أرواح متحررة 369

نشر بتاريخ: 14/02/2022 ( آخر تحديث: 14/02/2022 الساعة: 09:35 )
أرواح متحررة 369

رواية سينمائية للمبدعة "خالدة غوشة"

بقلم / مصطفى النبيه

عندما ينهض الخيال ويرسم للقارئ نهرا من المعرفة ويتركه يبحر في أعماق الشخصيات ليسترشد بتجربة أناس يشبهونه في الحكاية ويختصرون له الوقت ليعيد ترميم حياته تكون الرواية لتختصر عالما بصريا يعيش بين الأوراق، وتمنح القارئ المتعة والفكرة التي تحلق في فضاء الكون، فما بين مزيج من الواقع والخيال والنبش في الممنوعات لخلق واقع أفضل تكون حرفية الروائي في صناعة عمله، وهذا ما صنعته الروائية المبدعة خالدة غوشة في روايتها" أرواح متحررة 369" حيث تسلط الضوء على أرواح تبحر في دائرة مغلقة شديدة الحساسية لتستعبد الإنسان وتجره إلى بحر الخزعبلات، فبحرفية عالية رسمت عالما موازيا لنا يسيطر عليه السحر والجن، واعتمدت في آلية البناء على الرموز ودلالتها، فمنذ اللحظة التي وقعت عيني على رواية "أرواح متحررة " راودني شعور بأنها تحمل في مضمونها ثورة على أمراض التصقت بالإنسان وجعلته عبداً لأفكار مشوهة جردته من جماليات الكون، ليعيش العبودية بإرادته ، من طبيعة الإنسان عدم الثبات، فالضغط يولد انفجارا والمخلوقات تكره الروتين وتبحث عن وسائل للتحرر والتمرد على واقعها المزرى، فالتحرر هو ما تصبو إليه النفس البشرية ، فسر البحث عن عالم الغيبيات لم يكن لمجرد المعرفة بل لكسر هذا التابو المرعب الذي يتحكم بمصائر الناس، فالتحرر مصطلح يتناول عالما مضطهدا يعيش حالة قمع فكري وجسدي ويناضل لأجل تحطيم جدران السجن والانطلاق نحو الحرية، وعند الوقوف أمام عتبة النص وأمام "أرواح متحررة369 " يضيء أمامنا صور بصرية لأرواح تتحرر من عبودية الجسد وترقص وتحلق في عوالم مخفية لتتخاطر وتكشف لنا عن أسرار الكون. عندما ندقق في لوحة الغلاف بشكل أعمق تشدنا رمزية المثلث بما يحمله من روحانيات مرتبطة بالأرواح المحلقة والصاعدة إلى العالم الآخر بعد أن تحررت من سجن الأرض وانطلقت للمعرفة واخترقت ما بعد البعد في السماء، فنحن في سباق ما بين رحلة الجسد، العقل، والروح.

حيث يقع المثلث في بقعة سوداء يظللها من الأعلى والأسفل غيوم بيضاء تبشر القارئ بالمطر بعد التحرر من الخيوط الواهنة التي تستوطن هامش الحقيقة لتسيطر على الموقف، ولدلالات الأرقام معنى يسرد خفايا الرواية.

“369 " الخانات ثلاثة وتقسم على ثلاثة، والمثلث ثلاثي الأضلاع ورقم " 3 " يرمز إلى الإبداع والحماس والسمو الروحي والتواصل الاجتماعي والتعبير عن الذات، ورقم "6" يرمز إلى إثراء الجوانب المشرقة في حياتنا والمسؤولية والاهتمام والحب، أما رقم "9 " فيرمز إلى الإنسانية والعمل الخيري وعدم التفرقة والنهايات الحسنة، هذه الرموز التي تحدثت عنها تشكل للقارئ مفاتيح التفاؤل للإبحار في عالم الرواية وقبل أن نخوض في تفاصيلها..

