الخميس: 03/12/2020

فقد الامان

نشر بتاريخ: 29/06/2020 ( آخر تحديث: 29/06/2020 الساعة: 15:35 )
فقد الامان

الكاتب: جمان عماد الزير

" الجانب الخارجي هو الجانب الفعال ، أما الجانب الداخلي المواجه للأسرى ؛ فهو عادة لا يفلح في حبس أحد " كلمات من قصيدة "العصيان" لشاعري المفضل "تميم البرغوثي" كنت أسمعها مع أمي في ذلك الصباح ، ولعلها كانت إشارة بماذا سيحدث لاحقا لكني لو اكترثت آنذاك لكان آل بي الحال نفسه.

خرجت بعد ذلك لألعب مع أبناء جيلي ، و إذ بي فجأة في قبضة رجال يرتدون أخضر ، ولعلي كطفل يعيش في بلد محاصر من إحتلال غاشم عرفت ان حالي سيتبدل من تلك اللحظة فصاعدا.

إنتابني الخوف كثيرا وظللت اقرأ المعوذات طوال الطريق الى أن وصلت الى مكان يوجد به كثير من الغرف، أدخلوني إحداها، فرأيت أطفال على وجوههم علامات إستفهام كحالي. لم أدر ماذا أقول من التشويش الذي أصابني ، لكن كل ما كنت أحتاجه هو أمي.

دخل رجل كبير بعدها يدعى "أحمد" كان يبدو على وجهه علامات الاطمئنان ، ولعل هذه العلامات هي من جعلتني أحبه حبا جما ، حيث كان هو بمثابة ولي امرنا - انا وزملائي – في المعتقل.

شرحت له كم أحتاج امي ليشرح لي هو بدوره كم أحتاج الصبر والسلوان لأقضي مصيري.

عادة ما نفتقد نحن الاطفال عوائلنا أكثر من غيرنا ، خصيصا أمهاتنا

وأنا كنت واحدا من الاطفال المتعلقين بأمهاتهم ،حتى أني سمعت أحدهم يوما يشرح لاخر انه لم ير طفلا مثلي معلقا بأمه الى هذه الدرجة !

بعد 3 ايام من اعتقالي ، جاءت امي أخيرا لزيارتي ، كان يبدو عليها علامات الإرهاق والتعب حيث كانت تجهش بالبكاء مع كل كلمة أتفوهها. لم أتمكن من معانقتها ، وسار اللقاء كأي لقاء بين طفل حرمته الظروف من أمه وعائلته.

بعد أسبوعين ،أي بعد غياب امي المطول, فوجئت بأحد زارني ؛ وكنت جازما انها امي اخيرا ، لكنها كانت عمتي، سألتها عن امي و عن حالها؛ لتصدمني بانها توفيت حزنا.

كأنني في في حجرة مظلمة، لا ترى فيها أصابعك، ولا تستطيع أن تحرك أي جانب فيك ، هكذا... غارق في ظلمة!

عدت الى الزنزانة بحالة هستيرية، حاول الأخرون تهدئتي لكن دون جدوى ، حتى أني لم ابك، و لم أرغب بعدها في التحدث مع أي شخص حتى "عمي احمد"، كنت جمادا بالظبط . حتى ان "عمي احمد" كان يجبرني على الإستحمام و الاكل آملا منه أن استعيد وعيي و لكن أيضا دون جدوى.

بعدها بأيام: نسيت من أكون ، و اين أنا : لأسأل زملائي فيخبروني فأتذكر و أعود الى ظلمتي من جديد. و هكذا الى ان جاء كل من حولي يوما و جلسوا في حلقة دائرية . بدأت في التحديق في وجوههم سائلا عن طريقه ماذا تريدون، و بعدها تفوهت ب "عمي احمد" لأنهار باكيا بشكل هستيري ، فبدأ الاخرون بالبكاء مع مشاعرهم المتشوشة بين الفرح و الحزن على حالي.

حاولت الإعتياد على حياتي في الزنزانة مع الباقين بعد ذلك اليوم ، و كانت كلمات عمي احمد هي من تنشلني ولا تسمح لي بالغرق في ظلمتي. الى ان جاءوا يوما و أخذوني أنا و رفاقي الى معتقل اخر بحجة غير مقنعة كالعادة ، و لكن فوجئنا بعدم وجود لا عمي احمد ولا غيره . كنا وحدنا تماما ، أكثر خوفا مما كنا عليه اول مرة ، حيث كان أمثال عمي هم من يشعرونا أنهم أهلنا و حامينا في هذا السجن اللعين.

كان عمي احمد يشتري لي ما أريد من الكنتينا ؛حتى أنه في أحد المرات طلب منه صديقي احضار كرة قدم ؛لكن إدارة السجن رفضت ، فقام هو بنفسه عمل كرة من الإسفنج ، و لعبنا بها الى ان جاء الجنود و أخذوها. كل هذا كنا نتذكره انا و زملائي في معتقلنا الجديد دون عمي احمد .

كرهت كل شيء ، حيث كل ما اريده هو اهلي، او بالأصح أريد الأمان ، حتى شعوري بالأمان مع عمي احمد أصبح محروما ، أريد أن أنام مستريحا مرة واحدة ، أريد أن يشعرني أحد ما أني ذو قيمة و لست مجرد عدد كما في نظرهم . أين أنا؟ و لماذا أنا هنا؟ لم الضرب و الإستفراد؟ لم الأسئلة و الإستجوابات ؟ لماذا أنا في هذا السجن الظالم .

شكرا

*حاصلة على جائزة مسابقة وزارة الثقافة الفلسطينية للعام 2020 الخاصة بقصص الأطفال