الأربعاء: 21/10/2020

من هو بطريرك القدس الجديد للاتين؟

نشر بتاريخ: 21/09/2020 ( آخر تحديث: 21/09/2020 الساعة: 18:58 )
من هو بطريرك القدس الجديد للاتين؟

الكاتب: داوود كتاب

يتوقع متابعو مجريات الأمور في الكنيسة الكاثوليكية في فلسطين والأردن تعيين الفاتيكان، قبل نهاية العام الحالي (2020)، بطريركا جديدا لطائفة اللاتين. وتدير بطريركية اللاتين، ومقرّها القدس، أبرشية تمتد إلى فلسطين وإسرائيل والأردن وقبرص. وعلى الرغم من وجود غالبية عظمى من أتباع الكنيسة الكاثوليكية في الأراضي المقدسة من العرب، إلا أنه في تاريخ الكنيسة لم يتم تعيين سوى شخصين عربيين لهذا المنصب المهم. في عام 1987، تم تعيين أول عربي لرئاسة البطريركية، ابن الناصرة ميشيل صباح. وفي 2011، وبعد إحالة صباح إلى التقاعد الإلزامي في عمر 75 عاما، استلم ابن مأدبا الأردنية، فؤاد طوال، مهام رئاسة بطريركية القدس للاتين، ليكون ثاني بطريرك عربي. وحسب نظام الكنيسة الكاثوليكية في المناصب العليا، من مطران ورئيس مطارنة وبطريرك، تنطبق على منصب "أسقف" الشروط نفسها، من حيث التحصيل العلمي اللاهوتية، وضرورة أن يكون الشخص صاحب سيرة وسلوك لا تشوبهما شائبة.
وعلى الرغم من أن لبابا الفاتيكان الكلمة الأخيرة في التعيين، إلا أن التقليد عبر القرون يتطلب مجموعة إجراءات، أهمها مبدأ التشاور أو ما يسمى consulta. ويفيد خبراء بأن عملية التشاور تتم بأعلى درجات السرية البابوية، وغالبا تتم مع حوالي خمسين شخصية من كبار رجال الإكليروس، كما وتشمل بعض المؤمنين غير الكهنة من كلا الجنسين. ويشمل قرار الفاتيكان رأي المسؤول المنصرم ومؤسسة فرسان القبر المقدس، على الرغم من أن ذلك لا يشكل، بحد ذاته، القرار الحاسم.

ميشيل صباح أول بطريرك عربي لطائفة اللاتين، في 2011. كما استلم ابن مأدبا الأردنية، فؤاد طوال، مهام رئاسة بطريركية القدس للاتين، ليكون الثاني

ويدور نقاش داخلي بشأن جنسية المرشح المتوقع للمنصب، علما أن موقع البطريرك، وبعكس المواقع الأخرى، من الصعب جدا تغييره أو استبداله إلا في حالة الوفاة أو الاستقالة أو التقاعد، في حين يحق للفاتيكان نقل المطارنة وغيرهم، ولكن الأمر لا ينطبق على البطريرك. وتؤكّد مصادر مطلعة في الطائفة الكاثوليكية أن هناك إجماعا داخليا بين رجال الدين الكاثوليك في الأردن وفلسطين على أنهم مصرّون على ضرورة أن يكون البطريرك الجديد من المنطقة العربية، وبالذات من الأردن أو فلسطين، وليس من خارج منطقة الأبرشية. وقد تكون أكبر مصادر الامتعاض للفاتيكان تكمن في كيفية إدارة البطريركية خلال فترة البطريرك طوال، لعدة أمور، أكبرها وأهمها تعثر الجامعة الأميركية في مأدبا، والتي قالت البطريركية، في بيان صدر في القدس أخيرا، إن ديون البطريركية المالكة للجامعة وصلت الى مائة مليون دولار، بسبب "سوء إدارة" الجامعة في الأردن، الأمر الذي اضطرّ البطريركية لبيع أراضٍ تجارية في منطقة الناصرة لتعويض تلك الديون.