بخصوص الإهداء في صفحة " 4 " تقول المبدعة خالدة غوشة:

" بكل الحب أهديكم هذا العمل المتواضع الذي أتمنى أن يكون ممتعاً بكل تفاصيله سواء في المواقف الإنسانية أو الفكاهية أو مواقف الرعب، فأنتم اليوم مع عمل متنوع، فتارة ستحبون الشخصيات الفكاهية، وتارة ستتعاطفون مع الشخصيات الإنسانية، وتارة أخرى ستكرهون بعضهم، َ وتارة ستحزنون على من قُتل وتارة ستغضبون ممن قَتل.

أرواح متحررة هي خليط ما بين الخير والشر، ما بين الزهد والطمع، ما بين كسب الدنيا وخسارة الآخرة أو العكس، ستشاهدون إنسانية الإنسان وشرور الإنسان، ستشاهدون طيبة الجن، وخبث الإنسان، وقد تشاهدون العكس.. خبث الجن وطيبة الإنسان.

لهذا فإنني لن أخص أحداً بإهداء هذه الرواية لشخص بعينه، كما في رواياتي السابقة، بل هي لكم ولكُنّ، أنتم وأنتن، قرائي الأعزاء

مع حبي الدائم لكم

خالدة ابنة التراب 555

فالكاتبة في مضمون إهدائها قدمت للقارئ ملامح روايتها ومهدتُ له الطريق ليبصر الأحداث، كما تحررتُ من إهداء الكتاب لشخص بعينة بل وهبته للجميع بشكل مطلق ليصبح الكتاب أكبر من جسد، روح تحلق وتلتقي لمن يبحث عنها لتمنحه الحب والحنين، فموضوعها يتناول الإنسان بشكل مطلق وكيف يتم السيطرة عليه ليصبح تحت القبعة للقوة المتحكمة.

ملخص عن الرواية

تدور أحدث الرواية الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، بداية شهر أكتوبر في منزل مكون من تسع شقق للإيجار في مدينة القدس.

وقد تم تشكيله بناء على وصف الكاتبة حيث قالت: "بأن جدرانه تحمل المقدّمات الخاصة بأركان كل التاريخ الجغرافي... رياح صحراوية، تنتهي بصورةٍ غرائبيةٍ عند بئرٍ في الجهة الشمالية من المنزل، مظللة بكمٍّ هائلٍ من الأشجار المرصّعة بالأحجيات وبعضٍ من الخيطان المتساقطة على أنفس جميع السكان... أنفاسٌ مرتعشةٌ أفواهٌ جافة... لنكتشف أنَّ كلَّ هذا جزءٌ من حلم حقيقي!...

