الإثنين: 30/11/2020

دمعة على خد رام الله .. قصيدة سردية .. في الادهاش والتخلّق البديع من وحي كورونا..!

نشر بتاريخ: 21/11/2020 ( آخر تحديث: 21/11/2020 الساعة: 10:55 )
دمعة على خد رام الله .. قصيدة سردية .. في الادهاش والتخلّق البديع من وحي كورونا..!

بقلم: محمد زحايكة

بلغة شاعرية وخيال لغوي وتصويري خصب يمتعنا الكاتب د. حسن عبدالله في نصوصه الابداعية " دمعة ووردة على خد رام الله " الصادرة العام الحالي عن منتدى العصرية الابداعي – الكلية العصرية الجامعية في رام الله . وبصفتي قارئ جيد لا غير ، ليس له الماما حقيقيا في فن النقد ، فان ما اسجله هنا هو مجرد انطباعات شخصية قد تخطئ وقد تصيب وقد تشطح وقد تنطح ..؟؟! ، حول هذه النصوص الابداعية الشائقة التي ادخلت البهجة في نفوسنا المتعبة وهي تتحايل على الزمن الكوروني العصيب بمزيد من الثقة والامل والعنصر المقاوم والطاقة الايجابية الفذة..
في هذه النصوص الماتعة يقلب د. عبدالله في سيرة المكان والزمان ويسجل ذكريات حميمة مليئة بالفرح والشجن والعناء والمكابدة ، مستثمرا قصصا حقيقية لاصدقاء ومعارف تغص بالصور والملامح الانسانية ذات المعاني والرموز المحملة بشتى الاحتمالات غارفا من معين مدن وبلدات فلسطين الجميلة القدس ونابلس ورام الله وبيت لحم ويافا وبيرزيت وجفنا ومخيم الجلرون وبحر فلسطين ولبنان وعمان ووجدة المغربية ، الكثير من الحكايات المسلية النابضة بالوجع والمعاناة بروح التمسك بالمكان الذي هو حجر الزاوية. ووظفت هذه النصوص روايات وحكايات لرموز من المبدعين درويش والمتنبي وحنا مينة جهاد صالح ود. سمير شحادة وابراهيم جوهر ومعين جبر وغيرهم من خلال علاقة الكاتب بهذه الشخصيات مما اضفى على هذه النصوص روحا من الحنين ودفقا من مشاعر الشوق والشجن .
وتكاد نصوص دمعة ووردة على خد رام الله ، تحّول بستان المهندس سامر الشيوخي مدير العصرية في بيت عور الى قصيدة من الشعر الغزلي المضطرم لما فيها من تجليات وصور وصفية رائعة كأنها مقطوعة موسيقية حالمة تشنف الاذان وهي تطل على المكان – البستان الجميل وما يكتنزه من آيات وصور جمالية طبيعية تاخذ الالباب .. في هذا البستان الساحر يتكلم الحجر والشجر ويهمس بعبارات الحب ويتبادل العشاق من انسان وجماد ونبات همسات الغزل العذري النابض بالحياة المشرقة بانوار السعادة والهناء رغم دوام هبوب الاعصار الغريب الجائم على الصدور ..! وهنا ترتفع سيمفونية الحياة الراعفة بالجمال الاخاذ بالتعبير " الحسني " .. " بشر شجريون هنا واشجار بشرية هناك في البستان .. يا لها من حياة مكللة بالشجر والبشر " .
ولا يمكن ان تغفل النصوص الحسنية درة التاج القدس التي يسيح فيها كأنه طيف من خيال في زمن الكورونا وينفحها لواعجه وشوقه الفائر وهو يستذكر آلام المسيح ووجع الاسنان ايام قبور ومدافن الاحياء ويأخذه الشوق الى عيادة طبيبة الاسنان ابنته رزان حيث " يتسطح " على أريكة او كرسي العلاج وهو يتنهد بأمان تحت مبضع ويد فلذة كبده الحانية خلاف الوجع الداهم والممض على عتبات الزنازين القاحلة الموحشة..! وتسترسل النصوص في هذا الفصل الراعف بالالم والمعاناة في وصف صور من نضالات الاسرى والاضرابات عن الطعام لانتزاع الحرية او ظروف اعتقالية انسانية كريمة .
