الأربعاء: 02/12/2020

"بتروا قلبه"

نشر بتاريخ: 13/05/2020 ( آخر تحديث: 13/05/2020 الساعة: 20:12 )
"بتروا قلبه"
الكاتب: منار حربية


يحاول لملمة جسده وبعثرة أنفاسه, يجاهد من أجل الوقوف في غرفة مليئة بالدماء والأطباء. صراخ هنا وبكاء
هناك, تمتمات في كل مكان وصوت القذائف طاغٍ عليها كلها.
لم يفق منها حتى أخذ يتحسس قدمه الوحيدة ليقف بها على جرح وطن أصبح قضاء وقدرا. بدا وكأنه تجمد حين أخبرته
الممرضة أنه فقد قدما جراء القصف الأخير على القطاع ؛ الأخير حتى هذه اللحظة. لم يحزن, لم يبكِ, لم يرتجف ولم
يتذمر, بدا وكأنه حجر وكأن الحديث عن شخص اخر لا يعنيه, لم يشعر بشيء , لا شيء سوى اللإحساس. نظر من
حوله بأسىً باهت إلى المشهد الدموي من حوله ومضى.
بقدمه الوحيدة كوطنه , يخطو جابر خطواته الأولى بها, يدربها على الصبر والمشي في شوارع أصبحت للدماء
والصراخ رفيقة. ينظر حوله بصمت مخيف , يبوح عن كل الكلام الذي لا يجدي ولا يواسي روحا فقدت او تألمت,
يراقب بيوتا هدمت, شوارع ملئا بحجارة كانت قبل يومين فقط مساكن بسيطة لأناس فَقدوا وفُقدوا. كانت ساحات لأطفال
لم يمهلهم الوقت ليكونوا أطفالا. كانت مساكن قائمة على قلوب أمهات لشهداء وجرحى وأسرى, كانت ولم تعد سوى
ذكرى لمن أخطأهم الموت ليعيشوا موت غيرهم وينتظروا قدرا مؤجلا في علم الغيب.
برغم وحدته, لم يكن جابر سوداويا تجاه حال القطاع يوما, كان دائم الأمل بالله وبقلوب أهله البسطاء وطالما امن أن
قضيته قضية حق والحق لا يزول ولو بعد حين. لكنه الان , وفي هذه اللحظات, يخطو والسواد يعصر قلبه كعصرة
الموت القاتلة بلا رحمة, رائحة الفقد في كل مكان, تمتمات الموت من حوله تشعره أن خطبا ما أصاب " هناء" عمره
وشبابه.
تراها تنتظره على شرفة بيتها؟! متظاهرة للحي بأنها تروي وردتها للمرة الأولى منذ أن غادر عمله منتظرة إياه أن
يعود لترافقه بابتسامة تنسيه أن الحياة لا ترحم!
يقف جابر أمام البيت الذي كان بيتا بشرفة ووردة وهناء, بيتا شهد ذكرى أول نبضة وغصة, شهد أول شوق ولهفة.
تخونه الأفكار والظنون وتدور به الكلمات , فلا شيء هنا يستحق الكلام. جاب المكان مرارا لعله يرى أو
يسمع إجابة لدقات قلبه المرتجفة ولدموع عينيه التي منذ أن رأت بيت هناء وهي كالمطر تسترسل بلا توقف.

ولأننا أدركنا أننا في وطن لا مجال لفارق الوقت فيه وللانتظار, أصبحنا نستقبل موت من أحببناهم مسالمين متعافين من
أي صدمة أو ذهول، ولأننا مدركين أننا نسير في تفاصيل قدر محتوم أصبحت الأخبار تأتي إلينا على طبق من عجل
وبلا مقدمات.
رحلت هناء, ورحل معها اخر قوت للأمل واخر بصيص للم شتات الروح. فلا شرفات على الحياة بعد اليوم, ولا
نظرات نحو يد قد تغمره حين يعود مسرعا الى أول قلب احتضنه. لا شفاء من الموت في هذا الوطن, فكلنا جرحى
بحبه وميتون في سبيل أن يحيا حتى لو كان ثمن حياته "نحن" و من يرافقنا في دقات قلوبنا.
وهنا أدرك جابر أنهم حين حلقوا ليلا في سماء "غزة" , لم يبتروا فقط قدمه, بل بتروا قلبه.