الأربعاء: 28/10/2020

الموسيقى عاريةٌ.. لا أعرِفُها

نشر بتاريخ: 19/09/2020 ( آخر تحديث: 19/09/2020 الساعة: 17:23 )
الموسيقى عاريةٌ.. لا أعرِفُها

الكاتب: المتوكل طه

سأغادرُ هذي الغابةَ للنَّهرِ الأوّلِ ،

حيثُ الفَرَسُ تخوضُ لِتَخْرجَ نحوَ التلِّ ،

وتصهلُ بالفِضَّةِ ،

أو تنشرُ ما ظَلَّ من البَرْقِ على الأحياء .

غبارٌ هذي الغابةُ أو غَبَشٌ أسودُ ..

وأرى أنَّ سَبيكَتَها انكسرتْ ،

أخَذَتها السّاحرةُ إلى بئرِ مغارتِها السوداء .

سأغادرُ هذي المُتَصابِيةَ الرَّخْوةَ ..

مَنْ تَضَعُ قِناعاً تلوَ قِناعٍ

وتُراقِصُ أشْباحَ الرأسِ المقطوعِ

وتخفي سِحْنَتَها العجفاءَ ..

سأتْرُكُ سُوقَ نِفاقِ الأخوةِ ؛

مَن كانوا في الخندقِ أو في البَيْرقِ أو خلفَ القُضبانِ ..

وراحوا للسوقِ ،

اندفعوا مثلَ الثيرانِ الوحشيّةِ

لمذاوِدِ ربِّ القُطْعانِ السائبةِ ،

أُطْعمَهُم وَهْمَاً ،

وتّزَيّا فوقَ رِقابِ الخَلْقِ

وكانَ الآكِلَ والطاعِمَ والكاسيَ والسّادرَ في السِّيركِ الوطنيِ

المُغْلَقِ مِن كلِّ الأنحاءِ ..

كلابٌ تنهشُ في لحمِ غزالتِنا ، اجتمعتْ

لترى ما في القَصْعةِ من مَرَقٍ

خَثّرهُ الجَمْرُ،

لتملأَ جَوْفَ جنَّهمَ ،

وتنامَ على رِيشِ نعامَتِنا الخرقاءِ.

وأَمْعَنَ سيّدُهُم بالسَّلْخِ وبالطَّبْخِ ،

تَلَمَّظّ ، وامتلأَ البطْنُ ، وأيْقَنَ أنَّ

القُطْعانَ الموسومةَ تأتيهِ

بلا تَعَبٍ ،

فَلْيَذْبَحْ ما شاءَ من الصُّوفِ ،

عدا الكبشِ المكحولِ ..

فهذا مَن باعَ حظيرَتَه للذّئبِ ،

وصالَحَ غِربانَ البيداء .

سأترُكُ هذا الطَقسَ الوثنيَّ وأزلامَ المَعْبدِ وعُكاظَ الخُطَبِ المكرورةِ

وقوافلَ داحِسَ والغبراء .

لقد كذبوا ! مِن أوَّلِهِم

حتى آخرَ مَن تاجرَ بالنّارِ وبالأوجاعِ وبالنسْوَةِ حينَ رَقَصْنَ

بمنديلِ الأعراسِ المُذْهلةِ ..

وكَذَّبَ ثانيةً ..

فَالكافِرُ مَن رَفَعَ البُهتانَ

وصدَّقَ ما قالَ مُسيلمةُ الكذّابُ ،

وعادَ مع الصَّنَمِ المهدومِ ..

لأرضِ الرّومِ ..

سأتْرُكُ مملكةَ الخَوفِ

أو الزّيفِ

وأَهْجرُ هذي المنهوكةَ والمذبوحةَ

بسيوفِ أشقائي الأعداء .

وأتْرُكُ هذي الكُثبانَ القاحِلةَ

المَذْرورَةَ ،

مَن يختَبئُ بها الثعبانُ أو العقربُ والغولُ أو المَمْسوخُ ..

سأترُكُ هذا التصفيقَ الفجَّ ، وصوتَ العتمةِ

والجدرانَ المثقوبةَ ،

لفضاءِ السِّجنِ

ومقصلةِ الطّاغوتِ

وقُبَّةِ صخرتِنا الشقراء.

