قراءة اسرائيلية متغطرسة وخاطئة ..بقلم :ماجد عزام

نشر بتاريخ: 26/11/2005 ( آخر تحديث: 26/11/2005 الساعة: 16:39 )
رغم كل الأحاديث والتفوهات عن الرغبة الإسرائيلية في إنهاء الاحتلال وعدم السيطرة على الشعب الفلسطيني والوعود بأجواء جديدة بعد تنفيذ خطة فك الارتباط من قطاع غزة وشمال الضفة ،إلا أن التصرفات الإسرائيلية في الفترة الماضية وفي الشهر الأخير تحديداً أتبثت أن الذهنية لم تتغير وأن عقلية الاحتلال والهيمنة ما زالتهي التي تتحكم وتوجه التصرفات الإسرائيلية، وإن القراءة للتطورات على الساحة الفلسطينية ما زالت أسيرة الغطرسة والاحتكام إلى القوة الفضة لفرض وجهة النظر والمصالح الإسرائيلية، بغض النظر عن الطموحات الوطنية وإرادة الشعب الفلسطيني الصلبة في نيل حريته واستقلاله، الأمثلة والأدلة، على المعطيات السابقة كثيرة ومتنوعة وسنورد بعضاً منها فقط لأن المساحة لا تسمح بالتأكيد لتعدادها كلها.

بعد عملية الخضيرة الاستشهادية التي نفذتها سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين أواخر تشرين أول أكتوبر الماضي، وبدلاً من التمعن والقراءة الجيدة لدلالات ومعاني العملية، سارعت الأداة الإعلامية بتحريض وإيعاز من المؤسسة العسكرية السياسية الإسرائيلية إلي بعث الاتهامات باتجاهات مختلفة، أولها الاتهامات لسوريا وحزب الله وإيران بالمسؤولية عن العملية والتحريض المباشر عليها وفي هذا الاتهام ثمة لوي لعنق الحقيقة وتجاهل للمسئولية الفلسطينية وعملياتها النوعية كرد على الاحتلال وفظائعه التي تطال البشر والحجر في فلسطين المحتلة.

فيما يتعلق بعملية الخضيرة أيضاً سارعت الآلة الإعلامية الإسرائيلية إلى التساؤل عن كيفية وصول المنفذ إلى مكان التنفيذ وطرحت علامات استفهام عديدة حول ممرات أو منافذ العبور من خلال الجدار الفاصل رغم التساؤل اذا كان الاستشهادي قد اخترق الجدار او اختار منطقة أخرى لم يتم بناء الجدار فيها حتى الان وهذه كلها مسائل فرعية وثانوية تخفي الرغبة الحقيقية في الهروب من القضية الأساسية وهي الجدار الفاصل العاجز على المدى الطويل والاستراتيجي من حماية العمق الإسرائيلي من ضربات المقاومين.

الأهم أن الجدار يمثل عاملا أساسيا للشعب الفلسطيني للتمسك بخيار الصمود والمقاومة،إنه ليس الحل المناسب والمجدي لمواجهة انتفاضة الأقصى وتجلياتها إذا أخذنا فعليا الحجة الإسرائيلية بأنه أداة أمنية لمعالجة مشكلة هي سياسية بامتياز رغم أن مسار الجدار وتلوياته كالثعبان في الأراضي الفلسطينية تثبت أنه جدار سياسي بامتياز وأن هذه النقطة بالذات تستبطن جشع ورغبة إسرائيل في اغتصاب المزيد من الأراضي الفلسطينية و وتفرغه من محتواه الأمني وتجعله عاجزاً عن الصمود أمام إبداعات المقاومين وروحهم المعنوية العالية
.
بعد عملية الخضيرة أيضاً سارعت المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية إلى إعلان الحرب على حركة الجهاد الإسلامي وجناحها العسكري سرايا القدس للمرة الثالثة في غضون شهور قليلة وهنا أيضاً تبدو العقلية والذهنية الإسرائيلية المتغطرسة عاجزة عن استيعاب الحقائق واستخلاص العبر والدروس من التجارب السابقة فما فشلت فيه في الماضي، لا فرصة لنجاحه الآن، وفكرة اقتلاع حركة الجهاد الإسلامي من الجذور وتفكيك بناها التحتية في شمال الضفة الغربية تجاوزها الزمن فعندما تكون الحركة متجذرة في الوجدان والضمير الفلسطيني وعندما تكون قادرة على استيعاب و امتصاص الضربات الإسرائيلية فلا مجال بالتأكيد لنجاح إسرائيل هذه المرة أيضا وستكون النتيجة فشلا أمنيا و معنويا إسرائيليا و ستتكرر صور المطلوبين من قادة سرايا القدس بعد كل عملية اغتيال لهؤلاء ستكتشف الأجهزة لإسرائيلية إن ثمة قادة آخرين مستعدين لمواصلة الدرب و مواجهة آلة البطش الإسرائيلية بشجاعة و إقدام.

