الثلاثاء: 20/10/2020

هل جنّت الأمة العربية؟

نشر بتاريخ: 23/09/2020 ( آخر تحديث: 23/09/2020 الساعة: 13:43 )
هل جنّت الأمة العربية؟



بقلم: د. صبري صيدم

سؤال طرحته إحدى الصحافيات العربيات اللامعات، قبل أيام، تسأل فيه عن سبب تساوق بعض العرب مع الرسالة الصهيونية، وتعبيرهم عن حبهم لإسرائيل وديمقراطيتها المزعومة، وصولاً بالبعض إلى حد تقريع الفلسطينيين للتأكيد على محبتهم لإسرائيل.

رسائل وأفلام وأغان ورقصات وعرض للأزياء، هو ذاك الذي رأيناه على صفحات الإعلام الاجتماعي، ناهيكم عن مقالات تلو المقالات، اشتد نشرها بعد توقيع الإمارات والبحرين مع انتصاف هذا الشهر، على اتفاق التطبيع الأخير، ما دفع الكثيرين للسؤال: هل جنّ جنون العرب؟ أم ماذا؟ هل هانت عليهم فلسطين وجراحاتها ونضالات أبنائها؟ هل نسوا القدس ومن فيها؟ وهل تناسوا الشهداء والمجازر والسجون، وكم الدماء الذي سال؟ وكيف يخرج علينا اليوم من يتباهى بالتطبيع، ويدعو لتوقيع اتفاقيات سلام مع الاحتلال الصهيوني؟ من ذا الذي يشرعن الحديث والفعل بجرأة غير مسبوقة؟

في الحقيقة، وفي زمن الإعلام الاجتماعي، فإن الموضوع يرتبط ارتباطاً وثيقاً بكيفية تكثيف المحتوى لمعسكري الرفض والقبول، أي أن أحدهم يروج للفكرة على طريقته وآخر يحاول معارضتها مذكراً الجميع، بإرث من التراكمات والتاريخ.

معركة المحتوى في عصر الانفتاح والعولمة وشبكات الإعلام الاجتماعي، وما يحمله من رسائل في شتى الاتجاهات، هي المعركة الفيصل في تكوين الرأي العام، وصياغة مواقف الشعوب وآرائها، فما بالكم بالشعب العربي، الذي يجتاحه الفراغ والبطالة وضآلة التصنيع، وضعف الإنتاج المعرفي، وإقعاد كورونا الجزئي، والكبت وغياب الديمقراطية، وهي عوامل تضغط بمجملها باتجاه خلق مساحات زمنية كبيرة، يملؤها الهروب إلى شبكات الإعلام الاجتماعي، كمتنفس مهم للبحث عن المعلومات الحقيقية المجردة، وللتعبير عن الرأي والموقف، أو حتى مجرد الاطلاع وقتل الوقت.

ومع هذا التدفق البشري الهائل تولد النقاشات والسجالات، وما يصاحبها من تفاصيل لا تنتهي.

وعليه فإن من حقنا أن نفهم مصادر المحتوى وأنواعه، حتى نعرف ما إذا كان العالم العربي قد جنّ جنونه في زمن التطبيع، وحتى نستطلع أيضاً كيف ولدت ثقافة التطبيع على المستوى الشعبي، وإذا ما أصبح هذا الأمر سمة ونهجاً، وحتى نجيب بدورنا على السؤال الذهبي الذي أسس لهذا المقال – هل جنّت الأمة العربية؟

ينقسم محتوى شبكات الإعلام الاجتماعي ومعه الإعلام التقليدي في البعد السياسي إلى عدة أنواع، أهمها ما يلي:

1 ـ المحتوى الموجه: وهو المحتوى الذي يستند إلى شرعنة بعض الخطوات والمواقف، ودعم ذلك بالحجج والتبريرات وإسناده أحياناً بالأدلة الصوتية والفيلمية والنصية، وتدعيمه بالوثائق ورفده بالمؤثرات الصوتية على اختلافها. كما يتبنى المحتوى الموجه مفهوم توضيح حقائق ما، أو اختلاق مواقف معينة، أواختراع القصص والتوظيف المغلوط للتاريخ، وإعطاء الانطباع بجدية ما يطرح. ويستخدم الإعلام الموجه عدة آليات من أهمها، تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي تحدد ميولات المتصفح واهتماماته، فتكثر من المواد الموجهة بشكل يجد المتلقي نفسه محاصراً بدون أن يعلم، إضافة إلى استخدام الكلمات المفتاحية لرصد ما يكتبه أو يتصفحه المستخدم، حتى يتم تعزيز اهتماماته، وحثه على تصديق ما يطرح. وتستخدم تقنيات المحتوى الموجه الإحصائيات والبيانات لتعزيز محاصرتها لرواد الفضاء الإلكتروني، وتحديد حجم الأثر الذي تتركه، وحجم ما تحتاج أن تضخه لتحقيق أثر أكبر. وقد يلجأ البعض إلى تنظيم استطلاعات للرأي لتحديد ذلك الأثر وقياسه. وقد استخدمت إسرائيل في معركة التطبيع العديد من الأفلام والتقارير المفبركة والمأجورة، وصولاً إلى تصوير أفلام لأشخاص عرب، أو يحملون ملامح عربية ويشيدون بالتطبيع مع دولة الاحتلال.