الحلم لم يكن سوى حالة صحوة، تَشارك فيها جميع السكان قبل العودة لعالم الوجود." فنحن في منزل سكانه مغيبون تتحكم فهم قوة خفية من خلال مشعوذة، حيث تسرد الكاتبة أحداث روايتها بأسلوب سينمائي مشوق، فالوقت منتصف الليل، حيث السكون الذي يخيم على المكان يخترق هذا الصمت صوت "طوني" ابن "جانيت" الذي يسكن في شقة رقم "2"، يطرق أبواب الشقق وهو يهذي بكلمات غير مفهومة.. اختفت، اختفت.. يقترب جميع السكان منه ليستفسروا عن سبب خوفه وهلعه فيؤكد لهم أن حلة الطعام اختفت، يسأله طالب الحقوق "جهاد" الذي يسكن في شقة (5) وهو يستهزئ منه، كيف تختفي حلة الطعام؟ جميع السكان يهزؤون به ويسخرون من تصرفه الأهوج، وعندما يتحدث عن حلة الزغاليل ينظر الجميع لبعضهم بعضاً وكأن شيئا مشتركا يجمعهم. وعندما يهدأ "طوني" يصدم الجميع بصراخ مدرّسة التاريخ "مها" التي تسكن شقة رقم "7 " وهي تصرخ " راية" تعزف الموسيقى وتزعجنا في منتصف الليل، فتضحك جليلة " أم نجيب" مالكة المنزل التي تسكن في شقة رقم "1" وتشير بيدها نحو" راية" وتقول: انظروا! إنها تركت شقتها وموجودة بيننا. يصاب الجميع بالرعب فتقترب المهندسة "سميرة" العزباء التي تسكن في شقة رقم "9" وتبلغ من العمر أربعين عاماً وتكره الرجال، تقترب من "عليّ" الذي يدرس علوم الطاقة والفلك ويسكن بشقة رقم " 6 " وتحدثه عن الأرواح المتحررة وكيف ستعود روحها إلى الأرض في زمن وتاريخ انتكاستها.. فيأتي صوت ليؤكد للجميع أنهم سيذوقون من نفس الكأس " كلكم "ميتون" ، وحين خرج طوني مفزوعا ، نظروا لبعضهم بعضاً ، كانوا قد تذوقوا جميعهم من الحساءِ نفسِه تمامًا، باستثناء "سميرة." لتقول الكاتبة إنهم تحولوا لدميً بين يد خفية ما عدا سميرة التي مازالت تتحكم بقدراتها، بعد أن تعود لغرفتها وتفتح المذياع على صوت القرآن.. يخرج دخان وتسمع طرقات وتشعر بوجود حمامة في خزانة ثيابها فأطلقتها، وكانت الحمامة تردد ... جليلة، الموت.. نجلاء.. أنقديني.. هذه الرسائل الرمزية التي تربط بين جليلة " أم نجيب " وموت نجلاء، ابنتها التي ستظهر لاحقا، هي رموز وضعتها الروائية لحل لغز حكايتها. ثم تشدنا الكاتب لعكس التوقع فتقول: تعتقد سميرة أن ما شاهدته أو سمعته مجرد كابوس لأنها لم تتذوقْ النومَ على الإطلاق، وأنها تعيش حالة من الهذيان، وبعد هذه الانفعالات وليلة الرعب يأتي النهار وتعود الأمور لطبيعتها، وتبدأ الروائية خالدة تسرد خبايا شخصياتها وأسرارها، ومع تنامي الجريمة في المنزل بطريقة أو بأخرى واكتشاف الضحايا الذين سقطوا سابقاً، وتواصل عمليات القتل في السكان واحدا تلو الآخر من خلال السحر الأسود والأرواح الخبيثة التي تتحكم بها أم نجيب بأسلوب مرعب ، تحاول "رنين" استحضار روح ميتة أمام "علي ، راية وسميرة، ولكنها في صفحة " 72" " ترتفع عن الأرض ورأسها للأعلى وفمُها مفتوحٌ ، ويتساقط من جسدِها ماءٌ من كلِّ ناحية، ويطفئُ شمعةً تلو الأخرى، والأشدُّ دهشة أنَّ جميع حطام الفنجان دخل في فمها، وكأنه كوبٌ من السكر الناعم. لكنها لم تشعر بأيِّ شيء، كانت مندهشةً فقط، بعدها بدأت ترى نوراً رائعاً، وأحست فجأة بأرضية دافئة وناعمة تحت قدميها العاريتين. وهناك من يناديها باسمها "رنين" ويحتضنها بقوة. بعد موت رنين يدور حوار بين "علي، راية وسميرة" عن المعرفة بالغيبيات وكتب السحر والحدود المتنازع عليها بين السحر والدين، وكأننا أمام فيلم استقصائي يتناول عالم ما وراء الطبيعة ومدى تأثيره على عالم الأرض. وبعد هذا الحوار ترسم سميرة خطة للتقرب من جليلة للقضاء عليها فتلتقيان وتروي لها السبب وراء عدم زواجها لارتباطها بالجان من خلال "دهار"، ويدور حوار بينهما فيتضح من خلال الحديث سيطرة جليلة على زوجة ابنها " صباح" والتحكم بتصرفاتها، وأثناء اللقاءات المتواصلة بينهما تكشف جليلة عن انتحار ابنتها " نجلاء " في البئر بعد أن حملت سفاحا من أخيها نجيب تحت تأثير الشعوذة وسيطرة الجن. هنا ترسم سميرة خطة للتخلص من جليلة و " صباح " بأسلوب ذكي وبنفس طريقتهما الإجرامية، وبعد أن تقضي عليهما تشتري المنزل من المالك الوحيد، نجيب ابن جليلة وتعيد للمكان الحياة.