تأملوا هذه الصورة الساحرة من النصوص "الحسنية "المقدسية.. "من المدهش ما ان تلامس قدماك ارض القدس حتى تجد قلبك وقد قفز من بين ضلوعك، ليتقدمك سيرا، يصير دليلك ومرشدك وموجهك، تنبهر من سحر المكان، وكأنك تراه لاول مرة، وكانك لم تتنقل مع اترابك في مرحلة الشباب من حارة مقدسية الى حارة مقدسية، ومن زقاق الى اخر، فيخيل اليك انك خرجت للتو من دفتر التاريخ ، وصرت كائنا انسانيا تخلّق في اللحظة والتو، وراح يستكشف المكان، يتحسسه بروحه وعقله، لعله يمسك بالزمن ، فتموج مشاعرك في المكان والزمان، تغتسل روحك وتشرب من نهر روحاني لا تراه، لكنك تحسه في كل خطوة " .
وعودة اخرى الى زمن كورونا المغضوبة ووصايا الموت ومراثي الحياة مع ابراهيم جوهر ومعين جبر والنبش في ذكريات الشباب وتصاعد الاحلام الى عنان السماء ثم الولوج في نفق الشر المظلم المتلاطم الامواج وما زال ..؟؟ وحتى لا تعلق رائحة الموت والرحيل في ثنايا ارواحنا وثيابنا يرد د. حسن على خيبة امل ابراهيم ومعين بصوت الشاعر التركي التقدمي ناظم حكمت وهو رهن الاعتقال " اجمل البحار تلك التي لم نزرها بعد، واجمل الاطفال ذلك الذي لم يولد بعد". ونضيف من وحي قراءاتنا السابحة في الفضاء .. واجمل القصائد التي لم تكتب بعد ..!
ويلمس القارئ النبيه في نصوص عبدالله لمسات وفاء تمتد على طول وعرض النصوص عندما يسطر يومياته في دوار الساعة والمنارة برام الله والكلية العصرية في البيرة وزملاء الروح والاسر حافظ ابو عباية وفهد ابو الحاج والمهندس سامر الشيوخي. الى ان يخط قلمه واصفا الدوارين الحميمين "انها ادوات قياس اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية ونفسية ووجدانية، فلا يمكن التعامل مع رام الله بلا احساس مرهف ، ولا يمكن التعبير عن حبها دون ان تلامس قلبها بشريانيه، الساعة والمنارة" .
وتغوص بنا النصوص "الحسنية" في غوطة دمشق وتؤامها الاصغر نابلس لنلتقط طوق الحمامة واللالئ والياقوت والمحار الساحر.. فنعيش لحظات المناجاة مع الشعراء محمود درويش والمتنبي ونزار قباني والروائي الاعظم حنا مينا.. فنفاجأ بصرخة هامسة" تعود من نابلس القديمة ويختار قلبك البقاء هناك". ثم تنبض النصوص بروائح الياسمين الدمشقي والقصيدة الدرويشية الهاتفة "في دمشق.. ينام غزال.. الى جانب امرأة.. في سرير الندى.. تخلع فستانها.. وتغطي به بردى". وفي باب الدير وباب الزقاق التلحمي يترنم الشاعر المتخفي في نصوصه " ما اجمل ان تكون تنسمت هواء بيت لحم سنوات من عمرك.." و "لأن المسيح لم يغب عن طرقاتها وساحاتها لحظة واحدة، وانما استمر ينثر القمح والورد، ويبلسم بوجعه، وجع الاخرين، لكي يخفف من معاناتهم ويحدث التوازن في دواخلهم ".
وتحط النصوص "الحسنية" الزاهرة الساحرة، رحالها في محطات عمان ووجدة المغربية متسائلة عن عمقها الثقافي وروحها المشرقية والمغربية المتوحدة الواحدة وهي تنشر عبق التاريخ السحيق وتبعث وجدة، الوجدان العربي الواحد وتطل من عليائها شامخة شموخ جبال اطلس والقدس وربى عمان ورام الله.. فتتهلل الوجوه في بحيرة الثقافة العربية ذات الملامح المتشابهة والاصول العريقة. ويكون مسك النصوص فواحا برائحة البطيخ الاحمر والمذاق الجنيني الحلو المفقود، وشذى صوت ام كلثوم وانغام عبد الوهاب التي تترقوق كماء جداول الغدران الصافي المنحدر من الجبال الى الوديان. نصوص د. حسن عبدالله السابحة دمعات حرى على خد رام الله ..قصيدة شاعرية وسردية مطولة تبعث فينا دفء وحب الحياة الراقية وتزرع فينا ينبوع الوجدان الثقافي العربي التقدمي المتألق من المحيط الى الخليج.