إذن .. لا يوجد دول قوية يوجد مجتمعات قوية

نشر بتاريخ: 25/03/2020 ( آخر تحديث: 25/03/2020 الساعة: 15:42 )
إذن .. لا يوجد دول قوية يوجد مجتمعات قوية
الكاتب: رئيس التحرير / د. ناصر اللحام
ينقسم المجتمع البشري الحديث الى أنساق معروفة مثل الأفراد والعائلة والأسرة والمدرسة ودور العبادة وسوق العمل وأدوات العمل وتوزيع الأدوار المحددة لكل فرد مثل الزراعة والصناعة والطبابة والحماية والدفاع والتربية والصحة والتعليم .. ومع إتساع المجتمعات البشرية صارت هناك أمم , والامّة هي مجموعة من الشعوب يجمعها خمسة عوامل مشتركة ( الاقتصاد - اللغة - السوق - التاريخ والدين - والحدود الطبيعية ) . وتنقسم كل امةّ الى عدة شعوب ، وكل شعب يجمعه ثلاثة عوامل مشتركة ( اللغة - الوحدة السايكولوجية - اللغة ) .

امّا الدولة فهي النظام السياسي الأمني الذي يدير المجتمعات الحديثة بشكل بيروقراطي إداري, وهي جسم غير منتج بالعادة وانما تقوم على جمع نتاج العمال واعادة توزيعها بطريقتها بناء على حساب الاقوياء والأكثر إنتاجا . وقد حاولت البشرية مئات المرات تشكيل دولة بمفهوم متفق عليه ولم تنجح . منذ فكرة مدينة افلاطون الى الاشتراكية المطلقة ، الى نظرية زرادشت ومبادئ نيتشة ، الى النازية والفاشية والعنصرية ... الخ . حتى ظهرت الدولة بمفهومها الحديث قبل 300 عام بعد التخلص من سيطرة الكنيسة ورجال الدين وهي لم تنجح في الغاء المجتمعات المغلقة أو الفلسفات الوجودية او الصوفية وإن كانت حاربتها بقسوة ,, فقد سيطرت الدولة بشكل عام ولم تنجح في إجبار الهنود الحمر او المذاهب او الطوائف على ترك معتقداتهم , فتعايشوا معا ولم يتفقوا . وأخذت الدولة في نصف القرن الماضي تشدد قبضتها خصوصا في الدول الرأسمالية الاحتكارية وتتسع بشكل كبير على حساب باقي الأنساق لتقوم بأدوار إدارية شاملة ثم اتسعت لتشمل السيطرة على جميع مناحي الحياة .

فيروس كورونا أعاد الينا مفهوم أعمق بكثير من مفهوم الدولة المجردة . مفهوم أكثر حضورا . فقد اعاد للعائلة هيبتها وكشف قوة المجتمعات على حقيقتها \ ومن الواضح أن نيويورك مجتمع اقتصادي عظيم ولكنه غير متماسك بالعائلة ، كما أن الأرياف أكثر حظوظا في التماسك أمام البلاء من سكان المدن المزدحمة . وهكذا .

ومع إغلاق الحدود وتوقف حركة الطائرات والقطارات وشلل معالم الدولة وتوقف البنوك والشركات .. عاد كل فرد الى عائلته والى مجتمعه الحقيقي . لنجد أن المجتمعات القوية تتخظى الأزمة فيما الدول القوية غير موجودة سوى على شاشات التلفزيون .

لم يعد هناك دولة قوية ، لأنها مشلولة . بل هناك مجتمع قوي لأنه منتج شمولي ذاتي ومتكامل الأدوار ويقوم بتوزيع المهمات الضرورية اللازمة للبقاء على أساس التكافل الاجتماعي وليس على أساس مفهوم العمل بالشركات .

الشركات تقوم على مبدأ ( من لا يعمل لا يأكل ) . والمجتمع يقوم على مفهوم ( من يعمل يطعم الذي لا يعمل فينجو الجميع ) .

مجتمع مثل المجتمع الصيني او العربي او الروسي او الايراني غير مهدد بالانهيار \ امّا المجتمع الاستهلاكي واللاهث وراء الكسب ومفهوم الدولة المجرد فهو في خطر الانهيار لانه قائم اساسا على مبدأ ( من لا يعمل لا ياكل ) . واتجاهات الاستهلاك الفردي والسلامة الفردية .

تصريحات ترامب بأن خطر الاغلاق على المجتمع الامريكي أكبر بكثير من خطر كورونا يكشف مضمون فاشي للمجتمع . لان موت مئات الالاف أو ملايين البشر بفيروس كرونا أخف عنده من افلاس شركات النصب والنهب الاحتكارية .

الدولة التي اعتمدت على شركات احتكارية مثل امريكا واسرائيل وغيرهما ، فشلت فورا في الجمع بين مفهوم دولة قوية ومجتمع قوي . فالمجتمع الفلسطيني أقوى من المجتمع الاسرائيلي في البقاء رغم أنهم لا يملكون دولة . فهم جاهزون لتقاسم رغيف الخبز ولا يشترون السلاح خشية من الجريمة والتقاتل على لفائف تواليت المرحاض . امّا ترامب ونتانياهو ومثلهم فان بقاء الشركات الاحتكارية أهم عندهم من عدد السكان ومصير البشر . لانهم متعلقون بمفهوم سيطرة الدولة أكثر من تعلقهم بمفهوم بقاء المجتمع .

إن وحدة المجتمع أهم من انتصار الشعار السياسي للدولة . وأن سلامة التنظيم المجتمعي أهم من القانون المجرد . وأن السلم الأهلي أهم من إنتصار التنظيمات في معارك وهمية غبية لا قيمة لها .

صحيح ليس لدينا دولة .. ولكن لدينا مجتمع قوي نجتاز به الأزمات .