نحن أمام عمل إبداعي ينتصر للسينما، حيث اعتمدت الروائية خالدة غوشة في سردها للأحداث على الراوي المتكلم، ثم تعتمد على الحوار المباشر بين الشخصيات التي ابتكرتها لتروي حكايتها، وعلى المؤثرات الطبيعية والصناعية ليعيش المتلقي حالة الرعب التي صنعتها بأسلوب جذاب. رغم لغتها الجميلة التي تحمل فلسفة وتريد من خلالها أن تحكي كل شيء، إلا أنها لم تعطِ للشخصيات سمات مختلفة عن بعضها البعض، فالأصوات متداخلة باستثناء شخصية سميرة، المتقمصة شخصية الكاتبة الباحثة المتقصية لعالم الجن والشعوذة، العالمة بكل ما يدور حولها.. المالك الماضي والحاضر والمستقبل. فسميرة بطلة الرواية شخصية استثنائية تحرك اللاعبين في روايتها على أنهم دمى تحكي بلسانهم وتفكر عنهم. كان على الروائية أن تفصل بين ثقافتها وتعطي المجال لشخصياتها للتعبير عن أنفسهم بمفردات مختلفة.. الحديث المتشعب وخاصة عن الماسونية كان مقحَما ولم يسهم في تطوير البناء في العمل. وبخصوص المعالجة فرغم جماليات البناء والتسلسل والتشويق والتوقع وعكس التوقع إلى أن تصاعد الشكل الهرمي وخاصة أمام بناء الحبكة التي تتناول خطة سميرة للتقرب من جليلة أم نجيب وصباح زوجة ابنها نجيب لكشف أسرارهما وعملية قتلهما لتطهير العالم من هذا الوباء، وبعد ذلك شراء البيت من ابنها نجيب بأسلوب الابتزاز.. فقد تسرعت الروائية بتقديم الحل بأسلوب سريع لتنهي روايتها، فالمعالجة هنا تحتاج لإعادة صياغة والتفكير على خطة بديلة أكثر نضجا . وفي النهاية "رواية أرواح متحررة 369" تتناول قضية مهمة وحساسة بتكنيك سينمائي مميز يعتمد على عنصر التشويق وبناء المشاهد بحرفية وخبرة فنية. كل ما يحتاجه كاتب السيناريو هو ترتيب المشاهد لصناعة سيناريو جيد يحمل حكاية مهمة تعتمد في تكوينها على الرموز، فالبئر مثلا وقتل" نجلاء" لهما دلالتهما المعرفية التي تمنح المتلقي مساحة بصرية وفكرية، وما تحدثتُ عنه خلال قراءتي لهذا العمل مجرد سقطات قابلة للتطوير لمنح جمال لهذه الرواية المهمة. وأخيراً أوجه سؤالا للروائية " خالدة " ..إن كان كل شيء معدا سلفاً كما قالت سميرة بطلة العمل لعلي.. "لا يوجد صدفة في الدنيا، كلّ شيء له مسار مرسوم، نحن بشر، ولسنا نباتا، يمكن للصدفة أن تجعل وردة تُزهر قرب شجرة الصبّار.. فما الهدف من العقاب؟