العرب وعالم ما بعد كورونا

نشر بتاريخ: 24/03/2020 ( آخر تحديث: 24/03/2020 الساعة: 22:01 )
العرب وعالم ما بعد كورونا
الكاتب: خليل قراجة الرفاعي

اختلف الناس فيما إذا كان هذا الفايروس غضبًا من الله، أو جنديًا من جنوده، تمامًا كما اختلفوا إذا ما كانَ حالة طبيعية أو جزء من الحرب البيولوجيّة ذات الأهداف السياسيّة والاقتصاديّة بين الولايات المتّحدة والصين بصورة أساسية، وأيًا ما كانت الإجابة، فعندي إيمانُ المسلم أولًا بأنّه لا يحدثُ شيء في هذا العالم إلّا بقضاء الله وقدره، ونظرةُ العارف ثانيًا أنّ ترتيبًا جديدًا سيلقي بظلاله على العالم بعد هذه الأزمة، وهو قادم لا محالة.

بغضّ النّظر عن التّحليلات المختلفة، دعونا نتّفق أنّ كورونا هي حالة حرب، لذا؛ فإنها ستفرز المنتصر والمنهزم، دول تتفكك وأخرى تبرز على السّطح بعد أن كانت على حاشية الأمم.

أثبتت الوقائع أنّ هناك تجارب عدّة في مواجهة الفايروس أبرزها المدرسة الشمولية التي استطاعت حصره ومنع تفشيه، بإلزام حديدي للناس، كالصّين، علمًا أنّ عدد سكان مقاطعة أوهان أكبر من عدة دول مجتمعة، التي أثبتت قدرة فائقة على ضبط الناس في البيوت، والخروج من هذه الكبوة بأقل الخسائر. المدرسة الصينية التي تنتصر للجمع على حساب الفرد انتصرت وسجلت ذلك بزهو وفخر.

وعلى الجانب الآخر تجد دول أوروبا التي أعلت قيمة الفرد على حساب المجتمع والجماعة؛ لأن تركيز العالم الغربيّ على الانتخابات وعلى صوت الناخب ما جعل الأنظمة السياسية فيها تهتمّ بالفرد فسقطت قيم المجتمع الواحد لتظهر الأزمة في أسوأ أحوالها في إيطاليا وإسبانيا ومن بعدها الولايات المتحدة، ورغم أنّها تحصد المئات في إيطاليا إلّا أن دول الاتحاد الأوروبي ما زالت تتبنى خطّة "مناعة القطيع" في مواجهة هذا الفايروس.

أمّا بالنّسبة للتجربة العربية ولاسيما الفلسطينيّة فلم تكن بعيدة عن تجربة الصين، وإذا كانت الصين لديها فائض بشري فإن الإنسان الفلسطيني هو محور القضيّة الوطنيّة، والثروة القوميّة في الصمود ومواجهة المحتل. وكان لرئيس دولة فلسطين محمود عباس و رئيس الوزراء السبق في الانتباه والحفاظ على الإنسان العربيّ الفلسطيني، فجاءت إجراءات حكومة فلسطين أقرب للصين منها إلى التجربة الغربية، ورفع اشتيّة شعار: "لا مجال للخطأ"؛ ليؤكد بذلك إعلاء قيمة النّفس البشرية فوق كلّ الاعتبارات على عكس ما تخوفت منه إسرائيل وأوروبا من أزمة اقتصاديّة.

إن المتغيرات العالمية تكاد تكون واضحة لصالح منظومة القوة المجتمعيّة ذات الأبعاد الاستبدادية وضعف القدرة على ممارسة الحريات الفكرية والسياسية وحتى الثقافية، خاصة إذا ما استمرّ كورونا إلى ما بعد منتصف نيسان(إيبريل) المقبل، كما سنجد هذا التغيير يطال الصناعات والمنظمات الدولية التي ستصبح بلا جدوى ولا قيمة، وستتراجع الديمقراطية لصالح الأنظمة الشمولية التي تغيب عنها سمات المعارضة الحقيقية .

كورونا سيعيد ترتيب النظام العالميّ؛ بل سيقلب النظام الذي رسمته الإمبريالية العالمية على مدى قرون خلت، وبعد كل ذلك أليس كورونا جنديًا من جنود الله؟

إما هنا في فلسطين ليس لنا الا أن ننتصر في هذه حربنا ضدّ تفشي هذا الفايروس، وهذا مرهون بثبات الموقف الحكوميّ وقدرة الناس على ضبط النفس والانضباط السلوكيّ اليوميّ.

#معا_نقف