قراءة في كتاب "المهمشون" للدكتور سعيد عياد

نشر بتاريخ: 09/08/2021 ( آخر تحديث: 09/08/2021 الساعة: 20:53 )
قراءة في كتاب "المهمشون" للدكتور سعيد عياد

بقلم الدكتور وليد الشوملي

المهمشون: خروج عن النمط التقليدي لكتابة الأدب في محاولة لخلق ثقافة جديدة

تحمل أدواتِ تثويرٍ في المجالات السياسية والاجتماعية والأخلاقية.

قبل الولوج في قراءة متمعنة للقصص التي تضمنها كتاب المهمشون، دعونا نعرف من هم المهمشون؟ وما أنواع التهميش المختلفة التي يقع ضحيتها أولئك الأشخاص؟ لقد كان التهميش والإقصاء وإلغاء الآخر من أكثر الآفات التي كانت وما زالت تعاني منها البشرية. والتهميش من جهة والتعددية من جهة أخرى هما بطبيعة الحال على طرفي نقيض تمامًا.

أما أنواع التهميش المختلفة؛ فإنها تتضمن التهميش الاجتماعي والتمييز العنصري والتهميش الطبقي والسياسي والاقتصادي والجندري والديني والطائفي والفكري وغيرها.

أول ما باغتنا به الدكتور سعيد هو التهميش الديني والفكري الذي يتمثل بقصته الأولى بعنوان "الفريضة المؤجلة" التي تصور ظلاميي العصر الذين يغتصبون الأحلام والوطن والمعرفة والوعي.

وهذا الإقصاء هو أعنف وأبشع أنواع الإقصاء الذي يدّعي أصحابه أنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة، وينصبون أنفسهم أولياء الله على الأرض، ويمنحون الحق لأنفسهم بالحكم على الآخرين أحكامًا ما أنزل الله بها من سلطان، ويشرعون لأنفسهم قوانين يدعون أنها إلهية من أجل التنكيل بالآخر وقتله.

أما في قصة "السجان والغانية" وهي تجربة شخصية للمؤلف؛ فإنه يظهر جليًّا الانحياز للغانية على حساب الآخرين الذين لا يملكون تأشيرة دخول إلى ذلك البلد العربي، حيث هم يمكثون في غرفة قذرة، بينما يتم إرسال تلك الغانية إلى فندق المطار.

في حقيقة الأمر، لم يتضمن ذلك الانحياز إنصافًا للمرأة بل كان مغلّفًا بالفجور والشهوانية واحتقار المرأة والنظر إليها كغرض لإشباع رغبات الرجل الجنسية.

ويعود عياد ليؤكد انحيازه التام للمرأة في قصة " سياط المتعة"، وكذلك في "الخطيئة والقرية" حيث يرى الظلاميون في المرأة السافرة عورة، إذ يتم كيل الاتهامات لها من مجتمع متخلف تعيش فيه. ونحن نذكر ليس في الماضي البعيد قصة المرأة السودانية التي ظهرت أمام العامة بسروال وتم الحكم عليها بالجلد. كما نشهد في بعض الأحيان حالات قتل بزعم أنها على خلفية الشرف، وهي في حقيقة الأمر غطاء يتستر به الأخوة الذكور من أجل هضم حق بناتهم أو أخواتهم من الميراث. أما في قصة "بقايا" فإن عياد يؤكد على أن القيمة العليا للإنسان هي الكرامة، وهي أغلى ما يملكه الإنسان الفقير؛ لأننا نعيش هذه الأيام في زمن تراجعت فيه القيم وطغت فيه المصالح. وفي قصة "رقص على الناصية" يصور لنا الفرق الشاسع بين الحاكم الذي ينعم برغد العيش وعامة الشعب المسحوقة التي لا تجد ما يسد رمقها مما يضع أحوال البلاد على حافة الانفجار، على نحو ما حدث عشية الثورة الفرنسية عام 1789 عندما وصلت شكوى الفرنسيين من الجوع إلى مسامع الملكة ماري أنطوانيت، والتي بدورها اقترحت عليهم بسخرية استبدال الخبز بالبسكويت.

وكان لقصة "أنا مواطن" وقعاً كبيراً في نفسي، حيث إن الجميع يسعى للاستفادة من الوطن وليس إفادته. وهذا ما يذكرنا بأغنية المطرب التونسي المشهور "لطفي بشناق" حين يغني "خذوا المناصب، خذوا المكاسب، بس أعطوني الوطن". لقد قال الرئيس الأمريكي الأسبق "جون كيندي" في الستينيات من القرن الماضي: "لا تسأل ماذا سيقدم لك بلدك؟ بل اسأل نفسك ماذا تستطيع أنت أن تقدم لبلدك".

يسلط عياد في قصة "فوضى الروح" على أهمية الفن في المقاومة ضد طغيان الحاكم أو جبروت الاحتلال. وفي حقيقة الأمر تنقصنا الثقافة المجتمعية حول أهمية الفن بجميع أشكاله. وبالتالي فإنه يجب أن يدرّس الفن في المناهج الدراسية لا من أجل الفن، بل من أجل توظيفه لخدمة قضايا سياسية واجتماعية، وكذلك في خدمة قضايا إنسانية كبرى. ويحضرني في هذا المقام لوحة للرسام الفرنسي " أوراس فيرني" “Horace Vernet”

بعنوان "المتراس" التي رسمها عام 1848 والتي تصور الثورة الشعبية التي قام بها الفرنسيون التي أطاحت بالملكية التي رجعت إلى الحكم مرة أخرى وأسست الجمهورية الفرنسية الثانية.