سأترُكُ هذي الهاويةَ الفاغرةَ الأنيابِ ، الشائخةَ الرّيحِ ، العاجزةَ ببيتِ الضّبْعِ ، وتبدو الضائعةَ الدَرْداء .

سأترُكُ أنفاسَ المَوْتِ ورَملَ الوَقْتِ ولمْعةَ نيِشانِ الجنرالِ المهزومِ ،

سأترُكُ هذه الُلعبةَ ؛

مَنْ أرْبَكَتِ الأطفالَ

وبدَّلَتِ الأحوالَ

وقالتْ ما قالَ القاتلُ ..

وأغادرُ هذا السِّحرَ الأسودَ والترقيصَ على الأحْبالِ ، وعِطرَ الغانيةِ المأجورةِ ، ورقابةَ أجهزةِ التسجيلِ ، وخنجرَ أصحابِ التأويلِ ،

وخيطَ عناكِبنا المسمومةِ ..

سأغادِرُها .. لدَمٍ يتفجّرُ

في أوردةِ الحقلِ المنسيِّ

وفي الزَّهرِ الشتويِّ ،

وأُترُكُ هذي المعركةَ الخاسرةَ

إلى قلبِ فلسطينَ ؛

لأوَّلِ ما خلقَ اللهُ وآخرُ ما يبقى في الأرضِ

من الحِنّاء.

سأترُكُ هذا المرْقصَ

فالإيقاعُ غريبٌ

والليلُ بهيمٌ

والموسيقى عاريةٌ

لا أعرفها ،

لا تعرفني ،

غرباءٌ نحنُ بهذا المحْفلِ..

ما عاد لنا ما نطرحُه

بِمَزادِ السيّدةِ العمياء .

سأترُكُ هذا الكأسَ ،

فيكفي ما فعلتْهُ الخمرُ الفوّاحةُ

في الرّوحِ ،

ولا ينقُصها الدَّنَّ النازفَ

مِن أعصابِ الكَرْمَةِ ،

إذْ سَرقَوا العنقودَ كما سرقَوا الكأسَ وأضواءَ المشْرَبِ والثلجَ السائحَ في طَيَّاتِ الأضواءِ الحمراء .

انطلقوا مثلَ جَرادٍ

جاءَ على الحقلِ ،

وغادرَ بعدَ الجَدْبِ لأطْلالِ البُومِ

وجُحْرِ الحَيَّاتِ الرّقطاء ..

سأترُكُ هذا التسْطيحَ الساذجَ والنوْءَ الهائجَ والقُبْحَ الرائجَ والتّيهَ الفالجَ والصدأَ الخارجَ مِن فُولاذِ الحَجَرِ إلى الأجراسِ ،

ونأتي دونَ حَمامٍ يَزْجلُ

برسائلَ مَن ظلّوا فوقَ التَلِّ

على أُحُدٍ ،

وتساوى مَن ماتَ

بِمَن جَمعَ غنائمَ معركةِ الثأرِ ..

سواءً بسواء !

سأترُكُ هذا البحرَ المسجورَ ،

أنا لستُ بموسى

كي أَملكَ منْسَأةً أضربُها في الموجِ

فيَنْشقُّ الماءُ ،

ولستُ بِيوشَعَ كي أقبضَ بالكَفِّ

على الشمسِ ،

ولستُ بِمَن يجترحَ المُعْجزةَ

إذا جاءَ السّاحرُ ،

أو أبعثَ مَن راحَ إلى الغَيْبِ ..

أنا الكَهْلُ المصلوبُ وموسى المطرودُ ويوسفُ إذ أَلْقُوهُ إلى الجُبِّ ..

فَيَا ربِّي ارحَمْني من إخوتيَ المفضوحينَ

بهذا الليلِ المُشْرعِ للأنواء .

سأترُكُ هذا المأتمَ دونَ رثاءٍ للرّاحلِ،

فالثورةُ في قلبِ التابوتِ !

وهل غادَرْتُ لأحملَ باقةَ دمعٍ للأيتامِ ؟

هنالكَ سادَ الصمتُ

وغابت ألسنةُ الشُّعراء !