2 ـ المحتوى العفوي: وهو المحتوى التلقائي غير المنظم، الذي يعبر عن المخزون الفكري والمواقف المسبقة للناس، بدون رتوش أو توجيه مباشر. لكن ضخ محتوى كهذا، غالباً ما يعتمد على مساحة الحرية المتاحة والرقابة على المجال الإلكتروني، وهو ما يحدد قدرة الناس من عدمها على الإفصاح عن مواقفها. ونظراً لغياب التنظيم والتنسيق بين جمهور المرتجلين، فإن الأثر المنشود قد لا يتحقق ما لم يتم تنظيمه وتوضيبه وتحشيده. أما جمهور المستخدمين في الفضاء السياسي فيضم عدة فئات أهمها التالي:

1 ـ المستخدم التقليدي: وهو من يتلقى البيانات ويتفاعل معها، وفق مواقفه الشخصية المسبقة، بدون تنظيم أو توجيه وهم الأغلبية. لكن خانة المستخدم التقليدي قد تمتد أيضاً لتشمل فئة المراقبين الصامتين، ممن يقرأون ولا يتفاعلون سلباً أو إيجاباً، إما لمجرد فضولهم، أو لعدم شعورهم بامتلاك الكفاءة، أو الموقف أو القدرة على المساهمة في النقاش، أو عدم اهتمامهم أصلاً بالموضوعات المتناولة.

2 ـ المستخدم الباحث عن المعلومة الأمنية: هؤلاء هم من ينتمون لجهات أمنية تتولى عملية رصد المعلومات وتبادلها داخلياً، ووفق درجات أمنية تعتمد على أهمية المعلومة وحساسيتها. وقد بدأ العديد من الدول محاولاتها باتجاه قوننة هذه الجهد.

3 ـ المستخدم المأجور: الذي يتلقى أجراً معيناً لقاء ضخ المحتوى الموجه، من وجهات نظر وتسجيلات وأغانٍ وقصائد ونكات ومقابلاتٍ، ومقاطع تمثيلية وقفشات، وأفلام تاريخية محرفة، وحتى عروض للأزياء بصورة تتفاوت في حرفيتها، حسب إمكانيات الجهة الممولة. ويرى البعض أن هذه الفئة تشتمل أيضاً على من يمارسون الجريمة الإلكترونية الموجهة، وبكامل أشكالها، إما عبر جهد فردي أو جماعي منظم، بغرض تحقيق مبتغاهم أياً كان.

ومن غير المستبعد مع اشتداد حمى التطبيع أن كثفت المخابرات الإسرائيلية إمكاناتها المختلفة للترويج للتطبيع، وتعزيز الرصد المتعدد الأوجه والتقنيات.

وقد شملت المساعي توظيف ما يعرف بالذباب الإلكتروني، وبعض المأجورين لحث الشارع العربي على تقبل مبدأ التطبيع في إطار الانطباع المزعوم، بأن لغة ومكونات الماضي قد عف عليها الزمن، وأن التطبيع سيزيد من فرص السلام، وغيرها مما انتشر هنا وهناك.

وعليه شهدنا، خلال الأشهر التي خلت، تسابقاُ يومياً نحو إبداء الولاء للاحتلال عبر أشخاص مغمورين، وصلت بهم الأمور نحو الزج بأحدهم لزيارة الأقصى، وسط سباب المقدسيين واستنكارهم لزيارة أحد المطبعين المزعومين.

وقد هدفت الماكنة الإعلامية الصهيونية إلى بث روح اليأس والإحباط، خاصة وسط الفلسطينيين ومناهضي التطبيع، حول العالمين العربي والدولي، وإعطاء الانطباع بأن التماسك العربي قد انهار، وأن الفلسطينيين قد أصبحوا لوحدهم وعليه فإنهم سيأتون صاغرين إلى مربع الإذعان لا محالة.

التركيع المعنوي هو فحوى المحتوى المهيمن على النشاط الصهيوني، ضمن رسالة واحدة يجري تكرارها بصور وقوالب مختلفة مفادها الاستسلام ودفع الشعب الفلسطيني للخضوع عبر سلسلة من مكونات المحتوى المأجور.

خلاصة القول إن الأمة العربية بشعوبها، وفي إطار التطبيع لم تجن، فهي تحافظ على ولائها لرسالة الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، لكن البعض من أبنائها قد انزلق حتماً في سيل المعلومات المتضاربة، أو الاستهداف المباشر، أو الإسقاط المنظم، فانحرف عن مساره وبدأ بالترويج لما يخالف قناعاتهم، أو يخدم حقدهم أو يلبي ما كونوه من قناعات.

أما الزعماء الذين ذهبوا باتجاه التطبيع، فإن أسبابهم ودواعيهم ومبرراتهم وحججهم تختلف عن المواطن العادي، لكنها حتما قد وظفت من ناسبها باتجاه خدمة رسالتها.

التاريخ طبعاً هو الحكم ورسالة الشعب الفلسطيني رسالة واضحة جلية لن تلين ولن تحيد.