من هنا إذاً تبرز أهمية الفنان أو المثقف الذي لا يقبع في برج عاجي، بل يعبر تعبيرا صادقا عن آلام مواطنيه وآمالهم وطموحاتهم. لقد أطلق غرامشي لقب " المثقف العضوي" على كل مثقف يلتصق بقضايا شعبه ووطنه، وقد استحق عيّاد هذا اللقب بجدارة. فبالرغم من الاختلاف في رصانة القصص، أبدى عيّاد وعياً طبقياً وانحيازاً تماماً إلى جانب المهمشين على اختلاف أنواعهم. وكان ذلك الانحياز العمود الفقري الذي ربط جميع قصص الكتاب.

لقد أثار عيّاد في كتابه هذا معاناةً وقيماً إنسانيةً عالمية تصلح أن تكون مادة يبنى عليها لتصبح روايات عالمية. فما يمنح البعد العالمي لأية رواية هو معالجتها للقضايا الإنسانية التي يشترك فيها كل أبناء البشر خاصة المهمشين و الفقراء منهم أسوة بكتّاب وصلوا سدة العالمية.

فكيف برواية "حب في زمن الكوليرا" لغابرييل غارسيا ماركيز الكولمبي أن لا تصل مصاف الروايات العالمية وهي تروي قصة شاب فقير كان يعشق شابة رائعة الجمال، وقد زوّجها والدها من شاب ثري؟ وكيف لا تخترق العالمية رواية " أرض ثمارها من ذهب" لجورجي أمادو البرازيلي لولا أنها تحدثت عن الإستغلال في العمل والكدح الشاق والجشع والعنف؟ لقد كانت رواية "البؤساء" لفكتور هوغو ملحمةٌ تعالج التهميش والفقر. فقد حُكم على جان فالجان الفقير المعدم بالسجن خمس سنوات لسرقته كسرة خبز تعود لطفل. وها هي رواية "الفقراء" للروائي الروسي " فيودور دستوفسكي" التي صورت حياة الفقراء التعيسة في روسيا القيصرية. لقد أثبت الكاتب أنه ليس فقط المثقف الملتصق بقضايا مواطنيه ونقل همومهم -بل أيضا- المثقف "الجمعي" أو "الجماهيري" ولذلك من خلال تحفيزه للمهمشين وتحشيدهم للتمرد على أوضاعهم وخلق مناخ أفضل لهم ولعائلاتهم. لقد حفز عياد فيهم الإرادة وزرع فيهم الأمل بالتغيير تطبيقاً لمقولة غرامشي الشهيرة" تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة".

إذاً خرج عيّاد عن نمط المثقف التقليدي ونادى بإعمال العقل محاولاً خلق ثقافة جديدة تحمل أدواتِ تثويرٍ في المجالات السياسية والاجتماعية والأخلاقية، ومتمرداً على القيم البالية والقوالب الجامدة التي ساهمت في تخلفنا لعصور طويلة من الزمن. وفي هذا فقد قام عيّاد بتطويع الكلمات ليجعل من اللغة أداة اتصال من جهة ويخلق منها مؤسسةً مرتبطةً بالثقافة لأجل إنتاج رؤيةٍ جديدة لتغيير واقع المهمشين من جهة أخرى.

كما أراد عيّاد من كتابه إرسال رسالة إلى المهمشين وإيقاظهم من صحوتهم ليعرفوا كامل حقوقهم مستندا على قوة سلطة المعرفة التي يؤكد عليها ميشيل فوكو " فالمعرفة قوة"، وإذا ما عرف الفرد حقوقه نهل من قوة المعرفة تلك وعرف كيف يناضلُ من أجل الحصول على حقوقه والحفاظ عليها.

الدكتور سعيد عياد لم يتمرد على الموروث الثقافي لصالح الحداثة ، إلاّ أنه أيضا لم يتمسك بالقوالب الجامدة للتراث ، بل حاول التوفيق بين الأصالة والحداثة. وفي هذا يلتقي عياد مع ما يطرحه محمد عابد الجابري من حيث أخذ العبر مما فعله الأوروبيون في جعل أي فكرة جديدة جسراً بين الماضي والمستقبل.

حيث تعد الشخصية أهم عنصر في القصة القصيرة، فإنّ عياد لم يعط الاهتمام نفسه للمكان والزمان اللذان لا يقلاّن أهميةً عن الشخصية كعنصرين هامين أيضا من عناصر القصة القصيرة، وذلك لجعل المواضيع المطروحة تصلح لكل زمان ومكان. ويا حبذا لو أن عيّاد خصص قصة لبؤساء قطاع غزة الذين يشكلون الجزء الأعظم من السكان هناك، وذلك إسهاماً منه لتعريف العالم أجمع التهميش والاضطهاد الذي يعاني منه السواد الأعظم من الناس.

وأخيرا أرى في كتاب "المهمشون" نهجاً جديداً ورسالةً قوية إلى المهمشين ليثوروا على واقعهم وكذلك إلى مضطهديهم بأن الحال لن يستمر هكذا ولا بد للقيد أن ينكسر.

ألقيت في المركز الروسي-بيت لحم

26.7.2021