الغطرسة الإسرائيلية تبدو جلية أيضا في التعاطي مع الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقرر أواخر كانون ثاني يناير القادم فبعد الحملة الإعلامية الشرسة ضد الانتخابات والتهديد بعرقلتها وعدم تقديم التسهيلات الضرورية المطلوبة لما اضطرت إسرائيل أمام الإصدار الفلسطيني و التوجه حول حتمية إجراء الانتخابات كشأن فلسطيني داخلي بمعزل عن التدخل الخارجي اضطرت إلي الانصياع و التضييق على مرشحي حركة حماس بشكل خاص و هنا أيضا كما المرات الماضية لا تعي إسرائيل أن سياساتها عادة ما ترتد عليها بشكل سلبي لأن الحرب السياسية ضد حماس كما الميدانية و الأمنية ضد الجهاد تزيد من شعبية الحركتين ومنع مرشحي حماس من حرية الحركة لن يؤثر سلبيا عليها بل سيزيد من تعاطف الشارع مع هؤلاء المرشحين و سيزيد من فرص فوزهم بالتأكيد.

و أعتقد أن الدلالة الأبرز هنا هي الفشل الإسرائيلي في الإيقاع بين السلطة الفلسطينية و حماس و حملات الضغط و الابتزاز على السلطة و تهديدها بمنع إجراء الانتخابات في حالة مشاركة حماس لم تجد نفعا و أثمر إصرار السلطة على موقفها هذا درس جد مهم و أنها شأن فلسطيني داخلي، عن التراجع الإسرائيلي و بالتالي إفشال المخطط الهادف إلى جر الساحة الفلسطينية نحو مزيد من الاحتقانات و الصراعات الداخلية .

القراءة الإسرائيلية المتغطرسة الخاطئة تتبدي أيضا في التعاطي مع القضايا المتعلقة بقطاع غزة بعد الانسحاب وإعادة الانتشار الإسرائيلي من هناك فثمة رغبة إسرائيلية في تسويق الانسحاب للعالم وكأنه تنازل إسرائيلي مهم وجوهري تستحق عليه أثمان وتنازلات مقابله في نفس الوقت بالتصدي على الأرض وكأنها لم تنسحب من القطاع على السيطرة والهيمنة الأمنية على القضايا مثار الخلاف و النقاش و خاصة المتعلقة بحرية حركة المواطنين و البضائع و السيطرة على منافذ العبور من وإلى قطاع غزة إن تجاه الضفة الغربية أو تجاه العالم الخارجي .

إضافة إلى كل ما سبق ينبغي التنبه إلى طريقة التعاطي الإسرائيلية مع السلطة الفلسطينية و المطالب الفلسطينية بعد خطة فك الارتباط عن قطاع غزة و شمال الضفة بحيث اندفعت إسرائيل في حملة هائلة لمصادرة الأراضي في الضفة كما سرعت من وتيرة البناء في جدار الفصل العنصري خاصة في القدس المحتلة إضافة إلى رفض كل المحاولات للانتقال إلى المفاوضات النهائية المتعلقة بالقدس و الحدود و اللاجئين كل هذا معطوف على رفض الاعتراف بالسلطة كشريك تفاوض والإصرار على المضي في الخطوات الأحادية بغض النظر عن الطرف الفلسطيني ورؤاه و مصالحه و طموحاته الوطنية .

التصرفات الإسرائيلية عل مدى السنوات الماضية أثمرت دائما ردود فعل فلسطينية متناسبة مع حدة مستوى الفعل الإسرائيلي و الخطوات الإسرائيلية الأخيرة و خلال الشهر الماضي تحديدا يثبت أن لا فرصة لاستئناف عملية التسوية في المدى المنظور بل أنها تثبت أن اندلاع الانتفاضة الثالثة هي مسألة وقت فقط و ستكون بالتأكيد أشد وأقسى على إسرائيل .

*مدير مركز شرق المتوسط للخدمات الصحفية و الإعلامية