بعد إحالة طوال إلى التقاعد، لم يتم تعيين أي بطريرك، بل أرسل الفاتيكان عام 2016 مدبرا رسوليا إيطاليا عمل في القدس في حراسة الأراضي المقدسة، هو المطران بيير باتيستا بيتسابالّا. ويبدو أن مهمته كانت معالجة ديون البطريركية، وترتيب الأمور الإدارية والمالية لمؤسسات البطريركية، قبل الشروع في تعيين بطريرك جديد. ويأتي هذا الإصرار بسبب الامتعاض الذي يشعر به المسؤولون في الفاتيكان من التجربة مع بطريركية اللاتين أخيرا، بسبب المشكلات والإرث السلبي الإداري والمالي التي شكلت موقفا سلبيا لروما لكل ما هو عربي. وقد شكل الأمر زيادةً في تعامل فوقي وصفه عديدون من الإكليروس العرب بأنه يشمل نظرةً عنصريةً إلى كل ما هو عربي، حيث يسأل أحدهم: ألم يجد الفاتيكان أي عضو من الإكليروس في الأراضي المقدسة لتعيينه مديرا سوى مطران إيطالي لا يتكلم العربية؟

إضافة إلى الخلافات المالية والإدارية التي سببتها حقبة طوال، هناك عناصر أخرى، لها رأي في من سيتم تعيينه، على الرغم من أن موقفها ليس حاسما، فهناك الدول الأربع ذات علاقة مباشرة مع البطريرك الجدّي، إسرائيل وفلسطين والأردن وقبرص. ويبرز بالأساس هنا موقف إسرائيل والأردن، حيث يحتل موقع بطريرك القدس موقعا مهما في شؤون المسيحيين، على الرغم من أن البطريركية ليست مسؤولة عن الأماكن المقدسة، والتي تعود مسؤوليتها إلى مؤسسة حارس الأراضي المقدسة، أو ما يعرف بأخوية الفرنسيسكان. وقد كانت إسرائيل معترضا حاداً على مواقف البطريرك ميشيل صباح الوطنية، في حين كان البطريرك فؤاد طوال موافقا أقل حدة، على الرغم من دفاعه عن الحق الفلسطيني بشكل عام. وتتجلى مواقف بطريرك القدس في احتفالات عيد الميلاد، حيث يشرف على قدّاس منتصف الليل من كنيسة المهد في بيت لحم، حيث يتم نقل القدّاس وكلمة البطريرك من بيت لحم إلى كل العالم. ويهتم الأردن أيضا بموقع البطريرك، لما للبطريركية ومؤسساتها من دور مهم في الحفاظ على الوجود المسيحي في الأراضي المقدسة، وهو من الأمور التي تركز عليها الحكومة الأردنية والقيادة الهاشمية في كل المحافل المحلية والإقليمية والدولية. ومعروفٌ أن لموقع بطريرك القدس علاقة مباشرة مع فرسان القبر المقدس، وهي مؤسسة متخصصة في دعم بطريركية اللاتين في كل أنحاء العالم. ومن الضروري التواصل مع القائمين على رهبانية الفرسان لاستمزاج رأيهم قبل صدور القرار.

بعد أن أنهى المدبّر الرسولي مهامه، وتمت معالجة الديون المترتبة على جامعة مأدبا، من المتوقع أن تتم عمليات استمزاج الرأي في الفترة القريبة المقبلة. وبعد ذلك، يصدر قرار تحديد هوية البطريرك الجديد، حيث من المؤمل أن يتم ذلك قبل نهاية العام، كي يشارك في قدّاس من بيت لحم في ليلة عيد الميلاد المجيد. وتفيد مصادر عليمة في البطريركية أن أربعة أسماء، منهم لبناني وإيطاليان، قد تم وضعها على طاولة البابا، إلا أن تلك القائمة لم يتم التعامل معها بسبب المعارضة الشديدة لتعيين أي أسقف من خارج الأبرشية، حسب التقليد المتبع في كل أنحاء العالم. وقد يكون لكل الأطراف ذات علاقة مباشرة، رأي في نوعية البطريرك الجديد وجنسيته، إلا أنه من الضروري أن يكون البطريرك ابن المنطقة، عالماً بمشكلاتها وتطلعات شعبها، ولديه اهتمام بالناس ومصالحهم وحاجاتهم الإنسانية في الصمود والبقاء، إضافة إلى حاجاتهم الروحية.
التطلع هو إلى بطريرك من الشعب ذي اهتمام وطني. قائد روحي مؤمن، ومهتم بكل حاجات أبناء رعيته والمسيحيين، وكل سكان المنطقة. والمأمول أن يأتي بطريرك مؤمن بعدالة القضية الفلسطينية وبالحق العربي، وبضرورة احترام حرية العبادة والممارسة والحياة العادية في القدس وفلسطين والأردن.