول أنه منذ أن اتى الى هذا المكان لم ينظر الى وجه امه ولا ينظر بالمرآة لانه يخشى ان يضيع كلما نظر. يريد أن يعود ولكنه لا يعرف إن كانت عودته ضرورة أم رغبة.. فبوابة الجنة مفتوحة امامه كما بوابة جهنم ولكنه يستصعب الإختيار فكلتا البوابتين طريقا الموت.
كان لا يسمع الا صوت صلاة جنازته كلما نظر الى البعيد وهو من تعلم السباحة بعمق البحار .. صعد جبالا.. نزل وديانا .. من مشرق الى مغرب، ورأى خوفا بعيون من لا يخافون. كانوا امامه كتابا مفتوحا ولكنه لا يرى الا نعشه ويعيش وكأنه يومه الأخير بعد أن سلك طريقا بمفرده ولا زال به وحيدا يسير.
هنا تحول غيط لهيب الشمس ليضرب وجهه وكأنه يقول له : يا أيها الشيئ الذي يخيف أكثر من السيوف الحادة المصنوعة بأمهر الأيادي في الشام والقادرة على فصل الأجساد.. يا أيها الشر الذي يعيش بداخله وتتجادل معه في كل ليلة ولم تستطع اقناعه ولم يستطع ان يبلغ النور..
اعلم أن في كل سواد هناك بياض وفي كل بياض يوجد سواد، في داخل كل انسان ظلام ونور ، كلكم يحمل ملاكا وشيطان ، وهذا يشبه الجنة والنار...
وبالنهاية سيخسر من تدير له منهما ظهرك.
زادت حرارة لهيب الشمس بعد أن اتسعت الفجوة اهتز الجالس وبدأ يصرخ بصوت منخفض وكأنه يهذي ويردد ، روح كل انسان هي تناقضات منسقة ومتوازنة ، مؤلفة من طبقات وفي كل طبقة خير ونقيضه الشر ، هناك الجمال وقباحة مطلقة وهناك ظلام الماضي الذي لا ينتهي ابدا ، يلحق بالمرئ كلما حاول الهرب.. كل أفعاله الآثمة ، حتى الغيرة والظلم وخيانة الناس والنوايا السيئة يجدها بهذا الظل ، الوعود السابقة التي نكس بها ستقف امامه كأشباح لا تعرف النوم .
حينها فقط سيدرك انه عندما يقول لن افعل سيترك الشيطان كل ما لديه من اعمال ليفعل الانسان ما قال انه لن يفعل.